الإعلان عن اختيار لبنان ليكون حاضراً كضيف شرف في الدورة الثانية والثلاثين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب ،2013 هو بمثابة تذكير بديهي بالمكانة المرموقة التي يحتلها لبنان في الثقافة العربية عموماً، وفي صناعة الكتاب والنشر خصوصاً . تذكيرٌ ضروري وحقيقي يتجدد هنا وهناك وفي مناسبات مختلفة، عربية وأجنبية أيضاً، ويعكس أهمية التراكم الذي صنعته الممارسات الثقافية والفنية والفكرية في لبنان، ومساهمة هذه الممارسات المتنوعة والخصبة في رسم صورة لبنان نفسه كمختبر للحداثة والتجريب المستمر وحرية التعبير وديمقراطية النشر والقراءة والصحافة والإعلام . وهو ما أشارت إليه اللجنة المنظمة للمعرض بقولها إن اختيار جمهورية لبنان ضيف شرف الدورة الحالية للمعرض بالنظر إلى دورها الكبير المؤثر في مسيرة الفكر والثقافة العربية على امتداد تاريخها الحافل بالأسماء الكبيرة في الشعر والرواية والترجمة والعديد من الفنون الأدبية، إضافة إلى مكانتها المتميزة في إثراء القطاع بالأعمال العديدة، لاسيما في مجال الطباعة والتصميم والنشر، ودعمه بالجديد والمتميز والمنافس للأعمال الإبداعية العالمية من المعارف والموسوعات التي تلبي مختلف اهتمامات القراء وتنسجم مع توجهاتهم المختلفة .
الواقع أن من الصعب الحديث عن دور لبنان ومكانته بسرعة أو اختزاله في مقالة واحدة، إذْ ما أن نفكر بهذا الدور الريادي للبنان، وبيروت تحديداً كعاصمة ثقافية عربية، حتى تنفتح أمام أنظارنا مئات الأسماء المميزة والموهوبة في عالم الشعر والفكر والصحافة والرسم والفن والنشر والعلم والتعليم، وقد أسهم هؤلاء منذ بدايات عصر النهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في تأسيس أو المشاركة في تأسيس أولى اللبنات الحقيقية في بنية الثقافة العربية الحديثة التي كانت في طور البدايات، وتسعى إلى التخلص مما شابها من عصور الانحطاط والاستعمار والتخلف، ولا يختلف أحدٌ اليوم على هذا الدور اللبناني الذي كان جزءاً من إرهاصات النهضة في بلاد الشام عموماً وفي مصر، ففي هذه المنطقة الجغرافية والبشرية تركزت الظروف التاريخية والاجتماعية التي جعلتها تستقبل التأثيرات الأوروبية التي سبقت حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام التي يُوثّق بها الباحثون عادةً بواكير النهضة مع دخول المطبعة وفنون الطباعة وتقنياتها، وهي التي كانت موجودة قبل ذلك في دير مار يوحنا الشوير في لبنان، وقد طبع فيها أول كتاب بالحرف العربي عام ،1734 وامتد العمل في تلك المطبعة حوالي القرن ونصف القرن أي حتى عام 1889 . وبعد مطبعة الشوير بأكثر من ستين سنة، جاءت حملة نابليون التي أدخلت معها إلى بلاد النيل الطباعة بالحروف العربية والفرنسية واليونانية، وبعد ذلك احتلت بيروت دوراً ريادياً في ازدهار فن الطباعة في لبنان والمشرق، وكانت الحلقة الرابعة في تلك الحقبة إلى جانب مطابع حلب وجبل لبنان ومصر .
وتتفق مراجع تاريخية عديدة على أن بيروت كانت صاحبة الأثر الأكبر في تاريخ الطباعة والنشر في الوطن العربي، إذْ في الوقت الذي كانت توجد فيه أربع مطابع في دمشق، وذلك بين عامي 1849 حتى ،1920 كان في بيروت ثمانون مطبعة . وقد تعزز ذلك بازدهار دور بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع بروز حركة النهضة والتنوير في المشرق، وهو ما جعل الطباعة ظاهرة أساسية وراسخة مندرجة في بنية ثقافية واسعة وناهضة تتخطى الطباعة نفسها وتغذيها بقدر ما تتغذى منها، وصارت الطباعة والنشر لاحقاً مكسباً مجتمعياً ظل في حالة تطور مستمر مع تواصل التأثيرات الأوروبية والمدينية التي كانت نتيجة التجارة وحركة الإرساليات والبعثات التي ضمت في ما ضمت كتاباً ومثقفين ودارسين من تلك الحقبة النهضوية .
