تقول د. مريم الداغستاني، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر للبنات: الإسلام وفر الحماية للأنثى وهي نطفة في بطن أمها، فجرم الإجهاض وقرر عقوبات لكل من يتورط في وأد أنثى قبل أن تخرج للحياة، وقد شن القرآن الكريم حملة على هؤلاء الذين يسيطر عليهم الشعور الجاهلي بكراهية الأنثى وتفضيل الذكر عليها.. كما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثير من الوصايا بالإناث وحث الآباء والأمهات على رعايتهن وتعليمهن وتزويجهن ووعد من يفعلون ذلك بدخول الجنة.
حسن الاستقبال
وتضيف: بعد توفير الحماية للأنثى حتى تخرج للحياة مولودا ضعيفا يحتاج إلى الرعاية وفر لها الإسلام «حسن الاستقبال»، فالمولود نعمة ورزق من الله عز وجل، ونعم الله ينبغي أن تقابل بالشكر وحسن الرعاية، فقد حثنا ديننا العظيم على حسن استقبال المولود، وجعل من واجب كل مسلم أن يحتفي بنعمة المولود، وأن يحسن استقباله، وأن يرضى بما قسمه الله له، ولا يسعد بالذكر ويحزن أو يكتئب أو يتضايق بالبنت.. فالأنثى أم وأخت وابنة وزوجة.. والولد رفيق وصاحب، وكلاهما عز وعزوة.
وهكذا تتضح لنا رعاية الإسلام للأنثى منذ خروجها إلى الحياة وإحاطتها بسياج من الحماية والتكريم والرعاية، وإلزام والديها بكل ما يحفظ لها سلامتها الجسمانية والعقلية.. كما يتضح لنا أن الإسلام يحارب كل شعور بغيض تجاه الأنثى، ويدين كل سلوك يحرمها من حقوقها وأبسط حقوقها الحق في الحياة مثل الرجل تماما، وقد حرص رسول الإسلام على التوصية برعايتها وحمايتها وإكرامها بشكل يفوق الذكر. فقال: «من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنة».. كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «من كانت له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة»، قيل: يا رسول الله: فإن كانتا اثنتين؟ قال: «وإن كانتا اثنتين» فرأى بعض القوم أنه لو قيل: واحدة لقال: واحدة.
وتنتهي د. مريم إلى مطالبة الآباء والأمهات بالرضا بما قسمه الله لهم من أولاد وتؤكد أن نوعية الجنس أمر يتعلق بإرادة الله وحكمته.
تقول د. مريم: نحن الآن في أمس الحاجة إلى التسلح بالتشريعات والآداب الإسلامية التي تضمن للأنثى حقوقها، وتحميها من وسائل الإهمال والتقصير التي نشاهدها في حياتنا المعاصرة، حيث لا يزال معظم الآباء يفضلون الذكور على الإناث، وهذا شعور بغيض في نظر الإسلام الذي يوجهنا إلى الرضا بما قسمه الله لنا من الأولاد، ويحث على الترحيب بالأنثى مثل الذكر تماما ويكافئ من يحسن إلى بناته.
بنت صالحة
د. محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر، يؤكد أن كراهية البنات والتي لا تزال عالقة بنفوس بعض الآباء والأمهات من رواسب الجاهلية التي ينبغي أن تختفى من حياتنا، ويقول: كانت الجاهلية معروفة بشدة كراهية البنات ووأدهن (أي دفنهن أحياء) مخافة العار والفضيحة، كما يزعمون زورا وبهتانا، فلما جاء الإسلام أنكر ذلك وشدد في النهي عنه والتحذير منه، يقول الحق سبحانه: «وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت» ويقول جل شانه: «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون» ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا في العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة مكانة البنات وما منحهن الإسلام من حقوق، حيث إنهن الأمهات والزوجات والأخوات والبنات، ولهن في الحياة مكانة ورسالة لا يمكن إغفالها.
ولذلك يضم د. الجندي صوته إلى صوت د. مريم ويطالب بالتخلص من كل شعور بغيض تجاه الأنثى، ويطالب الآباء بالرضا بما قسمه الله لهم، ويقول: على كل أب أن يرضى بما رزقه الله به من الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأن يرحب بالبنت كما يرحب بالولد، وقد تكون بنتاً صالحة متعلمة وحنونة أفضل من مئة ولد عاق، فهناك ذكور يهجرون آباءهم ويعتدون عليهم ويتعاملون معهم بعنف وقسوة.
.. وولد عاق
ويرى أستاذ الشريعة الإسلامية أن استمرار هذا الشعور الكاره لإنجاب الإناث في بلادنا العربية، يؤكد أن هناك بقايا جاهلية لا تزال عالقة في نفوس البعض.. ويقول: ضيق بعض الأزواج من إنجاب زوجاتهم البنات واعتراضهم على ذلك، يعني عدم الرضا بما قسمه الله لهم، وهؤلاء بالتأكيد لا يعون معنى قول الله تعالى: «يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير».. وعلينا أن نؤمن بأن لله في ذلك حكمة لكي تطمئن قلوبنا وتسعد نفوسنا، فقد يأتي الولد وتترتب على وجوده خلافات ومشاجرات وشقاق في الحياة الزوجية وغيرها، وفي حالات كثيرة نسمع عن عقوق الأبناء للآباء، وأغلب العاقين من الذكور، وقد يصل العقوق إلى حد أن يقتل الابن أباه كما تطالعنا قصص الجرائم المنكرة التي تشهدها بعض أقطارنا العربية، ولو تذكر كل أب هذه القصص المأساوية لرضي بالبنات وأحسن إليهن وعمل بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهن.
