يشترك مفكرو وفلاسفة وكتاب فرنسا الكبار الذين طبعوا القرن الماضي بطابعهم الخاص، من ميشيل فوكو ورولان بارت وجيل دولوز وحتى جاك ديريدا وجمال الدين بن الشيخ في ميزتين اساسيتين، الأولى هي انهم قدموا من الحقل الاكاديمي وظلوا يشتغلون في اروقته حتى ودعوا الحياة. والثانية هي انهم لم يعيشوا من اجل كتبهم او مهامهم التعليمية فقط، بل سارت حيواتهم على مستويين منفصلين، بين المهنة والانهماك في قضايا المجتمع، ولذا كانوا منخرطين في تيارات الحياة السياسية والاجتماعية، ولم يكتفوا بحدود الالتزام الثقافي، بل كسروا جدران الاكاديميات، وراحوا يشاركون بفرح في حركة الشارع. وكما انه لابد للشعب من جنود يحرسون الأمن والسلام، وعمال ينتجون المأكل ويبنون المسكن، فلابد له ايضا من عبقريات تخلق المعاني والقيم والأفكار.
انها اذن تجربة خاصة تستقي جذورها من وضع وجودي لحركة وصيرورة الفكر الاوروبي في الزمان والمكان، في محاولة امتلاك الفضاء الخارجي في سعته وأبعاده المحسوسة، في وقت لم يعد فيه للآخر في ماهيته الميتافيزيقية المجردة والمتعالية أي موقع. وبإمكاننا في هذا الصدد ان نرصد امثلة كثيرة، عما اسماه فوكو تأسيس وضع للفرد والجماعة، ضمن سياقات تصل حدود الصوفي.
رولان بارث:
معنى الاشياء المحيطة
كان رولان بارت متوجها إلى الكوليج دي فرانس، في شارع ليزيكول، حيث يُدرّس، يوم 25 فبراير/شباط ،1980 وإذ بسائق شاحنة مغاربي يسوق شاحنته الصغيرة بسرعة، فيقوم بصدمه وبالتالي قتله. هل هو قدر شخص، باحث، كان يعشق الوطن العربي، أن ينتهي بهذه النهاية، وهو الذي قدّم كتاب المفكّر المغربي الكبير عبد الكبير الخطيبي بمقال معنون: ما أَدِين به للخطيبي؟
هناك جانب مهم من حياة بارت الناقد الكبير والاكاديمي ذي الباع الطويل، هو صلته بما وراء جدران الجامعة العريقة كوليج دو فرانس بقي في الظل. يتعلق هذا الجانب بالمقالات الصحافية القصيرة التي كتبها بين الاعوام 1954 و1956. ورغم ان عددا من هذه المقالات تتحدث عن الشخصيات السياسية، فإن غالبية النصوص تركز على مختلف مظاهر الحياة الشعبية، مثل الافلام والاعلان والصحف والمجلات والصور والسيارات ولعب الاطفال والتسليات الشعبية، ومن ذلك اراد بارت ان يوصل رسالة مهمة مفادها ان هناك حياة خارج الرصانة والاكاديمية، وان توافه الحياة اليومية بطريقة أو أخرى، مليئة بكل اصناف المعاني المهمة، لا سيما وأن بارت كان غالبا ما يزعم أنه مأخوذ بمعاني الاشياء المحيطة بحياتنا اليومية، ضمن مشروع كان يسميه فضح الأوهام الذي اسس عبره سوسيولوجيا الحياة الحديثة، وقد استخدم بارت الأدب ليرسم صورة ميثولوجية (اسطورية) عن ظاهرة ابداعية، ولكنها ذات منحى جماهيري وشعبي هي الرياضة، التي كان مشغوفاً بها على اختلاف انواعها.
بيير بورديو:
خلخلة من الداخل
بيير بورديو أكاديمي مرموق ومفكر وسوسيولوجي فرنسي رفض ان ينزوي في برجه العاجي في الجامعة، وكان في وسعه ان يتحول الى ايقونة نظرا للاعجاب الشديد الذي حصده، لكنه فضل ان ينزل الى الناس، ولم يكتف بدراساته الاجتماعية، بل كرس وقتاً مهما لالتزاماته السياسية، ومعركته ضد الميديا التي لم يهادنها، بل اعتبرها جزءا من أيديولوجية الدولة القمعية ، والطبقة البورجوازية الحاكمة.
هو من القلائل في فرنسا الذين اعتبروا أن أهمية الكاتب أو المثقف أو الأكاديمي، لا تتوقف عند حدود مقاعد التدريس، بل تتعداها إلى الشارع وإلى السياسة وإلى ما هو مجتمعي، ولا أحد ينسى دوره المهم في استقبال الكتاب والمثقفين الجزائريين، الذين كانوا مهددين بالتصفية في جزائر الحرب الأهلية. كما أنه انخرط في حركة العاطلين عن العمل سنة ،1995 ودافع عن المضربين، وأسهم بقوة في حركة العاطلين عن العمل في شتاء 1997/1998.