مع الطباعة، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه لبنان في إحياء اللغة العربية، والدور البارز الذي لعبته الرهبانيات في ذلك، وهناك أمثلة كثيرة يمكن اختصارها بأسماء مثل بطرس، وسليمان البستاني، وإبراهيم اليازجي، وأحمد فارس الشدياق وغيرها من الأسماء التي اشتغل أصحابها في وضع الموسوعات والمصطلحات والترجمة والتأريخ الاجتماعي .
ويمكن في هذا السياق، الإشارة إلى ريادة لبنان في المسرح والتمثيل مع مارون النقاش سنة ،1848 بينما كانت أول مسرحية شعرية مطبوعة هي المروءة والوفاء لخليل اليازجي، ونذكر هنا أسماء رائدة في فنون التمثيل مثل: نجيب الريحاني، وجورج أبيض، وعزيزة عيد . ونشير أيضاً إلى دور لبنان الريادي في الترجمات الكبرى مثل ترجمة العهد القديم لإبراهيم اليازجي، والإلياذة لسليمان البستاني، كذلك ريادته في نشر النظريات الأدبية والأفكار الجريئة في مؤلفات أسماء بارزة مثل: فرح أنطون، وشبلي الشميل، وخليل مطران، وجرجي زيدان .
وضمن هذا السياق أيضاً نرى أن جانباً جوهرياً في تطوير وتحديث الشعر العربي الكلاسيكي جاء على يد العديد من شعراء المهجر الذين شكل اللبنانيون القسم الأعظم منهم، ونذكر من هؤلاء: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، وأمين الريحاني، وإلياس فرحات . الأمر نفسه موجود في ريادة الرسامين والمصورين الأوائل في لبنان أمثال: خليل الصليبي، وقيصر الجميل، وعمر الأنسي، ومصطفى فروخ وغيرهم .
وقد قُيّض لبيروت بعد ذلك أن تعيش عصرها الذهبي في الستينات والسبعينات على صعيد الشعر والمسرح والفن التشكيلي والموسيقا والصحافة، ونذكر هنا أسماء مثل سعيد عقل في الشعر، والرحابنة وفيروز في الموسيقا والغناء، إلى جانب الدور الثقافي والفكري الذي لعبته مجلات مثل الآداب والطريق وشعر، وكانت المجلة الأخيرة حاضنة الحداثة الشعرية العربية، ولا ننسى أن الكتّاب والشعراء العرب كانوا يعتبرون النشر في تلك المجلات بمثابة ولادة حقيقية لهم، وخصوصاً في مجلة الآداب التي دارت على صفحاتها معارك ثقافية باتت جزءاً من الاحتياطي الخصب لمناخات الحرية والكتابة في لبنان، حيث كان في استطاعة الكتّاب العرب أن يسهموا في إثراء تلك المناخات وأن يستثمروها في تجاربهم أيضاً . ولهذا فإن بيروت هي العاصمة العربية الوحيدة التي تمتلك ذاكرتين: ذاكره مثقفيها وكتابها وفنانيها، وذاكرة الكتاب والشعراء والفنانين العرب الذين قصدوها وعاشوا فيها، بل إن هناك ناشرين عرباً افتتحوا دوراً للنشر فيها، وحتى أثناء الحرب الأهلية، ظهرت تجارب شعرية وروائية ومسرحية من رحم تلك الحرب، وتغيرت حساسيات معينة وظهرت حساسيات ونبرات جديدة لدى ذلك الجيل الذي أطلق عليه النقاد جيل الحرب، وكذلك توصيف الرواية ب رواية الحرب، وكانت الحرب حاضنة لظهور السينما اللبنانية البديلة على يد مخرجين مثل: برهان علوية ومارون بغدادي .
مطبعة العرب
ونعود إلى الطباعة التي كانت اللحظة التاريخية الأبرز التي سهّلت ومهدت الطريق لانطلاقة فنون وأجناس ثقافية أخرى لها علاقة وطيدة بالطباعة . هكذا، بدأت الصحف والجرائد الأولى بالظهور، وكان للبنان (ومصر وسوريا أيضاً) دور ريادي في نشأة الصحافة العربية وتطويرها وتحديثها لاحقاً حتى زمننا الحالي .
ويكفي أن نذكر أن اللبنانيين احتكروا الصحافة في مصر نفسها في بدايات القرن الماضي . الصحافة في ذلك الوقت، وفي العقود التي تلتها، هي التي أسهمت في تظهير ونشر الممارسات الثقافية كلها سواء على صعيد الشعر والقصة والمقالة والدراسة الفكرية والفلسفية والتربوية . كانت الصحافة مرآة تعكس المخاضات المتعددة التي عاشها المجتمع اللبناني (والعربي أيضاً) . الصحافة كانت تمثل المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي اليومي، بينما كانت المطابع ودور النشر تُصدر المؤلفات الشعرية والسردية والفكرية . وكان لتطور فن الطباعة في لبنان دور أساسي في جذب واستقطاب الكتّاب والمؤلفين العرب إلى نشر أعمالهم في بيروت التي تحولت مع مرور الوقت إلى عاصمة النشر العربي على مستوى تقنيات الطباعة الحديثة وتصميم الأغلفة والتبويب والإخراج ونوعية الورق وذكاء التوزيع والتسويق . ولقد راجت طويلاً ولا تزال مقولة أن مصر تكتب وبيروت تطبع والعراق يقرأ، ولكن الزمن تطور أكثر والجغرافيا العربية المستهدَفة بما تنتجه المطابع البيروتية باتت تشمل أغلب البلدان العربية، وخصوصاً دول الخليج العربي، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة التي صارت تلعب دوراً مشابهاً، مع اختلاف التاريخ والدور والأهمية، للدور الذي لعبته بيروت كمركز إشعاع ثقافي وفكري وفني، وكثيراً ما تجري أنواع من المقارنات المتفاوتة طبعاً بين بيروت وأبوظبي ودبي والشارقة، في التنافس الإيجابي، وفي الوقت نفسه، ينبغي الاعتراف بالدور الجوهري الذي لعبته بيروت ليس فقط كمطبعة وحركة نشر خصبة وثرية، بل لكونها كانت حاضنة للأفكار والأسئلة الجديدة والطليعية، وهو الدور الذي لا تزال تلعبه ببراعة وثقة رغم الأدوار المماثلة التي تلعبها عواصم ومدن عربية أخرى .
لقد تكيفت بيروت مع حضور عواصم مثل القاهرة ودمشق وبغداد في الماضي، وهي قادرة على أن تحافظ على دورها وحيويتها وتميزها مع حضور عواصم ومدن مثل أبوظبي ودبي والشارقة . ومن المؤكد أن حضور لبنان في المعرض سيكون مكثفاً وواسعاً على صعيد النوعية والكمية .
والواقع أن هذه المقارنات ليست وليدة العاطفة أو المصادفة، بل تقوم على عناصر وجزئيات يمكن المقارنة بينها مع أخذ اللحظة التاريخية المختلفة بعين الاعتبار، فما مثّلته بيروت أولاً يصعب تكراره في تجارب مدن أخرى، ولكن النهضة المتواصلة في دولة الإمارات عموماً تعطيها أحقية لعب دور مماثل، ولكنه أكثر حداثةً ومعاصرةً حالياً، بينما بيروت تعيش على احتياطي هائل من الخبرة والتراكم والأسئلة الطليعية والتجريب المستمر . صحيح أن المدينة تعرضت لنكسات متعددة بسبب الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً، وتلتها سنوات سلم أهلي بارد لا يزال مهدداً بالانقسامات السياسية التي تنذر بالانفجار في أي لحظة، إلا أن ذلك لم يمنعها من مواصلة دورها كحاضنة للأفكار الجديدة والمشاريع المعاصرة، ومن تواصلها مع التيارات الأكثر راهنيةً في الغرب وفي العالم . هناك عراقة وتاريخ تراكمي يصل الأجيال المثقفة ببعضها البعض، ويصنع نوعاً من التجايل الإيجابي بين الرواد ومن جاء بعدهم وصولاً إلى الجيل الحالي من الكتاب والشعراء والإعلاميين والرسامين والمسرحيين والعاملين في الصحافة المكتوبة والمرئية .
ولذلك تبدو الصورة الحالية وكأن مدن الخليج العربي تتابع ما بدأته بيروت وراكمته، ولكن بيروت نفسها لا تتوقف عن استكمال دورها، ولا تتوقف قدراتها عن التكيف مع الظروف الأمنية المحلية والإقليمية، وصناعة صورتها كعاصمة دائمة للثقافة العربية والفن العربي . لقد وصل التأثير البيروتي إلى دول الخليج العربي، وعلى رأسها الإمارات، لقد سعى الكتّاب والشعراء الخليجيون إلى نشر أعمالهم في بيروت في العقود الثلاثة الأخيرة، كما فعل أقرانهم العرب من الدول العربية الأخرى في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ويشهد على ذلك دواوين كثيرة وروايات ودراسات أكاديمية تفاعلت وتداخلت مع الإصدارات اللبنانية والعربية، مع الإشارة إلى أن عالم الطباعة والنشر قد تطور كثيراً في السنوات الأخيرة، وباتت بعض المؤسسات تنفذ خططاً واسعة للنشر والترجمات وتحقيق المخطوطات، كما أن الصحافة الخليجية تطورت كثيراً، وقد شهدت طفرة قوية في الإمارات وفي السعودية والكويت على وجه الخصوص، وترافق ذلك مع قفزات متلاحقة في النشر وصناعة الكتاب .