فرض الله سبحانه وتعالى علينا الصيام لتدريب الإنسان على تقوى الله ومراقبته، وجاءت الآيات القرآنية تبين مدة الصيام بدءاً ونهاية وما يجيز الفطر؟ ومتى تجب الفدية؟ كما بينت حكم المعاشرة الزوجية متى تجوز؟ ومتى لا تجوز؟ حتى لا يخالف الإنسان شرع الله . فصلت الآيات القرآنية تفصيلاً واضحاً، ما يتعلق بالصيام، ففي سورة البقرة وبعد ذكر فرضية الصيام والحكمة منه جاءت الآيات لتحدد وقت المعاشرة الزوجية، فقال جل شأنه: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنت لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم . . . الخ الآية .

فالآية الكريمة رفعت الحرج عن الأزواج وبينت أن وقت المعاشرة من المغرب إلى الفجر، فمن التزم بذلك فقد حقق غرضه عن طريق مشروع ولم يحرم نفسه من إعفاف نفسه وزوجته، أما من خالف ذلك وعاشر زوجته المعاشرة الزوجية في نهار رمضان فإنه يكون قد خالف شرع الله عز وجل ويستحق العقاب من الله عز وجل . وهذه مسألة اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ذهب إليه جمهور الفقهاء وقالوا: من جامع زوجته في نهار رمضان عامداً فإن الواجب عليه القضاء والكفارة .

القول الثاني: يرى أن من جامع زوجته في نهار رمضان عامداً يجب عليه القضاء فقط .

القول الثالث: يرى أن من جامع زوجته في نهار رمضان عامداً تجب عليه الكفارة فقط .

وسبب الاختلاف بين الفقهاء في هذه المسألة يرجع إلى اختلاف الفقهاء في فهم النصوص الواردة في ذلك، وهل يقاس من جامع زوجته في نهار رمضان بمن أكل متعمداً في نهار رمضان أم لا؟

دليل جمهور الفقهاء

وقد استدل جمهور الفقهاء الذين قالوا بوجوب القضاء والكفارة على من جامع زوجته في نهار رمضان عامداً، بما جاء في سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت . قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا . قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا . قال: هل تجد طعام ستين مسكيناً؟ قال: لا . قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينما نحن على ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر قال: أين السائل؟ فقال: أنا . قال: فخذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها يريد الحرتين أهل بيت أفقر من أهل بيتي . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك . وهذا الحديث النبوي الشريف يدل دلالة واضحة على أن الإنسان إذا جامع زوجته في نهار رمضان وجبت عليه الكفارة وهي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فعليه أن يطعم ستين مسكيناً وهذه الخصال الثلاث هي على الترتيب أي لا ينتقل من الأولى إلى الثانية إلا إذا عجز عن الأولى ولا ينتقل من الثانية إلى الثالثة إلا إذا عجز عن الثانية فإن عجز تماماً عن واحدة من هذه الخصال الثلاث جازت معاونته، لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما علم أن الرجل لا يستطيع الإتيان بواحدة من هذه الخصال أتي له بما يكفي لإطعام ستين مسكيناً، وهذا يدل على أن الإسلام دين الرحمة والإنسانية دائماً يعمل على التيسير على المعسر وتفريج كرب المكروب، وهذا ما حدث من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان .

رأيان مخالفان

واستدل الذين قالوا: إن من جامع زوجته في نهار رمضان عامداً فإن الواجب عليه القضاء فقط بالمعقول فقالوا من أكل متعمداً في نهار رمضان وجب عليه قضاء ذلك اليوم، وهذا يقاس عليه من جامع زوجته في نهار رمضان عامداً، فعليه القضاء فقط، قياساً على من أكل متعمداً في نهار رمضان .

