إن القرآن الكريم - وهو دستور المسلمين الخالد - يربي المسلم على الاتزان النفسي والسمو الأخلاقي، حتى في أحلك الظروف التي يمر بها، وفي أشد حالات الغضب، ينبغي أن يتحلى بضبط النفس، فلا يغضب إلا لانتهاك حرمات الله، ولا ينساق وراء دسائس الآخرين.. وشأن كل من يلتزم بأدب القرآن، ويتخلق بأخلاقه، أن يعيش حياته سعيدا وينال الجزاء الأوفى في الآخرة، ويتمتع بالراحة والطمأنينة في حياته وفي علاقاته بالناس، ويحمي نفسه من كل مكروه قد يجلبه له التوتر والانفعال والعصبية الزائدة.. ذلك أن الانسياق لأهواء النفس والاستسلام للغضب قد يدفعان الإنسان إلى ارتكاب جريمة يحاسب عليها الشرع ويعاقب عليها القانون.
علامة حكمة
من هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصح ويوجه إلى ضبط النفس والسيطرة عليها عند الغضب، وقد جاءت توجيهاته في هذا الأمر مثالا للانضباط السلوكي والاتزان النفسي، الذي نحتاجه بشدة في هذه الأيام حيث يسيطر علينا التوتر والانفعال معظم الوقت نتيجة ظروف العمل وضغوط الحياة أو نتيجة مشكلات وأزمات هنا أو هناك، وكثيرا ما ننفعل ونتصرف بأسلوب غير لائق عندما نستسلم للغضب، وقد يصاب الغاضب بمكروه سريع نتيجة غضبه، وقد يسبب له الغضب والانفعال المتكرر مشكلات وأزمات صحية، ولذلك كان التوجيه النبوي الكريم لكل مسلم: «لا تغضب».
هذا ما يقوله د. محمود مسعود أستاذ الفلسفة والأخلاق الإسلامية ويضيف: ضبط النفس عند الغضب أمر لا يقدر عليه سوى الأقوياء الذين منحهم الله ثباتاً وعزما، وهنا يبرز قوله سبحانه: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم».. كما أن ضبط النفس يعد من رجاحة العقل، يقول الحق سبحانه: «وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور».. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
وضبط النفس علامة على الحكمة: «ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب». ولذلك نجد أن الوصايا التي أوصى بها لقمان عليه السلام ابنه تقوم على تعقل الأمور وعلى الحكمة، ولذلك يقول الحق سبحانه: «ولقد آتينا لقمان الحكمة»، وهذه الحكمة تعني- كما يقول د. مسعود- أن يحسن المرء إلى أهل الإحسان، وأن يضبط نفسه ويغض من صوته، وهذا يؤكده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت وأتبع الحسنة السيئة تمحها وخالق الناس بخلق حسن».
تسامح.. ورحمة
ويقول د. صلاح عبد السميع أستاذ التربية الإسلامية بجامعة حلوان المصرية: التربية الأخلاقية لأولادنا ينبغي أن تولي اهتماما كبيرا بضبط النفس والاتزان الانفعالي، لأن ما يحدث في المدارس وفي محيطها وفي الشوارع والنوادي وغيرها من مشاجرات بين الأطفال والشباب يؤكد أن كثيرا من أولادنا يفتقدون هذا الخلق الإسلامي العظيم الذي نحتاجه جميعا.
ويرتبط بضبط النفس ويسبقه - كما يقول أستاذ التربية الإسلامية - خلقان آخران عظيمان هما: (التسامح - والعفو عند المقدرة) فالإسلام يرقى بسلوك المسلم عند الغضب إلى درجة التسامح والعفو عن المسيء وليس معاقبته، والتحلي بهذه الأخلاق الفاضلة ليس ضعفا، بل هو القوة بعينها والاتزان النفسي والسمو الأخلاقي في أجمل صوره.. ولذلك يقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه: «وأتبع الحسنة السيئة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
هذا الخلق الحسن يتجلى عندما يسيطر الغضب على المسلم تجاه موقف يغضبه، أو سلوك يرى فيه إهانة أو إساءة، وهنا ينبغي على كل من يتعرض لموقف من هذا النوع أن يتذكر قول الحق سبحانه: «إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين».. وقوله عز وجل: «وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور». كما ينبغي عليه أن يعمل بتوجيهات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يواجه هذه التجاوزات بالسلوك الرشيد، ووضع انفعالاته في إطارها الشرعي، فلا يرد على الإساءة بإساءة مماثلة أو أقل أو أكبر منها، فالمسلم الحق متسامح عفو كريم يمتلك نفسه عند الغضب.
