شغلت مسألة الأخلاق كثيراً من الباحثين قديماً وحديثاً . ولقد ذهبوا في الاهتمام بها وتشقيق الحديث عنها مذهباً جعل منها عِلماً مستقلاً بذاته، سمي بعلم الأخلاق .
ولقد رأى كثير منهم أن أدق تعريف للأخلاق الفاضلة أن يقال: إنها إيثار مصلحة الآخر على مصلحة الذات عند التعارض بحافز من الفطرة .
ولكن مشكلتين واجهتا الباحثين في هذا الموضوع، لدى محاولتهم تحويل الأفكار والتصورات إلى وقائع وأحكام نافذة تدين لها المجتمعات والأفراد، استعصيتا على التطبيق . أما إحداهما فالعجز عن الاتفاق على ما يسمى منفعة أو مصلحة تدور على محورها الأخلاق، وأما الثانية فالعجز عن إخضاع الناس لحقيقة المنفعة أو المصلحة (قيما لو أمكن اتفاق سائر المجتمعات عليها) من دون الاعتماد على وازع ذاتي، يحمل على الدينونة لها .
ولقد وقفت على محاولات كثيرة لأمثال:(أبيقور) و(زينون) و(فيثاغورس) ممن استولدوا علم الأخلاق في العصور الغابرة التي سبقت ميلاد المسيح عليه السلام، للعثور على معنى متفق عليه للفضيلة، ولكن محاولاتهم لم تأت بشيء .
وإن التاريخ لا يضنّ علينا بأمثلة كثيرة لظاهرة التناسخ التي تواردت على ما يسمى المصلحة بل لظاهرة التعارض الآني في ما بينها . إن مثالاً واحداً من ذلك، كالبغاء الذي يعدّ ذا علاقة شديدة بالنظرية الأخلاقية، يكشف لنا كيف تسلسلت المعايير المتعاكسة له . إذ حسبنا أن نعلم أن كثيراً من الشعوب المتحضرة في العصور القديمة كقدماء الكنعانيين والبابليين كانوا ينظرون إلى البغاء نظرة قدسية ويعدّونه في كثير من الحالات عملاً مبروراً . كما أن كثيراً من شعوب شرق إفريقيا يرون أن البغاء أمر طبيعي ما لم تقترن الفتاة بزوج، أما جريمة القتل فما كانت تعتبر جريمة في كثير من الأحيان لدى دولة الرومان، فقد كان يحق للرجل أن يغمس طفله الذي ولد للتوّ في دن كبير من النبيذ ثم ينتشله بعد ثوان محدودة، فإذا اختنق مات غير مأسوف عليه، إذ يدل ذلك على أنه لن يكون صالحاً للحياة العسكرية المثالية في نظر روما إذ ذاك، أما إن أخرج من الدن حياً يختلج فقد أثبت بذلك جدارته للحياة والبقاء .
وهكذا بدا لأولئك الباحثين أن كلمة (الأخلاق الفاضلة) لا تنطوي على حقيقة ثابتة، فضلاً عن أن تتصف بالخلود والبقاء . وإنما الذي يمكن أن يتسم بالبقاء كلمة (الخُلُق) وحدها، مجردة عن معناها، إذ تغدو ثوباً فضفاضاً يُكسى به كثير من أنواع السلوك التي قد تكون في مجموعها متضاربة متنافرة .
وعلى الرغم من هذا، فقد ذهب كل منهم مذهباً في تفسير المنفعة التي تتبعها الفضيلة . فمنهم من اعتدّ بما سماه المنفعة العامة من دون أن يقيم وزناً لما قد يعارضها من منفعة الأفراد . ولهذا المذهب أنصار من علماء الأخلاق في العصور الغابرة وفي العصر الحديث . ومنهم من ذهب إلى نقيض ذلك ورأى أن السعادة الشخصية هي مقياس الأخلاق الفاضلة، ومن أبرز من ينتصر لهذا المذهب اليوم الوجوديون بكلا قسميهم المعروفين .
وقد تساءل أصحاب المذهب الأول: أمن الممكن أن يكون مجرد اليقين بأن الفضيلة تكمن في تحقق المنفعة لأوسع رقعة في نطاق المجتمع الإنساني حاملاً على التحلي بها والانضباط بمقتضاها؟
لم أر في الباحثين، قديماً وحديثاً، من ذهب إلى إمكان ذلك . وهذا ما أكده حتى فلاسفة ما قبل عصر المسيح عليه السلام، وهو ما قرره العالم البريطاني بنتام في كتابه (أصول الشرائع)، وما قرره ستيوارت ميل في كتابه (الحرية) . كلهم قرروا أن مجرد الإيمان بالفضيلة لا يكفي أن يكون حافزاً على التحلي بها .
إذن ما هو الوازع الخارجي الذي لا بد منه لازدهار الأخلاق الفاضلة ولحماية المجتمع من نقائضها المتمثلة في الأخلاق المرذولة؟
لم يعثر أولئك الباحثون الذين حدثتك عنهم من القدامى وعلماء هذا العصر، إلا على وازع واحد لا ثاني له، ألا وهو الوازع الديني إذ يهيمن سلطانه على النفس . ذلك ما عاد فقرره بنتام وهو ما أكده ستيوارت ميل، وهو ما ذكّر بضرورته روسو في كتابه (إميل) وعلى أساس ذلك سار وانتشر المثل البريطاني القائل: (لا أخلاق من دون دين، ولا دين من دون أخلاق) .
بل إن هذا ما يقرره القرآن من قبلهم جميعاً، عند كل دعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق . إنه يمهد لذلك بتأسيس العقيدة الإيمانية بالله في العقل والدعوة إلى الاصطباغ بها عبودية لله في النفس والسلوك، ثم يبني على ذلك دعوته إلى مكارم الأخلاق .
* أستاذ في جامعة دمشق