في أحد مداخل البلدة القديمة في مدينة نابلس الفلسطينية تتواجد كنيسة القديس فيلبس الأسقفية، التي تعتبر نموذجاً للتسامح والتعايش بين الأديان في المدينة التي تضم ثلاث ديانات، الإسلام، والمسيحية، والسامرية، ومن أهم أمثلة التسامح التي تميزت بها الكنيسة التي يزيد عمرها على 150 عاماً منحها جزءاً من أرضها لبناء مسجد الخضر الملاصق لها، حتى ارتبط اسم المسجد والكنيسة ببعضهما على مدار عقود طويلة من الزمن .
يقول الأب إبراهيم نيروز راعي الكنيسة الأسقفية في مدينة نابلس إن كنيسة القديس فيلبس تأسست في المدينة عام ،1848 من خلال الإرساليات من أوروبا لتأسيس المدارس والمستشفيات، حيث كانت الكنيسة في بدايتها مدرسة وتعتبر أول مدرسة نظامية ضمن حصص وبرامج في نابلس، حيث كان يعتمد التعليم في ذلك الوقت على الكتاتيب وحلقات العلم في المساجد أو الكنائس، وكان الشيخ في المسجد أو رجل الدين في الكنيسة يتولى مهمة تدريس كافة المواد للطلاب، وضمت المدرسة في أيامها الأولى 21 طالباً، منهم طالب يهودي، وثمانية مسلمين، وخمسة سامريين، وسبعة مسيحيين .
وفي بداية ثمانينات القرن التاسع عشر تأسس مستشفى تابع للمدرسة في نابلس عرف باسم المستشفى الإنجيلي العربي والذي مازال يعمل حتى الآن، وفي عام 1890 أي بعد 52 عاماً على إنشاء المدرسة وبعد حوالي عشر سنوات على إنشاء المستشفى أنشئت الكنيسة الأسقفية التي عرفت باسم "كنيسة القديس فيلبس الأسقفية" .
وتمتاز علاقة الكنيسة مع محيطها الإسلامي في البلدة القديمة بنابلس بالتعاون والتسامح، ومن بين القصص التي تؤكد ذلك منح الكنيسة مساحة من أرضها للمسلمين لبناء مسجد بجوارها في عام 1898 عرف باسم "جامع الخضر"، وكان راعي الكنيسة في ذلك الوقت الأب فلشر رجل دين ألماني جاء إلى نابلس ومكث فيها 36 عاماً حتى وفاته عام ،1901 كما منحت الكنيسة للمسلمين مساحة إضافية من أرضها لبناء مئذنة للمسجد قبل حوالي 30 عاماً، وارتبط اسم كنيسة القديس فيلبس بين أهالي نابلس بالمسجد وكذلك ارتبط اسم المسجد بالكنيسة، فعند السؤال عن موقع الكنيسة توصف بأنها ملاصقة للمسجد، أو عند السؤال عن المسجد يوصف بأنه الملاصق للكنيسة .
ومن بين القصص التي تدل على عمق علاقة الكنيسة بمحيطها من السكان المسلمين، لجوء الأهالي منذ القدم للكنيسة لطلب الماء عنذ نفاد مخزون المياه في آبار منازلهم، واعتاد رعاة الكنيسة على مدار عقود تقديم الماء من آبار الكنيسة للسكان المجاورين حتى أصبحت عادة عند الناس، حتى في الوقت الحالي يلجأ الناس لطلب المياه من الكنيسة عند انقطاع المياه عن منازلهم، بالرغم من أن الاعتماد على آبار تجميع مياه الآمطار انتهى، فالماء يصل للمنازل عن طريق خطوط المياه من البلدية والكنيسة كذلك تعتمد على مياه البلدية .
ومن هنا يفكر رعاة الكنيسة حالياً بإعادة فتح وترميم آبار جمع المياه لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المياه للكنيسة وللأحياء المحيطة بها، حيث تعود الآبار الموجودة فيها للعهد الروماني، لكنها مغلقة ومتوقفة عن العمل منذ 30 عاماً، ومن شأن هذا المشروع كما يقول الأب إبراهيم الحفاظ على الآثار الرومانية الموجودة، وكذلك المساهمة في حل مشاكل المياه في البلدة القديمة .
ومن اللافت أثناء تواجدنا في مكتبة الأب ابراهيم التابعة للكنيسة شمولها على عدد كبير من الكتب الدينية والثقافية والتاريخية، ومنها كتب وتفاسير من مختلف الأديان .