جمال الدين بن الشيخ:
النظر في الاتجاه الآخر
بين القامات الفرنسية العالية يقف جمال الدين بن الشيخ الشاعر والروائي والمترجم مثالاً للمثقف العربي الأصيل، الذي من النادر أن تجد مثله في الغرب، فهو متشعب الاهتمامات والمشاغل، ومنغمس في الحياة الاكاديمية والثقافية الفرنسية، أكاديمي ومؤلّف كتاب الشعرية العربية (1989) الذي قدم من خلاله الادب العربي الى الفرنسية، بل تخرجت على يده اجيال من الكتاب والباحثين والأكاديميين العرب وغيرهم.
كل الذين تتلمذوا على يديه عرفوا صرامته وعدم مهادنته، وعلى الرغم من تقاعده سنة ،1997 فقد ظل إلى حين وفاته في الثامن من أغسطس/آب من سنة 2005 مثالا على المشتغل الذي لا يكلّ ولا يتعب. وقد ترك لنا مؤلفات عديدة من بينها الترجمة الشائقة المشتركة مع رفيقه المستعرب الفرنسي أندريه ميكيل ل ألف ليلة وليلة، وقبل أن يقوم بترجمة هذا الأثر الخالد انشأ في كوليج دو فرانس تجمعا للبحث في حكايات ألف ليلة وليلة، تكلل بوضع كتاب الف ليلة وليلة والكلمة الاسيرة.
والميزة الاساسية لجمال الدين بن الشيخ هي انه لم يقف عند حدود الكرسي الاكاديمي، بل انخرط بقوة في الحياة الثقافية وأصدر العديد من الكتب التي لا تزال مثار حديث الاوساط الثقافية الفرنسية ومنها الكلام الصاعد سنة ،1997 ورواية جميلة لم يلتفت إليها العرب، للأسف، وتتحدث عن ثورة الزنج، وهي وردة سوداء بلا عطر (1998) والشعرية العربية: دراسة حول خطاب نقدي(1998) والأعمى ذو الوجه النحيل (1999) وغيرها من المؤلفات التي تشهد على شخص استثنائي لا يتعب، وقد كان له ان يردد لقد علموني ان انظر في اتجاه معين، وأنا اود ان انظر في اتجاه آخر، الشيء الذي امامي يختلف النظر اليه باختلاف وضعيته وباختلاف الضوء المسلط عليه، وانطلاقا من ذلك لم يحصر ابن الشيخ نفسه في اتجاه، بل دأب وعمل حتى اصبح من الاعلام البارزين في ثقافة ما بين الضفتين، كما كان يصف العلاقة بين العالم العربي والغرب.
ميشيل بيتور:
ثورة في الرواية
رغم تقاعده عن التدريس في جامعة جنيف سنة 1991 فإن ميشيل بيتور الفيلسوف والروائي، لا يزال ينضح نشاطا وحيوية وإبداعا(مواليد 1926)، وهو كثير الاسفار وإلقاء المحاضرات، ومتابعة بعض رسائل الدكتوراه حتى الآن، وذلك لايمانه العميق بأن لا تقاعد للمبدع حتى يتوقف عقله. ابتدأ هذا المبدع المتعدد الاختصاصات باحثا في الشأن الروائي، شبه الكلاسيكي، قبل أن يصبح روائيا وينضمّ إلى مؤسسي الرواية الجديدة إلى جانب كوكبة من المبدعين من بينهم ألان روب غرييه ونتالي ساروت وكلود سيمون، ثم يتجه، على خلافهم، إلى أشكال من التجريبية والكولاج (موسوعات أمريكية، تقديم أوصاف للسيارات، مقالات وجذاذات صحف، إلخ)، كل هذا من أجل تقديم صورة عن واقع الولايات الأمريكية المثير للدهشة. وقد كتب الرواية التي حققت له الشهرة خلال اقامته في مصر في الخمسينات (في المنيا). ولا يقتصر نشاط بيتور على الفلسفة والرواية والتدريس الاكاديمي، بل هو شاعر معروف ايضا، وقد صدرت له منذ فترة قصيرة (سنة 2006) الأعمال الشعرية الكاملة عن دار لاديفيرونس.
جيل دولوز:
دروس في الهواء الطلق
مَنْ مِنَ العرب لم يقرأ نصّ المفكر والفيلسوف جيل دولوز عن ثورة الحجارة، ثم من لم يقرأ مقالته الجميلة عن عظمة الرئيس عرفات؟ هو نموذج للمثقف الموسوعي، والمنخرط في عصره. كانت دروسه في جامعة فانسين في السبعينات، التي تحولت الآن إلى جامعة باريس الثامنة سان دونيه، عبارة عن عرس ديمقراطي، كل المواضيع تصبح فلسفة بامتياز، وكل القضايا قابلة للجدل والنقاش، لا تابوهات ولا محرمات، كانت دروسه مفتوحة خارج حدود الجامعة، وقد اضطر لإلقاء درسه الأخير في الهواء الطلق، لأنه حضره اكثر من 20 ألف شخص، منهم عدد كبير من العمال المهاجرين العرب والافارقة.
