ما بين العشرين من أبريل/نيسان 1929 حين ولد محمد غني حكمت في مدينة الكاظمية ببغداد، وبين عام 1947 حين تُسجّل تلميذاً في معهد الفنون الجميلة في بغداد، حيث تخصّص في فرع النحت، ثمانية عشر عاماً عاشها الشاب المتفجر باليقظة، والمليء بالملاحظات، بين أناس ينتمون إلى طبقة كادحة تبحث عن رزقها، وتصرّ على الاستمرار، في ذلك العالم الذي تمتزج فيه المشاعر الدينية والدنيوية . ويتواطأ فيه الفرد ضمن دائرة كبيرة من التقاليد، والضوابط، بل إن الفرادة عند الفرد كانت عملاً مميزاً يدفع بالكائن لأن يتحول إلى مراقب يسجل باللغة المجردة، أو بالخطوط الحية، عناصر عالمه المحيط به .

كان محمد غني يسعى لأن يجسد هذا العالم ليس كما هو كائن، بل كما يجب أن يكون . لذلك سعى إلى اكتشاف تلك الثروة الفنية الثمينة التي تحيط به اينما ذهب، بل تجاسر على اقتحام حضورها الجمالي، سواء كانت طابوقاً، أو حجراً فرشياً وهو نوع من البلاط المطبوخ والملوّن، لذلك واظب على مُطالعة ذلك الطابوق الذي يغطي واجهات القصر العباسي والمدرسة المستنصرية في بغداد .

قال الراحل في محاضرة له في المجمع العلمي العراقي يوم 13/9/1999: لقد انشغلت يومياً بدراسة هذه المكتشفات وبدأت بتطبيق ما هضمته منها في منحوتاتي الخشبية والبرونزية ونحت الابواب، ونحت المطارق . كنت أنظر بعين فنان محايد، ولكنني كنت أدرس وابحث .كان يختار دائماً أن يكون ندّاً موازياً حتى لأساتذته، لذلك صار ساعد استاذه جواد سليم، ذلك الفنان العراقي الذي يعتبر بحق من المؤسسين الاهم للحداثة النحتية في العراق . من دون أن يخرج عن الموروث (البارليافي) النافر في واحدة من أهم وأكبر منحوتاته المنصوبة في ساحة الحرية في بغداد والتي حملت اسم (نصب الحرية) .من هنا عشنا في عراق الستينيات، زمن الزعيم عبد الكريم قاسم، بأن الفنان الكبير جواد سليم، وافته المنية وهو لم يزل يقف على السقالة كي يجمع مفردات منحوتته الكبيرة، لذلك تسلم محمد غني العمل وبدأ بإنجاز ما تركه استاذه الراحل . لهذا فإن تمثال الحرية بقدر ما ينتمي ابداعياً إلى (جواد سليم) فهو ينتمي من حيث الانجاز النهائي إلى النحات الكبير محمد غني حكمت .

لكن منجزات الراحل محمد غني كانت من السعة والتنوع بحيث يحتاج تصنيفها إلى اعادة قراءة المراحل التي مرّ بها النحات خلال مسيرته الحياتية .

فهو في بدايات مرحلة تخرّجه من اكاديمية الفنون الجميلة فرع النحت في روما سنة 1959 حتى إكماله دراسته في صبّ البرونز في (فلورنسا) بإيطاليا عام 1961 كان نحاتاً تعبيرياً، يبحث عن خصوصيته الشرقية بشكل عام، وعن روحه العراقية المتجذرة في عالم النحت اذا أردنا أن نذهب إلى الاعماق .

وقد أهّلته تلك الخصوصية المفعمة بروح البحث الدائب على أن يحصل على العديد من الجوائز في روما عاصمة النحت، كما تأكد هذا الحضور عبر تكليفه بنحت ابواب كنيسة (تيستاوي ليبره) في فرجينيا في إيطاليا في عام 1958 .

بيد أن محمد غني صاحب اوسع جناح خاص في المتحف الوطني للفنون في بغداد، سوف يفقد 150 تمثالاً من البرونز والخشب والحجر والجبس، حين سرقت وتحطم بعضها أثناء الاحتلال الأمريكي لبغداد في أبريل/نيسان 2003 .

إن تنوع ايقاعات الفنان الراحل كان من الغنى بحيث استطاع أن يكون النحات حاضراً على اكثر من مستوى، فمن جهة الانتماء والتجديد على مستوى النحت التعبيري التشخيصي، فإن منحوتات ابو جعفر المنصور الحجرية، وتمثال العامل الحديدي، ونافورة قهرمانة البرونزية، وتمثال شهرزاد وشهريار البرونزي ايضاً . ونافورة الآلهة عشتار من المرمر، وجدارية بساط الريح البرونزية المذهلة بحركة نفورها وتوازنها، اضافة إلى النصب العملاقة التي نحتها وركبها في كل من عمان والبحرين، ولبنان، ناهيك عن عشرات المنحوتات والابواب والاسطوانات المسامرية، والمسلات الحروفية . كلها جعلت من محمد غني، نحاتاً عراقياً فريداً في غزارته، وتنوعه، وريادته للعديد من الكشوفات النحتية .

يقول الدكتور احسان فتحي عن ابواب محمد غني: ان التأمل في ابواب محمد غني ومطارقة (مدقات الابواب) يزجي إلى ملحمة اسطورية تتطاحن فيها الاشكال الخرافية وهذا التوريق المتشابك اللاهندسي وهذه الدعابات الكروية تذكرني بزخرفة سامراء في الجص والخشب انني اعتبرها إضافة أصيلة وسباقة من هذا الفنان الساحر في احياء تراثنا الحضاري العريق، وهي محاولات نحتية اتاحت له فرصة حرة في التعبير النحتي المطلق .

الواقع أن الراحل محمد غني تعامل مع البوابة كمدخل ذوقي للمسكن الشرقي الذي رأى فيه حالة توافق بالغ الرهافة بين الساكن والمكان . لذلك استعمل مسطحها الواسع كمساحة تأليفية، لاشارات تنتمي إلى الحرف العربي، وتتمطّى ثم تتمحور في رأسها المدبب احياناً لتعلن هويتها المسمارية الرافدينية القديمة، حين كانت الكتابة المسمارية لغة بابلية ذات رموز وايضاحات عقلية .

كان الراحل يقول: ان اهتمامي بتحوير الخط داخل الحرف، يحمل مشاركة حقيقية ممتلئة بالحرية ابتدأت منذ سنوات طويلة، وليس الافتعال كمظهر هو ما جذبني إلى هذه التشكيلات التي تحمل اللعب والعراك معها، فالخط الذي يحمله الحرف يمتد ميتاً . ويستقيم حياً، وينحني ويتكور، فيصبح بعد الامتزاج معه جزءاً مهماً من علاقة نظرتي الي،ه تشكل يحمل معنى او معاني قابلة للتغيير باستمرار، فهي الحروف كالحياة معنى لا ينضب من الاستلهام الذاتي بتجريد المعاني، إن في داخل الحروف انسجاماً رائعاً تكشفه العين من خلال الظلال الجانبية لكل حرف عند تحويلها من الخط إلى الكتلة التي ترسم اشكالاً ملموسة ذات بعدين أو ثلاثة لتعطي بالايحاء وبالخيال العلاقة لمركز الانسان، داخل الواقع الذي لا يريد الافصاح عنه، فيستبدل الخط الافقي إلى اشارة مركبة تنعكس عن الكتلة لتحمل معنى جديداً ذا شكل انساني مملوء بالتغيرات العقلانية والوجدانية .

ندرك من ذلك أن النحات الذي اشتغل على المرئي والمجرد من الحرف العربي هو الوريث الشرعي للابداع التوريقي الذي اشتهر به أغلب المعماريين في العراق العباسي وما تبعه من حقب تاريخية .

وهو الوريث الشرعي للاسطوانات التي طبع عبرها وبواسطتها الاشوريون في المنطقة الميتانية الوسطى، أي خلال مرحلة تداعي بابل القديمة وانشطارها إلى سلالة ايسن الثانية والتي وصلت إلى العصر البابلي الحديث اي خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد .

انتبه محمد غني وهو الدقيق الملاحظة بأن الكتابة على الاسطوانات عند البابليين لعبت ببراعة على العلاقة بين الفراغ والامتلاء . ولكن تلك الاسطوانات كانت تصويرية ايضاً . وبخاصة في بداية القرن الرابع عشر قبل الميلاد خلال حكم كوريكالزو الثاني . ولهذا السبب رأينا ان بعض المنحوتات الاسطوانية الرائعة عند محمد غني كانت مفعمة بالرسوم التعبيرية التي تحكي باطنياً عن حدث استثنائي، ترك النحات امر تفسيره للمشاهد .

أما بوصفه الصانع الامهر في نحت الابواب، فإن محمد غني الذي ولد في مدينة الكاظمية، وعلى مقربة من مرقد الامام موسى الكاظم الذي يزوره ويتبارك به آلاف المؤمنين من شتى انحاء العالم الاسلامي . فإن الأبواب في هذا المزار الكبير كانت تحظى بقدر هائل من التبجيل والتقديس والتقبيل بغية التبرك بها، إنها المدخل للمقام . وكل مدخل لا بد وأن يزرع الهيبة . كما وأن للباب في التراث الاسلامي خاصة والشرقي عامةً موقعاً مميزاً حتى على صعيد اللغة، او الانتساب، أو الوصف، فالجيد هو الباب الاول من حيث النوعية، والباب العالي هو مركز السلطة العالي .لذلك أراد النحات محمد غني عبر ابوابه ان يستعيد هذا الميراث، ولكن من دون أن يسقط في نوع من الفن التقوي او في حالة من حالات الانجذاب السلفي .

لقد رحل محمد غني عن عمر تجاوز الثمانين عاما، لكنه ترك ميراثاً ابداعياً سيبقى مفخرة لوطنه العراق، رغم أن فناناً كبيراً بمستوى محمد غني تعرض في حياته للكثير من الاذى، سيما عندما سرقت اعماله النحتية، وتمّ تدمير بعض منها . ناهيك عن غربته التي اضطرّ اليها أواخر حياته، عندما خطف ابنه مقابل فدية، فإن عواصم كثيرة زرع فيها ابداعه سوف لن تنساه، كما لا أنسى ذلك الصباح الجميل من يوم 20/12/2009 حين دلف بقامته المتينة مع قرينته السيدة (غاية) وهي شقيقة النحات العراقي الراحل الكبير خالد الرحال، محترفي بيروت، مقدماً لي كتابه ابواب وفيه روائع ما انتجه من ابواب كبيرة وخالدة على مدى خمسين عاماً .

برحيل محمد غني التمعت النقطة في آخر سطر من سجل النحت الرافديني الحديث الذي لم نعد نعلم بعد الآن، كيف سيكون مصير تراثه الكبير؟!