خلق نبوي كريم
ويؤكد د. أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن السيطرة على النفس عند الغضب خلق نبوي كريم ينبغي أن يتحلى به كل مسلم، فقد كانت توجيهاته دائما لصحابته الكرام ولعموم المسلمين: «لا تغضب»، وقد سأله رجل قائلا: يا رسول الله، أوصني. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب»، فردد مرارا سؤاله، فقال له «لا تغضب»، وسأله ابن عمرو رضي الله عنهما قائلا: يا رسول الله، ماذا يباعدني من غضب الله؟ فقال له «لا تغضب». وقد جاءه صلوات الله وسلامه عليه رجل يسأله: يا رسول الله: «دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال: «لا تغضب».
ومن هنا كان النهي عن الغضب أبرز وصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وقد كان عليه الصلاة والسلام، يوصي أصحابه دائما بحسن الخلق، الذي هو أثقل شيء في الميزان يوم القيامة، وهو هنا يدلهم على باب عظيم من مكارم الأخلاق، وهو: كف النفس عن الغضب.
جاء في الحديث الصحيح أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقال: أي العمل أفضل؟ فقال «حسن الخلق». ثم أتاه عن يمينه فقال: أي العمل أفضل: قال: حسن الخلق.. ثم أتاه عن شماله فقال: أي العمل أفضل؟ قال «حسن الخلق».. ثم أتاه من بعد - يعني من خلفه - فقال: أي العمل أفضل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لك لا تفقه؟ حسن الخلق، هو ألا تغضب ما استطعت».. وهكذا يكون حسن الخلق في عدم الغضب كما أرشدنا ووجهنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
والغضب ليس كله مرفوضا ولا محظورا، فهناك غضب يحاسب الإسلام على تركه، وهو الغضب رفضا لانتهاك الحرمات.. لكن الغضب الذي ينهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عدم التحكم في النفس وتركها تتحكم في الإنسان، وتوجه تصرفاته، وتسبب له أضرارا كثيرة، وتدفعه إلى الإساءة للآخرين، وإهدار حقوقهم، مع أن الإسلام حث على العفو عن المسيء والتسامح والرحمة.
مقومات ضبط النفس
وحتى يتمكن الإنسان من السيطرة على نفسه عند الغضب يحتاج - كما يقول د. مسعود - إلى معرفة أمور، أولها معرفة حقوق نفسه، وما لها وما عليها، حتى يوطن نفسه على احترام الآخرين والاعتراف بحقوقهم، وعدم الاقتراب من خصوصياتهم، حيث يجب أن يعرف الإنسان أين تنتهي حريته، ومتى تبدأ حرية الآخرين، وماذا يجب عليه فعله، وما يجوز له أخذه، فيجعل لرغبات نفسه حدودا، يقف عندها ولا يتجاوزها.
أيضا يجب على المسلم أن يثق في نفسه وأن يتواضع في التعامل مع الآخرين، فالتواضع هو أهم مقومات ضبط النفس، ويقصد بالتواضع هنا شعور الإنسان الدائم بأفضال الآخرين ومكانتهم.
ومما يعين على ضبط النفس الاستشارة، والهدوء في اتخاذ القرارات وتبني المواقف، ويجب على المسلم هنا أن يتذكر قول الحق سبحانه لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر...».
والإنسان في حالة غضبه يكون غليظ القلب حاد السلوك، منفلت اللسان، سريع الإساءة، ولكن عندما يعمل بقول الحق سبحانه: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين»، يكون لين الجانب عفوا كريما ويحظى بحب واحترام الآخرين.
السيطرة على الشيطان
ويقول د. هاشم: المسلم الذي يتحلى بضبط النفس هو من عباد الله الصالحين، الذين وصفهم الخالق سبحانه بقوله: «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما».. وهو أيضا من الذين قال الحق سبحانه وتعالى فيهم: «والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما».
ومن وسائل ضبط النفس أيضا - كما يقول د. هاشم - «الاستعاذة الدائمة من الشيطان»، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن رجل غاضب لتعرضه لإساءة من آخر: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد».
أيضا، من السلوكيات المفيدة عند التعرض للغضب» اللجوء إلى الوضوء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار وتطفأ النار بالماء، فإن غضب أحدكم فليتوضأ».
ومما يضبط سلوك المسلم ويمنعه من الاستسلام للغضب، معرفة عواقب الأمور وعمل حساب لكل ما يصدر عنه.. فمن يسب إنسانا وهو غاضب عليه أن يتحمل سبه له ولأهله بأبشع مما سبه به، ولذلك يقول الحق سبحانه: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم».