يحكي لنا التاريخ الإسلامي أن أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله الى المدينة المنورة هو تشييد مسجد، وكان المسجد بعد ذلك المؤسسة الإسلامية الأولى التي جمعت بين المسلمين وألفت بين قلوبهم.. ومن دون جدال فإن المسجد أدى أدواراً متميزة ومتعددة في تاريخ حضارة الإسلام عبر العصور المختلفة حيث كان ومنذ بدء الدعوة الإسلامية منارة إشعاع روحي وثقافي وتعليمي واجتماعي وأخلاقي فلم يكن دارا للعبادة فحسب بل مدرسة للتربية الأخلاقية والعلمية.
كما كان المسجد دارا للغريب وابن السبيل ولا ننسى دور المسجد التعليمي، فمن المسجد خرج العلماء والمفكرون المسلمون بالأفكار التي ملأت الدنيا نورا وحطمت جدار الجهل.. باختصار فإن المسجد كان مكانا يجمع بين جميع المسلمين لتدبير أمور دينهم ودنياهم ولكن الملاحظ في عهدنا الحاضر أن دور المسجد تراجع كثيرا ليتحول الى مكان لا يقصده المسلم إلا لدقائق قليلة يؤدي فيها صلاته لينصرف بأقصى سرعة، وذلك في ظل تعدد أدوات اللهو التي سلطها علينا الغرب وبتأثير من الغزو الثقافي الغربي وهجوم العولمة الترفيهية في أبشع صورها بالإضافة إلى التشويه الإعلامي. وهذا الأمر يطرح سؤالاً مهماً: كيف يستعيد المسجد دوره الأخلاقي والديني والعلمي في ظل تحديات العولمة وتعدد وسائل الترفيه؟ وكيف نجذب الشباب من جديد إلى ساحة العلم في المسجد؟ الخليج طرحت السؤال على عدد من العلماء في التحقيق التالي:
يرى الدكتور سيد صبحي أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس أنه وعلى الرغم من أن الوظيفة الأولى للمساجد هي أنها أماكن عبادة فيها يؤدي المسلمون صلواتهم اليومية وصلاة الجمعة والأعياد، إلا أن المسجد له دور نفسي يجب ألا يغيب عنا حيث إن وجود المسلم في المسجد يعني اتصاله بخالقه جل وعلا وهو أمر فيه الكثير من القوة الروحية التي يفتقر إليها الإنسان وليس هذا فحسب، بل إن حرص المسلمين على أداء الصلاة والمواظبة على التواجد داخل المسجد يمنحهم جوا من الغبطة والسعادة والفخر ينعكس على الشعور النفسي للمسلم ويساهم في سموه الروحي فيكون أكثر قدرة على التعامل مع معطيات الحياة المختلفة وهو ما يشكل بالتالي إمدادا لجماهير المسلمين بالقوى التي لابد منها لترسيخ قيم العمل والإنتاج والبعد عن كل ما يعطل مسيرة تقدم الأمة الإسلامية.
تحصين نفسي
ويضيف د. صبحي: للأسف الشديد فإن المتابع لأحوال المسلمين سيدرك فعلا أن دور المسجد في تراجع مستمر في ظل تخلينا عن أخلاقيات ديننا وتحويلنا المسجد إلى مكان لا نقصده إلا في صلوات الجمع ليس أكثر، وإذا قصدناه في يوم آخر فإن وجودنا فيه لا يزيد على دقائق معدودات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وهو أمر يشكل خطورة كبيرة على هويتنا الثقافية، وهو ما أدى بالتالي إلى تزايد حدة الاضطرابات النفسية في مجتمعنا رغم أن الإسلام يحتوي على قيم وتشريعات قادرة في حال التزم المسلمون بها أن تواجه كل الأمراض النفسية والتخلص منها تماماً.
وعن كيفية تفعيل دور المسجد لمواجهة تحديات الحياة المعاصرة ومحاولات التغييب الثقافي يقول الدكتور صبحي: أولاً يجب أن ندرك أن وسائل الإعلام يجب أن تلعب دورا مهما في هذا الإطار، حيث تتبنى دعوة للعودة الى المساجد وتعمل على شرح المميزات النفسية التي تعود على المسلم من حرصه على التواجد داخل المسجد والتأكيد على أن الصلاة داخل المسجد من الأمور التي تذهب الهم والحزن وبذلك يجد فيها المصلي الراحة النفسية التي ينشدها بقوله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب (الرعد: 28).. فذكر الله له أثر كبير في تربية النفس وتهذيب السلوك، فالذي يذكر الله ويتصور عظمته وجلاله يخشع قلبه ويحسب لملاقاته كل حساب فلا يصدر عنه من الأفعال إلا كل خير، ومن ذلك لا يتسرب إلى نفسه القلق والاكتئاب وما شابه ذلك من الأمراض النفسية.
بناء الأمة
وعن كيفية استعادة المسجد لدوره الإصلاحي من الناحية الاجتماعية يقول الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ الاجتماع وعميد كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر:
لا يمكن فصل المسجد عن قضايا المجتمع في الإسلام على عكس الأوضاع بالنسبة لدور العبادة في الديانات الأخرى ولهذا رأينا المسجد يلعب دوراً مهماً وواضحاً عبر التاريخ في بناء الأمة وكان قيامه بهذا الدور من عوالم قوة مجتمعاتنا والعكس صحيح حيث شهدت عصور الضعف تراجعا لأهمية دور المسجد الذي لا يعد في الإسلام دار عبادة فقط بل إنه كان دوما مصنع الرجال ومصنعاً للنساء الصالحات والأطفال الذين تربوا على الدين منذ نعومة أظفارهم، ولا شك أن استعادة المسجد لدوره الريادي في عصر العولمة يكتسب أهمية كبرى، حيث يمكنه تقديم خدمات جليلة الى المجتمع مثل الإسهام في حل مشكلة الأمية المتفشية في الوطن العربي وتؤكد تقارير اليونسكو الأخيرة أن عدد الأميين في العالم قرابة 900 مليون منهم حوالي 90 مليوناً يقطنون الوطن العربي.. ولهذا فإن المسجد من خلال عودة الكتاتيب في زي عصري قادر على مكافحة الأمية من خلال تزويد تلك الكتاتيب بالمؤثرات السمعية والبصرية التي يوفرها الكمبيوتر وأجهزة الاتصال الحديثة وهكذا من الممكن أن يواجه المسجد الأمية ويعالجها خاصة أن العلم ورد ذكره في القرآن أكثر من 865 مرة.
ويستطيع المسجد أيضا أن يمارس دوراً مهماً في تنشئة الأطفال على أسس دينية سليمة لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر وإذا علمنا أن مدارسنا وجامعاتنا تهمش مادة الدين فهنا يظهر دور المسجد في سد هذا الفراغ ومعالجة هذا القصور.
وكذلك يستطيع المسجد الإسهام في حل مشكلة البطالة من خلال إنشاء ورش مهنية وتعليم أبناء المجتمع كله وليس المسلمين فحسب الحرف التي يحتاجها سوق العمل.. وعلى أي من رجال الأعمال المرتبطين بالمسجد أن يقوم بتشغيل هؤلاء وبهذا يكون المسجد وسيطا بين المتدربين وبين رجال الأعمال ولابد من دعم هذا التعاون المثمر والجاد تحت رعاية المسجد بيت الله في الأرض.
وينهي د. السمالوطي حديثه قائلاً: لا بد أن يقوم المسجد بدوره في تعليم الناس وليس المصلين فقط لغة العصر وهو الكمبيوتر وكيفية التعامل مع شبكة المعلومات الدولية الإنترنت حتى يكونوا قادرين على التعامل مع متطلبات العصر ومتغيراته وحتى لا يكون هؤلاء بمعزل عن هذه اللغة العالمية.
دور اجتماعي وثقافي
وتشير الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أهمية تفعيل دور المسجد حتى يؤدي دوره الاجتماعي والثقافي المنوط به والتاريخ يؤكد لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المسجد بمثابة مكتب للخدمة الاجتماعية وجمع التبرعات ومعاونة المحتاجين إلى جانب أداء الصلاة فيه، وتقول: يحضرني هنا ما حدث في المدينة المنورة حيث وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم قوم عراة متقلدي السيوف فتغير وجهه لما رأى ما بهم من الفاقة والفقر فأمر بلالاً فأذن ثم صلى ثم خطب في الناس حاثا لهم على رعاية الرحم وتقدير الخير فانهالت التبرعات من الدنانير والثياب والصوف والتمر حتى تكون كومان كبيران من الطعام والثياب، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى القوم حتى فرحوا ونحن اليوم نرى المؤسسات الاجتماعية المدعومة من الغرب لتذويبنا ثقافيا تبذل قصارى جهدها للاهتمام بالفئات التي تحتاج إلى الرعاية والعناية الاجتماعية من المعوقين والفقراء والمعوزين والمرضى والغرباء واليتامى من أجل تنفيذ غاياتها المشبوهة، وكان المسجد النبوي قبل ما يزيد على أربعة عشر قرناً يقوم بهذا الدور على أكمل وجه فلماذا لا يعود المسجد لأداء هذا الدور؟
وتضيف: ان تفعيل دور المسجد ليكون منارة علمية وثقافية واجتماعية أمر مهم للغاية من أجل تحقيق الريادة للمجتمع المسلم وحتى تعود للأمة الإسلامية حضارتها المفقودة وهو أمر لن يحدث إلا إذا عاد الدور الإيجابي للمسجد وقدرته على حل مشكلات المجتمع كله وليس البيئة المحيطة به فحسب.. وهنا تبرز أهمية اختيار الأئمة باعتبارهم من قادة الرأي العام في المجتمع وممن لهم كلمة مسموعة ورأي راجح ومشورة مفيدة حيث يلجأ إليهم الناس ليس لمعرفة الفتوى في الحلال والحرام فحسب، بل لحل المشكلات التي يعاني منها المجتمع وتتعقد يوماً بعد يوم مثل مشكلة العنوسة وتزايد أعداد المطلقات والأرامل، فهنا يجب على خطيب المسجد أن يجذب إليه الجماهير وقادة الرأي الآخرين ليصححوا بعض المفاهيم المغلوطة في عملية الزواج الذي أصبح حلما بعيد المنال بسبب ارتفاع تكاليفه وعلى رأسها غلاء المهور.
وتقترح د. عزة كريم أن يقوم أئمة المساجد والعلماء ورجال الأعمال الذين يتقون الله بعمل صناديق لتيسير الزواج ليس بالمساعدات المادية فحسب بل بتصحيح المفاهيم الخاطئة وأن يتم العفاف بأقل التكاليف لأن أقل الزيجات تكلفة هي بلا شك الأكثر بركة واستقرارا، وأن تكون معايير اختيار كل من الرجل والمرأة شريك حياته على أساس الدين أولا في عصر العولمة الذي طغت فيه المادة على حياة البشر.
ولو نجحنا في تقوية دور المسجد فإن المجتمعات المسلمة ستعود قوية متماسكة لأن كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي سيحمل في أعماقه روح الجماعة التي تفرض عليه مد يد العون لأخيه المسلم دون أن يسأله من هو أو من أين أو ما إلى ذلك، بل يسارع إلى تفريج كربته لأنه يعلم أنه يدين بعقيدة التوحيد مثله سواء بسواء ومن هنا جاءت عظمة هذا الدور الذي قام به المسجد.
أعظم مؤسسة تربوية
وعن الدور التربوي للمسجد وكيفية تفعيله لمواجهة الآثار والتداعيات السيئة للعولمة يشير الدكتور عبد الغني عبود أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس إلى أن المسجد يعد أعظم مؤسسة تربوية في تاريخ الحضارة الإسلامية لأنه هو المؤسسة الوحيدة التي تقوم بغرس القيم والفضائل التربوية بين كل أفراد الأسرة وفي مختلف المراحل العمرية، فنحن نجد الطفل يحفظ القرآن في المسجد ويصطحبه والده أو جده إلى الصلاة، والمرأة وزوجها يذهبان للصلاة وسماع دروس العلم والغالبية العظمى من المسلمين تذهب إلى المسجد يوم الجمعة الذي يعد يوم العيد والوعي وتجديد الإيمان وتعميقه، ونحن بلا شك في حاجة لعودة دور المسجد خاصة بعد أن أدت فضائيات الجنس والترفيه غير الأخلاقي الذي انتشر تحت مفاهيم العولمة إلى تحويل الشباب المسلم إلى عناصر غير فعالة في المجتمع همهم الوحيد إرضاء رغباتهم، إذ يحرص الغرب على الربط بين التقدم والتنمية من ناحية والتحرر الجنسي من ناحية أخرى، وهكذا وفي الوقت الذي يتجه فيه الغرب نحو المطالبة بالالتزام بالفضيلة خوفا من انتشار الأمراض الخطيرة فإنهم يرسخون في أذهان أبنائنا الانحلال الخلقي تحت شعارات رنانة مثل الترفيه وخلافه.
ويضيف د. عبود: في ظل هذه المعطيات فإن الحاجة ماسة لتطوير أداء المساجد من أجل استنهاض الهمم وتقوية العزائم في وقت استطاعت فيه وسائل الإعلام الغربية غرس الإحباط واليأس والإباحية في نفوس الأمة وصورت للشباب أن المسلمين عالة على الحضارة الإسلامية مما جعل الشباب يشعر بالدونية والضعف حتى أصبحوا يصابون بالاكتئاب كلما شاهدوا نشرة الأخبار، وهنا يأتي دور المسجد في توضيح رفض الإسلام لليأس والقنوط من رحمة الله تعالى وأنه لابد من الأخذ بأسباب العزة، وهذا التحول لن يكون بين يوم وليلة وإنما يستغرق وقتا طويلاً، وهنا لا بد من أن يكون لدى إمام المسجد وعي تربوي فيعرض على الشباب السيرة النبوية وكيف استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو فرد واحد أن يكون أمة ويقهر الصعاب ويتغلب على كل صنوف الإيذاء النفسي والبدني.
جذب الشباب
وعن وجهة نظر علماء الدين في هذه القضية يقول في البداية الشيخ شوقي عبد اللطيف وكيل وزارة الأوقاف المصرية والمشرف العام على شؤون الدعوة والمساجد في مصر: الأصل في المسجد أنه ليس دار عبادة فحسب وإنما هو المربي لهذه الأمة حيث يجتمع المسلمون فيه للصلاة فيقفون جميعا صفوفا ليتعلموا بصورة عملية النظام والانضباط والتواصل فيما بينهم، وقديما كانت المساجد هي المحرك الرئيسي لكل شؤون المجتمع المسلم بل لقد خرجت من المساجد المقاومة الشرسة التي أخرجت المستعمر الأجنبي من بلادنا العربية والإسلامية وللمسجد دور في وضع اللبنة الأولى للأسرة حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أعلنوا هذا النكاح في المسجد واضربوا عليه بالدفوف، وهكذا فإن المسجد لم يكن مكانا لأداء الصلاة فقط ولكن كان يمثل الموجه في بناء المجتمع من كل جانب بما توحيه الرسالة المحمدية، ففتح أبوابه للصلاة، ولتوجيه المجتمع توجيها إسلاميا سواء من خلال المنبر أو حلقات العلم والدرس أو الأحداث التي تجري داخله، إذا كانت الفرصة مهيأة للاجتماع والتعارف، وتقوية الروابط الأخوية بين المسلمين.
ولكن الملاحظ فعلا اليوم أن دور المسجد تراجع وهذا التراجع يعود أساساً إلى المسلمين بشكل عام والشباب منهم بشكل خاص الذين نسوا أن بيوت الله في الأرض هي المساجد وأن الله أمرهم بعمارتها في قوله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (التوبة: 18)، ولهذا فإن أول سبل عودة المساجد للعب دورها الحضاري يتطلب منا ضرورة جذب الشباب المسلم إلى المسجد وهذا يكون بتبني حملة ضخمة تعيد للصلاة في المسجد قدسيتها.
فأول سبل استرجاع دور المسجد الإصلاحي في عصر العولمة الشرسة هو استرجاع رواده وبذلك تكون البداية الصحيحة لاستعادة دور المسجد الإصلاحي وبعدها يأتي تحقيق الدور الحقيقي والفعال في المسجد بحيث لا يقتصر هذا الدور على السجود والركوع وقراءة القرآن فقط ولكن يكون مثل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعة للأنشطة والفعاليات العبادية والاجتماعية، ويسهم بدوره هو وملحقاته وبشكل فعال في مجالات الحياة كافة، ودور العبادات لدى الأديان الأخرى الآن تمارس هذه الأمور، ونحن أولى بها، وهذه بضاعتنا يجب أن ترد إلينا فمن الممكن مثلا أن نكلف شباب المسجد بأعمال الخير وأعمال خدمة المجتمع والبيئة، وأن نعلمهم كيف يخالطون الناس ويصبرون على أذاهم، وأن يبتغوا الأجر من الله تعالى ومن الممكن أيضاً أن نعلم الشباب بعض الصناعات، وأداء بعض الأعمال الخدمية والمهارات الفنية والحرفية، وهذه الحرف إما أن يتكسبوا بواسطتها وإما أن يخدموا المسلمين بها ولا مانع من أن نقيم في المسجد دورات لتعليم المسلمين مهارات التواصل الفعال والدعوة إلى الله، ومن المهم أيضاً أن يتم عمل أنشطة ترفيهية هادفة لهؤلاء الشباب، كالرحلات الخلوية وزيارة المعارض والمتاحف والمكتبات والمشروعات الصناعية والزراعية وغيرها، حتى يروحوا عن أنفسهم من ناحية، ويتعلموا أيضا هذه الأمور من ناحية أخرى، ويجب أيضا أن نوثق الروابط بينهم، وأن نعلمهم كيف يزورون بعضهم بعضا، محبة لله وأخوة في الله عز وجل، وأن يتفقد بعضهم أحوال الآخرين، وأن يتعرف على أهل أخيه وذويه، وأن يكون كل منهم في حاجة إخوانه وفي خدمتهم ومساعدتهم.. يزور مريضهم، ويعين محتاجهم، وهكذا يصبح المسجد متصلا بواقع الحياة، بل يوجه هذه الحياة بمنهج الله سبحانه وتعالى.
إعداد الدعاة
ويقول الشيخ فرحات المنجي من علماء الأزهر والداعية الإسلامي المعروف: إذا أردنا أن نفعل دور المسجد في الواقع المعاصر للمسلمين فلابد أن نعمل على عدة أمور:
أولاً: اختيار دعاة من ذوي الكفاءات والعلم وتنمية مهاراتهم عن طريق التدريب والدراسة المتواصلة وإحاطتهم بما يدور حولهم في المجتمع من متغيرات عن طريق المراكز البحثية التي تولي اهتمامها بدراسة المجتمع بغية تغيير الواقع إلى ما هو أفضل حتى نصل إلى الصورة المنشودة.
ثانياً: توفير الإمكانات اللازمة للداعية وتفريغه لمهمة الدعوة فالإنسان المشغول بالبحث عن لقمة العيش سيضيع عمره فيها ولن يجد وقتا ليؤدي رسالته فعلينا أن نفرغه للدعوة.
ثالثاً: تنظيم ممارسة العمل الاجتماعي داخل المساجد لتفعيل الدور الاجتماعي للمسجد وإعادته إلى ما كان عليه حين كان الصحابة يتفقدون بعضهم بعضاً في المسجد فإذا فقدوا أحدا سألوا عنه فإن كان مريضاً عادوه وإن كان مكروباً سارعوا لنجدته وإن كان قد قبض كفلوا أبناءه.
رابعاً: تفعيل الدور الاقتصادي للمسجد ويتمثل هذا الدور في رعاية الفقير وكفالة اليتيم والسعي على المسلمين بجهد تطوعي وما كان الوقف إلا صورة من الصور المضيئة لهذا الدين حيث يقتطع إنسان جزءاً من ماله يدوم نفعه للمسلمين زماناً طويلاً فيؤجر في كل لحظة تمر عليه.
كل هذا يأتي في إطار الضوابط الأخلاقية التي لا تجعل المسجد ساحة للمنافسات الحزبية والمنافع الشخصية لأن مهمة المسجد أعلى وأرقى من ذلك ويجب أيضاً في هذا السياق أن نتخلص من القرارات الإدارية التي تنتهجها بعض الدول الإسلامية والتي تتعامل مع المساجد بوصفها وحدات إدارية لها وقت للفتح ووقت للإغلاق فهذا الأمر لا يجوز مع المساجد بأي حال من الأحوال.
خطباء يغردون خارج السربيقول الدكتور عبد الصبور شاهين المفكر الإسلامي المعروف والأستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة: المسجد كان الأساس لبناء المدينة الإسلامية وإلى جانبه تنشأ دار الإمارة، وهو ما يتطلب العمل لاستعادة وظائفه التعليمية والاجتماعية والسياسية، ولم تكن خطبة الجمعة هي الخطبة الوحيدة التي تؤدى بالمسجد، بل كان مركزا لاتخاذ القرارات ولكن للأسف نحن اليوم نهتم ببناء مساجد ضخمة معماريا لتصبح علامة بارزة ومنافسة داخل المجال العمراني لمدننا الإسلامية دون الاهتمام بما يمثله المسجد على المستويين الأخلاقي والتربوي.. وبالإضافة إلى هذا فإن الوعظ السلبي لعب دورا هو الآخر في تدهور دور المسجد الإصلاحي في ظل اتجاه أكثر الخطباء إلى هذا الوعظ السلبي الذي لا يقيم أمة ولا ينشئ مجتمعاً، حيث لا يتعرض هؤلاء الخطباء للواقع الحياتي الذي يحياه الناس خاصة الشباب وبالتالي فإن أول سبل عودة دور المسجد هو ضرورة إعادة النظر في طرق تأهيل وتدريب الأئمة والدعاة، إذ يجب تأهيل الدعاة جيداً في الداخل الإسلامي حتى تتوافق رؤاهم مع طبيعة العصر، ويجب أن يركز الخطباء على دروس نافعة في كيفية مواجهة الإهمال والفساد وحل مشكلات المجتمع وعندئذ فقط سيعود الجامع إلى الأمة، وتتحول خطبة الجمعة إلى فرصة لمناقشة أمور المسلمين وإلى رغيف للجائع وعمل للعاطل ودواء للمريض وفي بعض الأحيان تتحول إلى سيف مصلت على رقاب الفاسدين الذين جاء الإسلام لمحاربتهم ولتحقيق العدالة بين الناس.
ويضيف: إذا كنا نريد فعلا تفعيل دور المسجد حتى نستعيد أمجاده ودوره في إثراء حضارة المسلمين فيجب أن نعرف أهم الأسباب التي أدت إلى تراجع دوره بعد أن كان يمثل مركز إشعاع اقتصادي وثقافي وديني وفي رأيي الشخصي فإن أهم أسباب تراجع دور المسجد يعود إلى ضعف إمكانات الدعاة من الناحية الفكرية وتهميش دورهم، وعدم الأخذ برأيهم، وتراجع مكانتهم الاجتماعية، كما كانت عليه من قبل بالإضافة إلى تضاؤل الموارد المالية للمسجد، خاصة المساجد الأهلية التي تعتمد أساساً على التبرعات ويضاف الى ذلك عدم فهم بعض الناس لدور المسجد وأهميته الاجتماعية والسياسية والثقافية والنظر إليه على أنه مكان للعبادة وإقامة الشعائر الدينية فقط وقلة الكوادر المؤهلة لإدارة المساجد وتقديم خدمات متنوعة من خلالها، تجسيداً للدور التنموي للمسجد ويأتي في النهاية الغزو الثقافي ومحاولة طمس الهوية الإسلامية من ناحية، والإساءة إلى الشريعة الإسلامية وربط الإسلام بالإرهاب، ونشر العديد من المفاهيم الخاطئة ضد الإسلام ومبادئه من ناحية أخرى ولهذا يجب علينا مواجهة تلك السلبيات وبعدها من الممكن أن نكون قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق لاستعادة دور المسجد.
ومن الواجب أيضاً يضيف د. شاهين أن يدعم رجال الأعمال العرب الأثرياء وهم كثيرون والحمد لله دور المساجد في كبح جماح الانحراف الأخلاقي وذلك بأن يدفعوا جزءا من تكاليف العمل الدعوي والخيري الذي يقوم به المسجد بحيث تتوافر للمسجد القدرة المالية على مساعدة فقراء ومرضى المسلمين وبالتالي نسترد المسلمين من براثن الجمعيات الخيرية المشبوهة التي تعمل وفق أجندات غربية لا تهدف للخير لا للإسلام ولا للمسلمين.