فوائد دولوز للثقافة والمعرفة لا تقدر بثمن، والكثير من الذين يُديرون مراكز أبحاث وفلسفة في العالم الثالث تربوا على يديه، إلى حد صح فيه ما قاله عنه رفيقه المفكر فوكو إن القرن الواحد والعشرين سيكون دولوزيا، وهو ما يفسره هذا الأخير بقوله: من دون شك كان فوكو يعتقد بأني أمثل التعبير الأكثر صفاء لفكر الاختلاف، لأنه كان التعبير الأكثر تصورية، أي لا تاريخياً (مثلما هو حال فوكو)، ولا نقدياً (مثلما هو حال رولان بارث)... إنه كان يريد القول، من دون شك، إني كنتُ الأكثر براءة والأكثر فلسفة. وحسب دولوز فإن الفيلسوف المستقبلي هو الذي يسبر اغوار ومكنونات العالم القديم في قممه وكهوفه، ولا يخلق إلا باسترجاع شيء ما اصبح منسيا.
جاك ديريدا:
حنين الضفة الأخرى
يعد جاك ديريدا أحد الكبار الذين سوّقوا الفكر الفرنسي إلى العالم، ومن رواد المدرسة التي أُطلق عليها فرنش فيلوزوفي. ولد سنة 1930 بالأبيار في الجزائر وتوفي سنة 2004 في باريس. وقد تميز في حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر بإدانة سياسة فرنسا الاستعمارية في هذا البلد، وظل يأمل حتى اللحظة الأخيرة قبل ان يغادر الجزائر مع عائلته عام ،1962 في شكل من الاستقلال يتيح التعايش بين الجزائريين والفرنسيين المولودين في الجزائر، وغالبا ما كان يتحدث بعد رحيله عن الحنين إلى البلد الذي نشأ فيه، ولهذا السبب انخرط في نهاية حياته، في نضالات سياسية واجتماعية، من بينها مؤازرة الكتاب الجزائريين الذين هجرتهم سنوات الحرب الاهلية.
لا يبدو أن ثمة في العالم الأكاديمي والجامعي من لا يعرف مصطلح التفكيك الذي كان مخترعه ومطوّره. هذا المفهوم (على الرغم من أن ديريدا نفسه يرفض أن يكون الأمر يتعلق بمفهوم ولا حتى بمنهج)، الذي هو انتقادٌ لافتراضات الكلام، فاض بشكل واسع عن تخصصه الأصلي ، وأصبح من الآن فصاعدا يلامس الأدب والرسم والتحليل النفسي... إلخ. كاتب متمرد ينوس تمرده بين الضواحي المهمشة، وبين قلب المدينة بشوارعه الفسيحة، يهدف الى اظهار الضجر والبغض للبنية والنظام. إن ما فعله ديريدا من من اعادة تفكيك للترتيب هو نوع من التدخل الاستراتيجي، ولممارسة نوع من الضغط على نظام من المفاهيم لجعل مسلماته وأوجه قصوره بادية للعيان. ومع انه صار في العقد الأخير من حياته احد نجوم الفلسفة، فإنه استمر يسافر الى اربعة أركان الارض لالقاء محاضرات وللانخراط في النقاش. ورغم كل نخبويتة الاكاديمية فإنه دائما كان يحاول انزال الفلسفة الى ساحة العام، ومن هنا يعتبره بعض النقاد الفيلسوف الحركي الناشط، ذلك انه كان حاضر الذهن في معمعان الصراع الاجتماعي.
لم يعتكف ديريدا الاكاديمي في مكتبه في السوربون، أو ينهزم امام سرطان البنكرياس الذي قضى عليه، بل كثيرا ما كان يشاهد يناقش تلاميذه في المقهى، ويستقبل رسائل الدكتوراه حتى آخر ايامه. وهناك ميزة أخرى مهمة تسجل له، وهي أنه على غرار بورديو، لم يحبب التحدث في وسائل الإعلام، لأنها في نظره: لا تَقْبل الصمت، ولا تسمح للمتدخل بأن يُنهي جوابه.
كتبه عديدة وترجمت إلى كل اللغات، ومن الجدير بالإشارة أن كتابا له يحمل عنوان الحيوان الذي أمثله صدر بعد سنة من موته. وهو كتاب ينطلق من أشياء حميمية وذاتية، ويبتدئ حين يكتشف المفكر وهو يخرج من حمّامه، عاريا، أن قطه ينظر إليه، فخجل المفكر، وجعله الأمر يفكر في الآخر، وفي الحيوان الذي يمثله الكائن البشري.