وسميت كنيسة القديس فيلبس بهذا الاسم نسبة إلى القديس فيلبس الذي هاجر من مدينة القدس مع مجموعة من المسيحيين إلى مدينة نابلس منتصف القرن الأول الميلادي، وذلك بسبب الاضطهاد الذي تعرض له المسيحيون في القدس على يد اليهود .
ومر بناء كنيسة القديس فيلبس في نابلس بعدة مراحل وأول مرحلة كانت في العام 1846 حيث بني الطابق الأول، وبني الطابق الثاني عام ،1876 كما تتبع للكنيسة قاعة قديمة تعود للعام ،1700 أي قبل بناء الكنيسة وفوقها بني منزل كاهن الرعية، الذي يسكن فيه راعي الكنيسة وعائلته، كما توجد الروضة المسيحية الوطنية التابعة للكنيسة، إضافة إلى المدرسة التي سيعاد افتتاحها قريباً .
وتعمل الكنيسة حالياً على ترميم وتحسين المدرسة المسيحية الوطنية وإعادة افتتاحها لتكون مدرسة نوعية في البلدة القديمة بنابلس، إذ يرفض رعاة الكنيسة إقامة المدرسة خارج البلدة القديمة، لأنهم يحملون رسالة لتطوير البلدة، فغالباً أصحاب الدخل والمهن الجيدة يسكنون بمناطق أخرى، وبالتالي مع مرور الوقت ستصبح البلدة القديمة لمن هم أقل مالاً ومكانة اجتماعية، ومع افتتاح مدرسة نوعية فيها سيتغير كل ذلك .
وخلال فترات الأزمات والحروب كانت الكنائس ومنها كنيسة القديس فيلبس ملجأ للمطاردين، حيث يجد فيها المطارد ملجأً وأمناً له من الملاحقة، وفي عام 1967 عندما سيطر الاحتلال "الإسرائيلي" على مدينة نابلس بدأ الاحتلال يبحث عن كل من له ارتباطات وطنية ومنهم راعي الكنيسة في ذلك الوقت والمطران إيليا خوري أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، والذي أبعده الاحتلال خارج فلسطين، ففي بداية احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة أبعد الاحتلال حوالي 60 شخصية إلى الخارج منهم 20 شخصية مسيحية .
ويفتخر أبناء الطائفة المسيحية في فلسطين بعروبتهم وجنسيتهم الفلسطينية، وما ميز الاحتفالات بإضاءة شجرة الميلاد في مدينة نابلس هذا العام ارتداء أبناء الطائفة المسيحية الكوفية الفلسطينية، تأكيداً منهم على اعتزازهم بوطنهم وتمسكهم به وبتراثه .
مراحل عصيبة
مرت كنيسة القديس فيلبس بمراحل عصيبة كحال بقية دور العبادة خلال الحروب، فخلال الحرب العالمية الأولى، جاءت حامية عسكرية ألمانية وتمركزت في عدة بقاع من الدولة العثمانية لحمايتها والحيلولة دون احتلالها من قبل دول الحلفاء وعلى رأسهم الإنجليز، ومن ضمن المناطق التي تواجدت فيها الحماية الألمانية مدينة نابلس .
وبحسب تقسيمات الكنائس المسيحية في العالم ترتبط الكنيسة الأسقفية مع الإنجليز لأن رئيس أساقفة الكنيسة الأسقفية في العالم يتواجد في بريطانيا، وبسبب العداوة بين الإنجليز والألمان في ذلك الوقت اعتبروا أن رعاة الكنيسة من الأعداء واعتقلوهم، وحولوا الكنيسة إلى مستشفى عسكري، كما حولوا المدرسة التابعة لها إلى منامات للجنود، وبقي الألمان في الكنيسة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد هزيمة الألمان وبداية الانتداب البريطاني على فلسطين أعيدت الكنيسة إلى أصحابها بعد ثماني سنوات .
وخلال الانتداب البريطاني على فلسطين عاش المسيحيون مثل بقية أبناء فلسطين فترة عصيبة، وفي هذا السياق أكد الأب ابراهيم أن الانتداب البريطاني عندما سيطر على فلسطين لم "يدلل" المسيحيين باعتبارهم من نفس الدين، فهم ذاقوا الأمرين من الاستعمار وقسوته .