منذ عدة سنوات، وعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول سنة ،2001 عرف العالم تصعيداً خطيراً في موجات الكراهية والتمييز ضد المسلمين والتجديف والازدراء بالإسلام، والتهديد لدول العالم الإسلامي، والتطاول على المقدسات الإسلامية، وتشويه صورة الإسلام والمسلمين بشكل عام، والتشهير بالإنسان المسلم في كل مكان، وإيذاء الجاليات والأقليات المسلمة التي تقيم في الغرب، وإعلان الانحياز الكامل والمطلق للقوى الصهيونية الاستعمارية ولليمين المسيحي الواقع تحت تأثيرها، إلى جانب دولة إسرائيل العنصرية المارقة عن القانون الدولي التي تحتل الأراضي الفلسطينية، وتمارس ضد الشعب الفلسطيني أبشع الجرائم التي هي بحكم القانون الدولي، جرائم ضد الإنسانية.

من هنا تأتي أهمية كتاب العالم الإسلامي في عصر العولمة الصادر عن دار الشروق للمؤلف الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري. والكتاب من القطع الكبير ويضم 230 صفحة ويتناول العالم الإسلامي والعولمة، الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلاميتين في ظل العولمة، المشروع الثقافي الإسلامي في عصر العولمة، العالم الإسلامي وتحديات القرن الجديد، الأمة الإسلامية في مواجهة التحدي الحضاري. ويناقش الكتاب أيضاً القضايا العالقة بين أوروبا وأمريكا والإسلام، صراع الحضارات في المفهوم الإسلامي، حوار الحضارات مسؤولية مشتركة، وخصائص الحضارة الإسلامية وآفاق المستقبل، الخطاب الإسلامي بين الأصالة والمعاصرة ثقافة التجديد وأدب الحوار في الإسلام، موقف الإسلام من التمييز العنصري، الجاليات والمؤسسات الإسلامية ودورها في إبراز صورة الإسلام، ورؤية الإيسيسكو إلى إصلاح الأمة في العصر الحديث.

والمثير أن الكتاب تناول في هذه الظروف الصعبة، مختلف الجوانب المرتبطة بالعولمة، وربط بين العولمة وبين قضايا الحوار، والهوية، ومستقبل العالم الإسلامي، كما تناول قضايا فكرية وثقافية لها صلة من قريب أو بعيد بالواقع الحالي في العالم الإسلامي، لأن ذلك هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع المتغيرات العاصفة من حولنا، ومع المستجدات التي تفرض علينا التغلغل في العصر الذي نعيشه، والاستعداد للعصر الذي ستعيشه أجيالنا القادمة.

شراسة العولمة

ويذكر المؤلف أنه ليس بخاف أن نظام العولمة المفروض بقوة النفوذ السياسي والاقتصادي للقوى الدولية المهيمنة على السياسة الدولية في المرحلة الحالية، يشكل في حد ذاته، تحدياً بالغ الضراوة شديد الشراسة يخرج التصدي له عن قدرة الدول التي لا تمتلك شروط المناعة الصناعية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وتفتقر إلى أسباب القوة التي تجعلها في مأمنٍ من الآثار السلبية والمضاعفات الخطيرة والتداعيات التي لا تتوقف عند حد، الناتجة عن العولمة ذات الطابع الاستغلالي والبعد الاستبدادي مما يفقدها القدرة على الفكاك من هيمنة هذا النظام.

ويبين الكتاب اشتداد الحصار الذي تضربه العولمة على الدول النامية - سواء الدول النامية باطراد، أو الدول النامية في تعثر والضغوط القوية التي تمارسها القوى الدولية الفارضة لنظام العولمة، على هذه الدول، بحيث تحد من قدرتها على التحكم في مصالحها وضبط موازين سياساتها الوطنية في الاتجاه الذي يخدم هذه المصالح، ويشير إلى أن المؤشرات تؤكد أن العولمة تزداد انتشاراً وتوسعاً في الامتداد إلى آفاق بعيدة والتغلغل إلى دواخل السياسات الوطنية التي تمارسها الدول والاختراق الذي يتجاوز كل الحواجز والموانع والحدود.

وأوضح الكتاب أنه أصبح من مظاهر الفكر الإسلامي التي تبلورت وسادت، منذ فجر اليقظة والانبعاث في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وإلى اليوم الجنوح إلى الرفض المطلق للفكر الغربي والإعراض عن الأخذ به والاستفادة منه والتكيف معه، وتوجس المفكرين والمصلحين وأهل العلم وذوي الرأي خيفة من المذاهب والمدارس الفكرية والاتجاهات والتيارات الثقافية ومن النظم الاقتصادية والمناهج السياسية، واتخاذ مواقف إزاء كل ما يرد من الغرب من أفكار ونظريات، تتسم في الغالب بالشك والريبة فيها وعدم الاكتراث بها والتقليل من قيمتها، وأحياناً تبلغ هذه المواقف حداً من الغلو يصل إلى إشهار الحرب ضد الفكر الغربي في جميع مناحيه، جملة وتفصيلاً.

رأي مختلف

ومع أن هناك آراء كثيرة تحذر من الاندماج في العولمة، فإن للمؤلف رأيا مختلفا يتلخص في أنه لا سبيل لتجاوز الواقع الذي يفرض نفسه في السياسة الدولية، في هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها العالم، إلا سبيل التكيف مع هذا الواقع والاندماج في معتركه، والتعامل مع حقائقه بموضوعية شديدة، وبذلك ندخل في طور مواكبة متغيرات العولمة، من دون أن نضطر إلى مواجهتها، وهي المواجهة المستحيلة، بحكم الحسابات الواقعية، لا الاعتبارات الذاتية التي لا تصح أن تكون معياراً للقوة بأي حال ويقول: لا مجال هنا لإصدار الأحكام السريعة على هذا الرأي الذي أدعو إلى العمل به بحيث يصبح موقفاً يتبنى، من قبيل تلك الأحكام المرتجلة التي يصدرها من لا يعرفون حقائق الأمور، ويكتفون بالمظاهر من دون أن يكلفوا أنفسهم الغوص إلى الأعماق.

لقد أصبح النظام الذي فرض على العالم في هذه المرحلة، أمراً لا يصد بالأفكار والنظريات، ولا يتغير بالصيحات والشعارات، لأنه يعبر عن القوة الضاربة التي لا تكتسب إلا بالعمل الجدي القائم على العلم والتخطيط، وعلى تضافر الجهود من أجل تحقيق الهدف الذي ترسم خطوطه بدقة متناهية. وهذا المستوى من التفوق لا يمكن تغييره، أو منافسته، أو المواجهة معه، إلا بمستوى أعلى، أو على الأقل مواز له، من التفوق في اكتساب القوة والثروة والإبداع في العلم والتكنولوجيا. وليس في هذا تزكية لهذه القوة النافذة، أو أي نوع من الإشادة بها، ولكنه تعبير أريده أن يكون صادقاً عن الإحساس بالخطر الذي يتهدد العالم الإسلامي، إن هو انجرف مع التيار المعادي للعولمة من دون تبصر يدفع به إلى التعامل الموضوعي مع هذا الواقع.