يبقى نوع الحبر من الحدود الفاصلة بين كتابة الكاتب، وكتابة العميل أو الجاسوس! الأول يكتب، ربما في الهواء الطلق، بحبر مرئي النقاط والحروف، حتى إذا حملت الأسطر أفكاراً مبهمة أو مستغلقة . الثاني، في غرفته المغلقة، وربما في خندقه المظلم، ينقش بالحبر السري شفرته الغامضة، بشرط أن تكون هذه الشفرة صالحة للترجمة إلى أفكار، بل معلومات، واضحة وضح النهار!

كل كاتب: جاسوس . هذه حقيقة، وأيضاً مَجاز، فهو يتلصص على ذاته بأمانة، ليعرّيها، وعلى مجتمعه بمصداقية، ليشرّحه، وربما يفضحه فنيّاً، وأخلاقيّاً . وكل جاسوس: كاتب، فهو لا يكتفي بالرصد والتأمل، لكن دواعي مهمته، الوطنية إذا كان يعمل لمصلحة وطنه، والشيطانية إذا كان يعمل لحساب عدوه، تقتضي أن يكتب ويصف بدقة ما يراه، وما يستشفه أو يستبطنه .

كتابة الكاتب فن، وعلم، قوامها الموهبة والاستنتاج والحدس والتخيل والمعايشة والازدواجية، فضلاً عن الذهنية والتحليل المنطقي والقدرة الفذة على استخلاص النتائج، ربما قبل أن تُجرى التجارب، أو تصل الأحداث إلى منتهاها . كتابة الجاسوس هي أيضاً كذلك، بالضبط، ويظل الكاتب كاتباً بطبيعة ومضمون ما يكتبه، ويظل الجاسوس جاسوساً بطبيعة ومضمون ما يسرّبه ويهرّبه!

هل لذلك التشابه بين العالمين، على شكلانيته وأوليته وهشاشته، دور في أن يستسهل البعض وصف بعض الكتّاب والمبدعين العرب بالجواسيس أو العملاء؟! سؤال ساذج ينفي نفسه بالضرورة، وفق أبسط بديهيات التعقل، بل هو سؤال عبثي مضحك لم يكن ليثار أصلاً إلا في منظومة عبثية مضحكة، فالعين التي تميل إلى ادعاء، ومن ثم تصديق واعتناق، جاسوسية الكاتب وعمالته وخيانته من دون برهان دامغ، هي عين مصابة بعمى الألوان بكل تأكيد، وربما بالجنون .

هذه المنظومة العبثية المضحكة، الدافعة إلى التساؤلات الساذجة، نحن نعيشها للأسف الشديد، نلهو في كوميدياها، وتؤلمنا تراجيدياها، ولا يريحنا من مسلسل فوضاها إسدال ستار، أو انقطاع تيار .

وحتى إن توفرت الأدلة، ومالت كفة تصديق التهمة الموجهة إلى الكاتب، فليس ملائماً أبداً استخدام الإثارة التجارية، واليقين المفرط المطلق، ولغة التجريح والشتائم والزعيق والتحريض والتشفي، للخوض في أدبيات كاتب عربي مبدع، أحيط بقدر من الدوائر وعلامات الاستفهام . ومهما يكن هذا القدر من الالتباس، أو الخلل، فإنه يستدعي المناقشة، والأخذ والرد، والمراجعة، والتقويم، لا الهجوم الشرس الضاري، والضرب المتلاحق في مقتل .

إنها المنظومة التي أفسحت المجال بالأمس غير البعيد لرمي أمين الريحاني وطه حسين ومصطفى أمين وغيرهم بالجاسوسية والصهيونية والعمالة، بلغة تجريحية مشبعة بالإثارة، حتى وإن لم تخل من صدق . وبالأمس القريب طالت الاتهامات ذاتها فدوى طوقان ومحمود درويش وأحلام مستغانمي وغيرهم، وها هي الدائرة تتسع اليوم على نحو فج لمحاولات المساس باسم نجيب محفوظ، وتخوين الأدباء المصريين والعرب، الذين فازوا بجائزته على مدار السنوات الماضية . وإذا كان الاتفاق قد جرى على أن حرية التعبير، بل حرية الانتقاد، مكفولة للجميع، وعلى أنه لا يوجد رمز فكري أو إبداعي فوق المساءلة أو التفنيد، فإنه من الثابت أيضاً أن ذلك لا يعني إعطاء أحد الحق في التطاول بلا أسانيد قوية، والخوض في معترك شائك من دون تأهيل حقيقي، كما أن الانتقاد المبني في الأساس على الإثارة كهدف غائي، وتجريح الآخر ومحاولة نفيه واقتلاعه تماماً من جذوره، لا يُرجى منه بناء، ولا حتى هدم .

عموماً، ليس هذا المقال مجالاً لنفي التهم عن هذا الكاتب، أو إلصاقها بذاك، بقدر ما هو ملامسة أو مقاربة لذلك المناخ غير الصحي، في واقعنا الثقافي العربي الراهن، بكل ما فيه من نبرات زاعقة، وآليات خطابية متشاحنة متشنجة متخاصمة، ويبقى التعليق الأنسب دائماً هو عدم التعليق، وليتعلق التعليق في رقاب المراقبين، ممن يحسنون سبر أغوار المشهد، الواضح أحياناً، والضبابي في أحيان أخرى .

في الأسابيع الأخيرة، شاءت الصدفة، فقط الصدفة، أن تحيلنا أكثر من مرة، في وطننا العربي وخارجه، إلى ملف الكتابة والجاسوسية، أو الكتابة والعمالة، وليس المقصود هنا كتابة أو أدب الجاسوسية، فنترحم على الراحل المبدع صالح مرسي مثلاً، مفجّر ملفات المخابرات المصرية فنّاً ناصعاً وباروداً أبيض، لكن المقصود ذلك الملف الأسود، الذي يُسمِّي عدداً غير هيّن من الكتّاب جواسيس وعملاء ومخبرين ومأجورين وخونة .

وتتجلى المفارقة بوضوح، حينما نلمح الخطاب العربي هادئ النبرة بصدد الحديث عن كتّاب ومبدعين عالميين، ممن ألصقت بهم مؤخراً التهمة ذاتها: الجاسوسية أو العمالة أو التورط في علاقات غير بريئة بأجهزة المخابرات، فالأقلام العربية التي تناولت مثلاً كتاب أدباء وجواسيس، الصادر في إسبانيا لمؤلفه فرناندو مارتينث، تعاملت بموضوعية ولطف مع الكتّاب البريطانيين الجواسيس: إيان فلمنج (مبتكر شخصية جيمس بوند)، وجون لي كاري، وروالد داهل (الذي عمل خلال الحرب العالمية الثانية كجاسوس عسكري في شمال إفريقيا) .

وبالمثل، تم التعامل بحذر مع الكاتب الأمريكي جي دي سالينجر، ولم يتعد اتهام الروائي التشيكي ميلان كونديرا بالوشاية عن منشق سياسي في خمسينيات القرن الماضي درجة التشكك، على اعتبار أنه قد أنكر هذا الاتهام .

وبرفق شديد أيضاً، تم التعامل مع الأمريكي الأشهر هيمنجواي، حائز نوبل، المتورط في تقاضي راتب من المخابرات الأمريكية، وكتابة التقارير سيئة السمعة، والوشاية بأصدقائه ومعارفه، الذين وثقوا به .

وهناك فضائح أخرى كثيرة، تناولتها الأقلام العربية باتزان وهدوء، وهي تتعلق بجيش من الكتّاب الغربيين، تم اتهامهم بالتواطؤ ضد أوطانهم، والعمل لحساب الشرطة السرية الشيوعية، وجهاز الاستخبارات السوفييتية، على وجه التحديد .

على الجانب الآخر، في وطننا العربي، حمل الملف ذاته خلال الأسابيع الماضية، وطالما حمل من قبل، أوراقاً أكثر اسوداداً، وذلك طبعاً لأن الأمر يتعلق هذه المرة بالكتّاب والمبدعين العرب، المغرمين بالتشفي، بعضهم من البعض، وإقصاء بعضهم البعض خارج التاريخ، وخارج الجغرافيا .

وفي مقام لا علاقة له أساساً باسم نجيب محفوظ، انطلق صوت حماسي مجلجل، هو صوت رئيس اتحاد الكتاب العرب في سورية حسين جمعة، واصفاً جائزة نجيب محفوظ بأنها مشبوهة، بحجة أن مانحتها هي الجامعة الأمريكية في القاهرة، ذات الإدارة اليهودية الصهيونية .

ولم يكتف جمعة بذلك التشويش والتعميم، لكنه اتهم الحاصلين على هذه الجائزة برمتهم (ومنهم: لطيفة الزيات، ويوسف إدريس، ومريد البرغوثي، وخيري شلبي، وإبراهيم عبدالمجيد، وغيرهم) بالتطبيع الثقافي مع إسرائيل، وكتابة أعمال تلبي أغراضاً خبيثة .

وبعيداً عما هو ثابت بشأن تمويل جائزة نجيب محفوظ من ريع جائزة نوبل التي حصل عليها أديبنا العربي الكبير، وما هو معروف بشأن إنجاز كثير ممن فازوا بالجائزة كتابات وأدواراً وطنية جليلة، فإن أطرف رد على اتهامات حسين جمعة هو ما قاله الروائي إبراهيم عبدالمجيد لصحيفة اليوم السابع المصرية: وهل هناك عميل بألف دولار فقط؟! لو كانت قيمة الجائزة ألفي دولار، لربما صح الأمر! . إنه الرد الأنسب فعلاً، والأكثر اتساقاً مع تلك المنظومة العبثية المضحكة!

وفي المنظومة ذاتها، وإن كان الأمر هذه المرة مدعوماً بمستندات، لم يمر صدور كتاب ميراث من الدماء: تاريخ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للصحافي الأمريكي تيم وينر مرور الكرام، حيث أثيرت من جديد الاتهامات للكاتب الراحل مصطفى أمين بالتجسس لمصلحة المخابرات المركزية الأمريكية، وذلك اعتماداً على ما ورد في الكتاب الأمريكي من معلومات ووثائق .

والتركيز في هذا المقام ليس على إثبات التهمة أو نفيها، لكن على اللهجة الحادة في الإشارة إلى التهمة، والتغني بها بمرح، وهي اللهجة التي تفيض يقينية وانتقامية وتشفياً، ومن ثم تكتفي باتخاذ الكتاب الأمريكي كمرجع وحيد، ولا تسعى إلى استكشاف ما وراء الحدث، ومعرفة ملابساته الدقيقة .