منذ أن هاجر مع عائلته من قرية «كرتيا» قضاء الفالوجا، إبان النكبة في العام 1948، يعمل الحاج السبعيني إسماعيل الخطيب في مهنة الحلاقة.
كان الخطيب المولود في العام 1936، في الثالثة عشر من عمره، عندما بدأ والده في تعليمه فنون مهنة الحلاقة، ومنذ ذلك الحين لم ينقطع عن محله الصغير في سوق فراس الشعبي، أشهر الأسواق في مدينة غزة.
ويقول الخطيب المعروف بين زبائنه ومعارفه ب «أبو هاني»: كان والدي من بين عدد قليل من الحلاقين في مدينة غزة، بعد أن اضطررنا للهجرة من كرتيا بسبب الجرائم والمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في العام 48، ولأنني أكبر إخوتي، علمني والدي هذه المهنة كي أساعده في توفير مستلزمات الحياة.
في ذلك الوقت لم يكن للحلاقين محال، أو «صالونات»، كما هو متعارف عليه في هذه الأيام، ولكن كانوا يصطفون إلى جانب بعضهم بعضا في الأسواق، وأمام كل منهم كرسي خشبي وطاولة صغيرة يضع عليها مرآة وأدوات الحلاقة البسيطة، والحديث ل «أبو هاني».
وأضاف: بعد حوالي عام كامل من العمل مع والدي في السوق، استأجرنا محلاً صغيراً، وكان بذلك أول «صالون» للحلاقة في قطاع غزة، وبسبب عدم مقدرة والدي رحمه الله على العمل لوقت طويل لتقدمه في العمر آنذاك، اعتمد علي للعمل في الصالون بمفردي، وكنت في ذلك الوقت أصغر حلاق في قطاع غزة.
وتابع: كان لحداثة عمري دور كبير في جلب الزبائن، فقد كان المتسوقون يفضلونني على غيري آنذاك، لسرعتي في العمل، وإتقاني للمهنة، ولنظافة المحل، وتوجه الكثيرون للحلاقة بعيداً عن أعين الناس والمارة في السوق، حتى ذاع صيتي، وأصبح الكثير من الشخصيات العامة وأبناء العائلات الكبيرة في غزة من زبائني الدائمين.
ولا يزال كثير من زبائن أبو هاني محافظين على الحلاقة في محله الصغير، رغم أن المهنة تطورت، وأصبح هناك الكثير من صالونات الحلاقة، والحلاقين شباب، الذين يجيدون العمل وفق رغبات الزبائن، وبأحدث قصات الشعر الشهيرة عالمياً.
ولمواكبة هذا التطور الذي طرأ على مهنة الحلاقة، حافظ أبو هاني على زبائنه القدامى من كبار السن، بينما علم أبناءه المهنة، من أجل جذب الزبائن الشباب، وتلبية رغباتهم.
ورفض أبو هاني مراراً ضغوط أبنائه عليه بالراحة واعتزال المهنة، حيث يبدي حبه الشديد لمهنته وإصراره على مواصلة العمل بها، طالما ظل يتمتع بصحته، ويقول: بفضل هذه المهنة وبتوفيق الله نجحت في أداء رسالتي في الحياة، وإعالة أسرتي الكبيرة، المكونة من 60 فرداً من أبنائي وأحفادي.
وحول مراحل تطور مهنة الحلاقة في قطاع غزة، يقول أبو هاني إن المهنة كانت بسيطة جداً ولم يكن هناك سعر محدد نظير قص الشعر والتزيين، ولكن كان الزبون يدفع ما يستطيع دفعه، وليس بالضرورة أن يكون الدفع بالمال، فقد يكون أشياء عينية كالبيض والحلوى والرز والخبز والدقيق والسكر.
كما طرأ تطور على الأدوات التي يستخدمها الحلاق في عمله، ففي بداية عملي لم أكن أمتلك سوى مقص ومشط وشفرة، وبقيت على هذه الحال حتى العام 1967، حيث قمت بإجراء تطوير على المحل والأدوات، وامتلكت حينها لأول مرة ماكينة حلاقة تعمل بالكهرباء، وكرسيا حديثا، بدلاً عن الكرسي الخشبي، يقول أبو هاني.
وأضاف: وقد ارتسمت بسمة على شفتيه، وفي ذلك العام تعرفت لأول مرة الى الصابون المعطر، أما جيل اليوم، فيحتار في اختيار ما يستخدم من مستحضرات التجميل والعطر ومثبتات الشعر.
ويستذكر أبو هاني القيمة الكبيرة التي كان يتمتع بها الحلاق قبل بضعة عقود، حيث كان الناس يتعاملون معه كطبيب يعالج الأسنان ويقلع ما يصيبها من تسوس، ويجري عمليات الطهور للذكور، ويعطي وصفات الأعشاب للعلاج من كثير من الأمراض، وذلك بسبب بساطة الحياة وندرة الأطباء، ومراكز الرعاية الصحية.
مقتنياته كرسي خشبي وطاولة وأدوات بسيطة
كبير حلاقي غزة «يزين» سوق فراس الشعبي
5 فبراير 2016 00:43 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 فبراير 00:44 2016
شارك
غزة أحلام حماد: