صحابي جليل، كان شاعراً معروفاً في الجاهلية، حتى ان النبي صلى الله عليه وسلم عرفه بصفته هذه حين التقاه قبل بيعة العقبة، وقد دخل كعب والبراء بن معرور على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه في الكعبة، ولم يكونا قد عرفا النبي ولا رأياه من قبل، وقيل لهما إنه الجالس مع عمه العباس في المسجد، يقول كعب: وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجراً، فدخلنا فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا فضل؟ قال: نعم: هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، يقول كعب: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ قال العباس: نعم.
هو كعب بن مالك بن عمرو بن القين بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي الأنصاري الخزرجي السلمي، وأمه: ليلى بنت زيد بن ثعلبة، من بني سلمة أيضاً، كانت كنيته قبل الإسلام أبا بشير، فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبدالله.
وفي الإسلام أصبح أحد الشعراء الثلاثة الكبار الذين جاهدوا في سبيل الدعوة الإسلامية وناصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ودافعوا عنه في مواجهة الهجمات الشرسة التي قادها ضده شعراء الوثنية والشرك في مكة، فكان حسان بن ثابت يهجوهم بالأنساب، وكان عبدالله بن رواحة يعيرهم بالكفر، وكان كعب بن مالك رضي الله عنه، يهجو مشركي قريش، ويخوفهم الحرب، ويبرز بطولات المسلمين.
وعندما نزلت آية: وَالشعَرَاء يَتبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (الشعراء: 224)، قال كعب للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أنزل الله في الشعراء ما أنزل، فقال له صلى الله عليه وسلم: إن المجاهد مجاهدٌ بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأنما ترمونهم به نضح النبل، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تستحسن شعر كعب وترويه.
مواقف مشهودة
أسلم كعب حين سمع بالإسلام، فأتى مكة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بينه وبين طلحة بن عبيد الله حين آخى بين المهاجرين والأنصار، وقيل بينه وبين الزبير، وكما نافح عن رسول الله وعن الإسلام بالكلمة فقد دافع عنهما بالسلاح، فشهد المواقف كلها، ولم يتخلف عن غزوة مع رسول الله ولا مع خلفائه الراشدين، ولكنه لم يشهد غزوة بدر، ولم يعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أحداً تخلف، وكان صلى الله عليه وسلم قد خرج يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، وكان كعب يقول: لعمري إن أشهر مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبدر، وما أحب أني كنت شهدتُها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث توافقنا على الإسلام.
وفي غزوة أحد أبلى كعب بن مالك رضي الله عنه بلاءً حسناً، وكانت له فيها مواقف مشهودة، ألبسه النبي صلى الله عليه وسلم درعه التي يلبسها في الحرب، وكانت صفراء، ولبس النبي صلى الله عليه وسلم درع كعب، يقول: لما انكشفنا يوم أحد، كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشرت به المؤمنين حيّاً سويّاً، وأنا في الشعْب، وظل يقاتل دون النبي قتالاً شديداً، حتى جرح سبعة عشر جرحاً.
تجربة مريرة
مرة واحدة تخلف فيها كعب بن مالك بغير عذر، وكان ذلك في آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن تبوك، ولهم في ذلك قصة مشهورة، عاش خلالها كعب تجربة مريرة قاسية على النفس، فما أن عاد المسلمون إلى المدينة حتى دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أولاً، وصلى فيه ركعتين، فدخل عليه المنافقون، وتعلل كل منهم بعذر، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تبارك وتعالى.
اعترف كعب وأقر بذنبه وتقصيره في حق الله وتكاسله عن الجهاد، قال: يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر، لقد أعطيت جدلاً، ولكنه والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به، ليوشكن الله تعالى يسخطك عليّ، ولئن حدثتك اليوم بصدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو قرة عيني عفواً من الله تبارك وتعالى، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله تعالى فيك.
وكان هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قد فعلا مثل ما فعل كعب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يقاطعوه وصاحبيه، فلم يكلمهم أحد من المسلمين، ولم يتعاملوا معهم، فجلس الاثنان كل منهما في بيته يبكيان، أما كعب فلم يحبس نفسه مثلهما، يقول: كنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه، فأقول في نفسي حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفتُ نحوه أعرض، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي.
وفوجئ كعب يوماً أن رجلاً نصرانياً من الشام يسأل عنه، وعندما قابله أعطاه رسالة من ملك غسان، وحين قرأها وجد فيها: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك محمداً جفاك، ولم يجعلك الله بدار مذلة أو هوان، فالحق بنا نواسك، وعلم كعب أنها فتنة أخرى، وبلاء جديد، وقال في نفسه: والله إن هذه أيضاً من الفتنة والابتلاء، فألقى بالرسالة في النار.
وبقي كعب وصاحباه أربعين يوماً، وهم على تلك الحالة من الندم والبكاء والمقاطعة الكاملة من كل المسلمين، ثم جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتزلوا زوجاتهم، فقال لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
وبعد عشرة أيام أخرى، وبعد ما اكتملت الخمسون يوماً على تلك المحنة الكبيرة جاء الفرج، وأنزل الله تبارك وتعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.
وجاء الفرج
يقول كعب بن مالك: بينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تبارك وتعالى منا قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله تبارك وتعالى علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إنما الله تعالى نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت قال: فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تبارك وتعالى، والله ما تعمدت كذبة مذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني فيما بقي، وهكذا كان صدقه سبباً في نجاته، وقبول توبة الله عليه، بينما أهلك الله المنافقين الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويروي ابن المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك: ما نسي ربك لك وما كان ربك نسياً بيتاً قلته قال: ما هو؟ قال: أنشده يا أبا بكر، فقال:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها
وليغلبن مغالب الغلاب
وظل كعب يجاهد في سبيل الله، بالسيف والقلم، لا يتخلف عن قتال أبداً، فحارب المرتدين في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وشارك في الفتوحات الإسلامية على عهد الفاروق عمر، وكذلك في خلافة كل من عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب وأول خلافة معاوية رضي الله عنهم.
مروياته
حدث كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله رواية عن أسيد بن حضير رضي الله عنه، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وفي كتابه: أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد وضعه ابن حزم الأندلسي رقم 42 ممن رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعده من أصحاب العشرات، وذكر أن له ثمانين حديثاً، وذكر صاحب كتاب سير أعلام النبلاء أن لكعب بن مالك عدة أحاديث تبلغ الثلاثين، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين.
وحدث عنه جابر بن عبدالله، وعبدالله بن عباس، وأبو أمامة الباهلي، وأولاده: عبدالله بن كعب بن مالك (البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة)، وعبدالرحمن بن كعب بن مالك (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة)، وعبيد الله بن كعب بن مالك (البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي)، ومحمد بن كعب بن مالك، ومعبد بن كعب بن مالك، وحفيده عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك (البخاري ومسلم والنسائي)، وعمر بن الحكم بن ثوبان، وعمر بن الحكم بن رافع، وعمر بن كثير بن أفلح.