ويشير د. الجندي إلى رفض الإسلام وإدانته لكل أشكال التمييز ضد المرأة، وكل صور الإساءة إليها، ويقول: الإسلام لا يعرف إلا التعامل العادل مع الأولاد، ويحث الآباء والأمهات على العناية بالبنت مثل الولد تماما وتعليمها وتربيتها تربية صحيحة، وعدم تفضيل الولد عليها في المعاملة والتربية والاهتمام. لذلك فإن كل شعور معاد للمرأة هو في نظر الإسلام شعور مذموم من الله عز وجل.
وأد عصري
د. عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، يؤكد أن إدانة الإسلام لكل سلوك أو شعور بكراهية البنات ووأدهن بالطرق التقليدية التي كانت سائدة في الجاهلية، تشمل الوأد بالطرق العلمية الحديثة عن طريق التحكم في جنس المولود طبيا.. موضحا أن الإسلام يرفض ويدين كل وسيلة لا تمنح الأنثى حق الحياة.
إن الشعور البغيض تجاه الأنثى يمثل رفضا صارخا لإرادة الله ومشيئته ويجب أن يعلم كل زوج أن تحديد جنس المولود لا دخل للأب ولا للأم به، فحكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن يتنوع الإنجاب داخل الأسرة الواحدة بين بنين وبنات، أو يقتصر على نوع منهما، أو قد يكون الإنسان عقيما لا ينجب والإنسان العاقل يأخذ بالأسباب ويدع العواقب لله سبحانه وتعالى.
ويضيف: المسلم مطالب شرعا بالرضا بما قسمه الله له، واستقبال الأنثى بشعور طيب فالإنسان لا يدري أين الخير خاصة ونحن نرى شكوى الآباء من عقوق وتمرد الأبناء الذكور، ومعروف أن العقوق في معظمه من جانب الأبناء، فالبنت لا تقدم على العقوق إلا في حالات نادرة، وهي أكثر عطفا وحنانا على والديها من الابن الذكر، وعلى كل الآباء والأمهات أن يدركوا أن الاستقرار الأسري ليس مرتبطا بوجود الذكور إلى جانب الإناث.
ضوابط شرعية
وعن موقف الشرع من التقنيات الطبية لتحديد جنس المولود والتي يلجأ إليها الآن بعض الراغبين في إنجاب الذكور. يقول د. عمرو:
دار الإفتاء المصرية تناولت هذا الأمر في أكثر من فتوى شرعية، وأوضحت أن الإسلام لا يقف ضد رغبة أب وأم في إنجاب ولد ذكر إلى جانب البنات، لأن هذا يحمي الأسرة من مشكلات وأزمات كثيرة، ولذلك فإن التحكم في جنس الجنين لا يتعارض مع مشيئة الله بل هو مباح شرعا، فالأصل في الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنص، ولقد كان من دعاء زكريا عليه السلام «فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب»، فطلب من الله الولد الذكر.
لكن أمين الفتوى بالإفتاء المصرية يؤكد أن مشروعية تحديد جنس الجنين محدودة بضوابط، ويقول: السعي للوصول إلى ذلك مشروع والأمور بمقاصدها، ولا يجوز الاستناد إلى قوله سبحانه: «لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور» في تحريم تحديد جنس الجنين.. لكن كل مباح تحكمه ضوابط.
ويضيف: إذا كان الإسلام يبيح التحكم في جنس المولود انطلاقا من حرصه على تحقيق طموحات الإنسان المشروعة، فإن الحذر هنا واجب لأننا نعيش في ظل عادات وتقاليد متوارثة ومفاهيم خاطئة لا تزال تسيطر على عقول البعض، وهي للأسف جاهلية، فالمجتمع العربي توارث تفضيل الذكر على الأنثى، ولا تزال هذه القناعة الخاطئة تسيطر على عقول البعض، وفي ظل سيطرة هذه المفاهيم سيتجه الكثيرون إلى إنجاب البنين، وعندما يحدث ذلك ستتضاعف أعداد الذكور وستقل أعداد الإناث.
ويوضح د. عمرو أن حل مشكلات بعض الأسر التي تعاني نفسيا أو اجتماعيا عدم وجود ذكر عن طريق تقنية تحديد نوع المولود لا يعنى الجري وراء هذا الأمر وتطبيقه على نطاق واسع في بلادنا العربية والإسلامية، لما ينتج عنه من مخاطر اجتماعية في المستقبل.
ويقول: يجب أن يرضى المسلم بما قسمه الله له، وينبغي أن يكون فرحه بالأنثى أشد من فرحه بالذكر، مخالفة لأهل الجاهلية الذين وأدوا البنات وشعروا بالعار من إنجابهن.. كما ينبغي أن يستخدم الأطباء هذه الوسيلة العلمية بضوابط وقواعد شرعية وأخلاقية، حتى لا يتحول البحث العلمي في أيدي البعض إلى شكل من أشكال العبث ويضر بالإنسان والأسرة والمجتمع بأسره.