التعذيب يعني استعمال التنكيل والعقوبة المؤلمة بحق المتهم لانتزاع اعترافه بخصوص التهمة المنسوبة إليه، وهو محرم لما فيه من مساس خطير بإنسانية الإنسان وكرامته الآدمية التي صانها الشرع من أن تنتهك بأي حال من الأحوال حتى ولو كان في قمة الإجرام أو الكفر، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَر وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطيبَاتِ وَفَضلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (النحل 70)، فإذا نسبت تهمة إلى شخص ففي الإسلام يجب أن يعامل وفق قواعد العدل والإنصاف التي أرساها هذا الدين الحنيف، ورد أن هشام بن حكيم بن حزام مر على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا فى الشمس فقال ما شأنهم؟ قالوا حُبِسُوا فى الجزية، فقال هشام أشهد لسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس فى الدنيا رواه مسلم . وعاب القرآن الكريم على فرعون رمز الطغيان والجبروت الانتهاك الجماعي للكرامة الإنسانية، قال تعالى: إِن فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (القصص 4) .
ويرى جمهور الفقهاء عدم جواز إكراه المتهم على الاعتراف، ويعتبرون اعترافه باطلاً شرعاً وليس من أدلة الإثبات القضائي لانتفاء الإرادة الدافعة إلى الفعل لدى الإنسان، قال تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النحل 106)، ووجه الاستدلال أن الآية تنص صراحة على استثناء المكره على النطق بكلمة الكفر من المؤاخذة والمساءلة، روى أحمد أن هذه الآية الكريمة نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه، فقد أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تُرِكْتُ حتى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال إن عادوا فعد (رواه الحاكم وصححه الذهبي) .
وبالرجوع إلى مصادر الفقه الإسلامي ومراجعه الكبرى نرى أن الفقهاء نصوا على بطلان ما يصدر عن الإنسان المكره من تصرفات وبالتالي بطلان آثارها، فنصوا مثلاً على أن عقد الزواج إذا كان بالإكراه فإنه يقع فاسداً، ذلك أن الرضا ركن في العقد، ونصوا أيضاً على أن طلاق المكره لا يقع، ومثلهما كثير من التصرفات الأخرى كالبيع، وذلك استناداً إلى كثير من النصوص الشرعية كقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، ووجه الاستدلال أن هذا الحديث النبوي ينص صراحة على رفع الإثم عما يرتكبه الإنسان من ذنب أو مخالفة تحت ضغط الإكراه .
استدل الفقهاء على حرمة التعذيب بأن الأصل في الإنسان البراءة وهي ثابتة له يقيناً، واليقين لا يزول بالشك، ففي سبيل الخلاص من التعذيب والنجاة بالنفس قد يلجأ المتهم إلى إدانة نفسه أو إدانة غيره بما لم يفعل، وهذه فتنة عظيمة ومحنة ثقيلة يبتلى بها الإنسان، وفي ذلك قال عمر رضي الله عنه (ليس الرّجل بأمينٍ على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذّب)، وفي ذلك مزيد من إهدار الحقوق وترسيخ الظلم ومجانبة العدالة والإنصاف بناء على الظن، قال تعالى: إِنْ يَتبِعُونَ إِلا الظن وَإِن الظن لا يُغْنِي مِنَ الْحَق شَيْئاً (النجم 28) .
واستدلوا أيضاً بأن الإكراه ليس سبيلاً مشروعاً لمعرفة الحق، بل هو ذريعة إلى الوقوع في الظلم ولو بغير قصد، ففي الإسلام الغاية لا تبرر الوسيلة، وهناك وسائل أخرى غير الضرب والتعذيب لاستظهار الحقيقة، فيمكن التفريق بين الشهود، والنظر في القرائن .
وبناء على ذلك لا يجوز الحكم بتجريم شخص أو معاقبته على جرم إلا بعد ثبوت ارتكابه بأدلة قطعية، ولا مجال لقبول الأدلة التي يتطرق إليها الاحتمال لأنها أدلة ظنية الدلالة على ثبوت التهمة، قال تعالى: يَا أَيهَا الذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَينُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات 6) . وفي الوقت ذاته لا يجوز بأي حال تجاوز العقوبة التي قدرتها الشريعة للجريمة أو قررتها القوانين النافذة في البلاد قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَد حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ (البقرة 229) . ولكن يجوز حبس المتهم للضرورة على ذمة القضية احتياطاً ولاستكمال التحقيق، على أن يكون ذلك لمدة محددة تناسب درجة التهمة الموجهة إليه، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة ثم خلى عنه (رواه الترمذي) .
* قاضي قضاة فلسطين سابقاً