أصحاب القول الثالث الذين ذهبوا إلى أن من جامع في نهار رمضان فإن الواجب عليه الكفارة فقط، استدلوا بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاءه الرجل وأخبره بأنه جامع زوجته في نهار رمضان أوجب عليه الكفارة ولم يأمره بالقضاء، فدل هذا على أن الواجب على من جامع في نهار رمضان الكفارة فقط، فلو كان القضاء واجباً لأمره الرسول صلى الله عليه وسلم به ولكن الثابت أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالقضاء وإنما أمر بالكفارة، وهذا يدل على وجوب الكفارة من دون القضاء، وهذا كله إذا كان الإنسان قد جامع زوجته في نهار رمضان عامداً متعمداً، أما من جامع زوجته ناسياً فالقول الراجح أنه لا شيء عليه لرفع الحرج عن الناس، وذلك لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه . ومعلوم أن الإنسان المخطئ، والإنسان الناسي لم يقصد مخالفة شرع الله عز وجل، بخلاف المتعمد فإنه يستحق العقاب من الله .

كفارة الزوجة

وللإنسان بعد ذلك أن يستفتي قلبه وله أن يأخذ بأي الأقوال شاء، بشرط أن يكون على علم بالدليل الذي استند إليه، وما دمنا نتحدث عن حكم من جامع زوجته في نهار رمضان متعمداً فإننا نرى أننا بحاجة ماسة لمعرفة الحكم الشرعي بالنسبة إلى الزوجة وهل تجب الكفارة عليها هي الأخرى كما تجب على الزوج؟ وهذه مسألة فقهية اختلافية ونوجز بشأنها أقوال العلماء في ما يأتي:

القول الأول: إن الكفارة بسبب الجماع في نهار رمضان تجب على الزوج أما الزوجة فإنه لا يجب عليها شيء، وهؤلاء استدلوا على عدم وجوب الكفارة على الزوجة بالحديث السابق ذكره فحين أخبر الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه جامع زوجته في نهار رمضان لم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر زوجة الرجل بالكفارة وإنما أمر الرجل فقط، فلو كانت الكفارة واجبة على الزوجة كما تجب على الرجل تماماً لما تركها الرسول صلى الله عليه وسلم ولأمر الزوج بأن يأمر زوجته بالكفارة، لكن الثابت أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الزوج من دون الزوجة، فدل هذا على عدم وجوب الكفارة على الزوجة، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة .

القول الثاني: ذهب إليه بعض الحنفية وبعض المالكية وبعض الشافعية وإحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهؤلاء قالوا بوجوب الكفارة على الزوجة كما تجب على الرجل، واستدلوا بالمعقول فقالوا: العلاقة الزوجية حق لكل من الزوجين وهو أمر مشترك بين كل من الزوج والزوجة، ولما كان كل منهما يعتبر شريكاً للطرف الآخر في حل المعاشرة أو حرمتها ووجوب الاغتسال على كل منهما بالمعاشرة فيكون ما يتعلق بالزوج يتعلق أيضاً بالزوجة لاشتراكمها في فعل واحد، ومثل هذا الفعل لا يمكن أن يقع من طرف واحد بل لا بد من أن يشترك فيه الزوجان معاً، ولهذا تجب الكفارة على الزوجة كما أوجبها الشرع الحكيم على الزوج تماماً، وذلك تحقيقاً للقاعدة: الغنم بالغرم، فالزوجة إذا لم تهيئ نفسها بالتجمل والتزين في نهار رمضان فلن يقع مثل هذا الفعل، وقد رأينا أن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة أيضاً، ومن أجل ذلك نستطيع أن نقول لكل إنسان جامع زوجته في نهار رمضان استفت قلبك، فلك أن تأتي بإحدى خصال الكفارة بشرط أن تستند إلى الدليل الذي استند إليه الفقيه، ولك أيضاً أن تطلب من الزوجة الكفارة ما دامت قد رضيت بالجماع في نهار رمضان، ومن استفتى قلبه وأخذ بالدليل الذي اطمأن قلبه إليه فلا حرج عليه .

أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر