هناك أسئلة مهمة تفرض نفسها في نهاية حديثنا عن بعض معالم النهضة والتقدم في حضارة الإسلام هي: كيف تتحقق للمسلمين في عالم اليوم نهضتهم العلمية وتعود لهم ريادتهم الحضارية؟ وكيف يوظف المسلمون مواردهم الطبيعية لتحقيق نهضتهم الاقتصادية؟ وما العقبات التي تقف في طريق قطار النهضة العلمية الذي يحوم حول العالم الإسلامي منذ حقبة طويلة من الزمن من دون أن يفكر كثير من المسلمين في اقتحامه وركوبه؟ وما خريطة الطريق لمشروع النهضة الحضارية التي ينشدها العرب والمسلمون في كل البلاد العربية والإسلامية من دون استثناء؟
الإجابة عن هذه التساؤلات مهمة الآن، حيث تعلو أصوات العلماء وخبراء الاقتصاد والتنمية والجماهير الواعية في كل أرجاء عالمنا الإسلامي تطالب بركوب قطار النهضة والتقدم لمواجهة كل مظاهر التخلف والفقر والجهل التي عادت بخير أمة أخرجت للناس إلى الوراء، وحرمت الشعوب الإسلامية من ريادة حضارية هي أهل لها .
طرحنا تساؤلاتنا على عدد من المفكرين الإسلاميين، وفيما يلي خلاصة أفكارهم واقتراحاتهم لاستعادة نهضتنا ومكانتنا الحضارية التي تحقق للشعوب الإسلامية تطلعاتها في حياة تسودها الحرية والعدالة والمساواة والحياة الكريمة .
في البداية يؤكد المفكر الإسلامي، د . أحمد كمال أبو المجد، أن الأمة الإسلامية تمتلك كل عناصر القوة والتميز الحضاري . . لكنها للأسف أصبحت أمة مستضعفة، وضعفها من صنع أيديها، فالاستسلام للواقع والرضا بالضعف والهوان يكرس ثقافة التخلف والتراجع . . وفي واقع الأمة الآن كثير من جوانب الضعف، تتقدمها الخلافات السياسية التي تعصف بكل جهود الوحدة والتضامن، فالعلاقات السياسية بين الدول الإسلامية وغيرها من دول العالم غير الإسلامي أفضل منها بين المسلمين بعضهم البعض، والتعاون أو التكامل في مجال العلوم والبحث العلمي واقعه وصورته يدعوان للحزن والأسى، والتكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية في أدنى مستوياته مما يدعو إلى الأسف رغم أن العرب والمسلمين يمتلكون عشرات المنظمات والمؤسسات الاقتصادية المعنية بتفعيل خطط وبرامج التعاون الاقتصادي .
ويضيف: في المجال الثقافي والفكري تتنازع الأمة الآن تيارات فكرية وثقافية لا يوجد لها مثيل في أية أمة أخرى، فهناك صراع متصاعد بين أنصار التيار العلماني والتيار الإسلامي، وداخل التيار الإسلامي توجد صراعات ونزاعات ومشاجرات تعصف بوحدة المنتمين إلى هذا التيار، كما توجد تيارات ثقافية متعددة يميل بعضها إلى الاعتدال في الفكر والسلوك ولديه الاستعداد للحوار مع الآخر، ويجنح كثير منها إلى الغلو ونفي الآخر .
وفي مثل هذا المناخ لا يمكن أن تنهض الأمة، بل تتضاعف حيرتها، ويكسب تيار الغضب والعنف كل يوم أنصاراً جدداً، ولا خلاص من كل ذلك إلا بالعودة إلى الإسلام الوسطي الذي يرحب بالتعددية ويعتمد على الحوار بالأسلوب الهادئ المتعقل والنظرة الموضوعية للأمور .

ظاهرة صوتية

وهنا يؤكد د . أبو المجد ضرورة أن يتحول المسلمون من "ظاهرة صوتية" إلى "طاقة عمل وإنتاج"، ويقول: لا بد أن يتوب المسلمون عن رذيلة الكلام الكثير والعمل القليل، فنحن أمة تجيد الاستهلاك ولا تتقن العمل والإنتاج، واستهلاكنا ليس في الطعام والشراب فحسب بل نضيع الوقت والجهد والمال في مجادلات ومساجلات كلامية لا طائل من ورائها، ولو أحصينا وسائل الكلام في الدول العربية والإسلامية لوجدناها تفوق كثيراً ما تملكه الأمم الأخرى مجتمعة .
ويؤكد د .أبو المجد أن تغيير الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة الإسلامية منذ حقبة من الزمن يحتاج إلى ثورة فكرية وثقافية، ثورة تعيد الوعي لكل أبناء الأمة ابتداء من ولاة أمورها، ومروراً بالمفكرين والمثقفين والمبدعين في كل المجالات، وانتهاء بالإنسان البسيط الذي ضل الطريق، ولم يعد يدري إلى أين يسير؟!

علم وفكر وثقافة

ويقول الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية د . جعفر عبدالسلام: لا يمكن أن تتحقق النهضة لأمتنا الإسلامية بتوافر العناصر المادية للتقدم وحدها، فالنهضة قبل أن تكون صناعة وثروات وموارد طبيعية هي علم وفكر وثقافة، ونحن أمة غيبت عقولها منذ حقبة طويلة من الزمن وأهدرت فيها قيمة العلم والتفكير السليم الذي يقود إلى توظيف الثروات واستغلال الموارد، وتوجيه الطاقات أفضل توجيه .
ولكي تنهض الأمة الإسلامية كما يقول د . جعفر لا بد أن "تعلم وتعمل"، وأن تعلي من شأن البحث العلمي، ولا بد أن يأخذ المسلمون بالأسباب والمقومات المادية للنهضة والتقدم، وهذه المقومات في أيديهم كما هي في أيدي غيرهم، وما يميزنا عن الآخرين أننا ننتمي لدين يبعث فينا كل لحظة دافعاً جديداً للعمل والإنتاج، ويجعل حسن الأداء والإحسان والإتقان قربى إلى الله .

مشروع تغيير وتطوير

المفكر العلمي الإسلامي د . أحمد فؤاد باشا، العميد الأسبق لكلية العلوم، نائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون البيئة والتنمية يؤكد حاجة الأمة الإسلامية الآن إلى مشروع نهضة حقيقي يلتف حوله كل أبناء الأمة الإسلامية ويستهدف تغيير وتطوير وتحديث كل مجالات حياتهم التعليمية والعلمية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، ويخلصها من كل أشكال التخلف والجهل، ويقضي على مشكلتي الفقر والبطالة، ويوظف مواردها وثروات أوطانها التوظيف الأمثل، ويقضي على كل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي الشائعة الآن في المجتمعات العربية والإسلامية .
وهذا المشروع الحضاري الإسلامي الذي تتطلع إليه الأمة ليس مستحيلاً ولا صعب التحقق في ظل الإرادة الشعبية التي تطالب بالتغيير والتخلص من الفساد، بل من السهل كما يؤكد د . باشا وضعه وإقناع المسلمين بالتعاون على تطبيقه على أرض الواقع في ظل تنوع وتعدد الموارد الطبيعية والثروات والطاقات البشرية والخيرات التي حبا الله بها العالم الإسلامي، وفي ظل وجود عقول مستنيرة مؤهلة قادرة على تنفيذ مشروع النهضة .
وهنا يحذر النائب الأسبق لرئيس جامعة القاهرة من انشغال المسلمين بالجانب المادي لنهضتهم الحديثة على حساب الجانب الفكري الأخلاقي، مؤكداً أن التقدم الاقتصادي لا ينهض وحده بمجتمع، ولا يحقق رقي وتقدم أمة .

خطان متوازيان

ويؤكد الخبير الاقتصادي الإسلامي د . رفعت العوضي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن نهضة الأمة الإسلامية في عالم اليوم يجب أن تسير في خطين متوازيين أو تقوم على محورين مهمين:
الأول: الاستغلال الأمثل والتوظيف الصحيح للثروات والموارد والطاقات والإمكانات، ونحن والحمد لله نمتلك من الثروات الطبيعية والبشرية ومن مقومات النهضة ما يمكننا من تحقيق نهضة حضارية متفوقة، فالمسلمون يمثلون ربع سكان المعمورة تقريباً، ويشغلون أكثر من ربع مساحة اليابسة في موقع متوسط من العالم يمتاز بسهولة الاتصال وتعدد الثروات وتكامل التضاريس والمناخ وتنوع مصادر المياه، ويطل هذا الموقع الاستراتيجي على مسطحات مائية عديدة .
كما يمتلك العالم الإسلامي نحو 75% من احتياطي النفط العالمي، وأكثر من 25% من احتياطي الغاز الطبيعي، إضافة إلى نسب متفاوتة من احتياطي الفحم، ومن المواد المشعة ومعادن القصدير والكروم والمنجنيز والرصاص والزنك والحديد والنحاس والألمنيوم والكوبالت والنيكل والذهب والفضة وأملاح الفوسفات والصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم وغيرها، إضافة إلى التقدم العلمي الملموس الذي أحرزته بعض الدول الإسلامية في مجالات الطاقة وبعض التقنيات الحديثة .
وتزخر الأمة الإسلامية بآلاف العلماء الأكاديميين وملايين المهنيين من المهندسين والأطباء والعلميين والفنيين وغيرهم، أضف إلى ذلك مئات الآلاف من المتعلمين والباحثين من الأجيال التي تخرج سنوياً من مئات الجامعات والمعاهد المتخصصة ومراكز البحوث العلمية والتقنية الموزعة في مختلف دول العالم الإسلامي .
الثاني: استثمار العلم ودفع البحث العلمي والإنفاق عليه بسخاء، حيث لا يزال البحث العلمي مهملاً وفي مؤخرة اهتمامات الدول العربية والإسلامية . . وهنا ينبغي استغلال الدوافع الذاتية عند المسلمين للنهوض وتغيير الواقع والتخلص مما فيه من مشكلات وأزمات .