رغم أن الهدف الأساسي من برامج اكتشاف المواهب هو البحث عن هذه المواهب المغمورة والأخد بيدها ومساعدتها على تنمية قدراتها ووضعها على بداية سلم الشهرة والنجومية، فإن هذه البرامج لاقت هجوماً شديداً في الفترة الأخيرة، وخاصة برنامج أراب أيدول الذي يعرض على قناة إم بي سي، وتتكون لجنة التحكيم فيه من راغب علامة والمطربة أحلام والملحن حسن الشافعي، ما عرضهم للعديد من حملات الهجوم والنقد، خصوصاً أن القناة عرضت حلقات اختيار المتسابقين، وردود أفعال لجنة التحكيم التي بدت ساخرة من البعض بشكل لافت .

أبرز هذه الحملات كانت على مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر التي قام خلالها شباب بإنشاء مجموعة الشعب يريد خروج أحلام من برنامج أراب أيدول، ومجموعة أخرى تطالب بتعويضات للمشتركين في البرنامج نتيجة لما تعوضوا له من إهانة وكذب، وكذلك قام البعض بعرض جزء من كليب قديم لراغب علامة أطلقوا عليه رقصة الفراشة السعيدة، لأنه كان يؤدي فيه حركات راقصة أثناء الغناء .

فهل تحولت برامج اكتشاف المواهب إلى ساحة للسخرية والخلافات بين الجمهور والمشتركين من جهة، وبين لجنة التحكيم من جهة أخرى؟ وكنا قد شاهدنا بعضاَ من هذه السخرية في كواليس برنامج سوبر ستار أثناء اختيار المواهب على المستقبل قبل سنوات . هذا ما ناقشناه في التحقيق الآتي مع جهات مختلفة .

في البداية أكد مازن حايك المتحدث الرسمي باسم مجموعة إم بي سي، احترام آراء الجمهور، وقال: نحن نقدر جميع الآراء ونضعها في الاعتبار من جهة، ومن جهة أخرى لدينا ثقة شديدة بنجومية وقدرات أعضاء لجنة التحكيم، لكننا لا نصوب أخطاءنا من خلال طرف ثالث، هناك كثير من الأمور التي صوبت وفقاً للعمل المهني .

ورداً على الرأى الذي يؤكد أن البرنامج يتبع أسلوب السخرية من المتسابقين كنوع من الإثارة لزيادة نسبة المشاهدة، قال حايك: البرنامج لا يحتاج إلى اتباع أي خطوات قد تجعله مجالاً للنقد والهجوم، وخاصة أنه تتوافر فيه خلطة سحرية أضافتها القناة، بدءاً من لجنة التحكيم وأسلوب تقديم البرنامج وقيمته الإنتاجية، وصولاً إلى القدرة على التسويق وطريقة تعريبه، فهو، برنامج عالمي يقدم في أكثر من 44 دولة، وكل هذه الأشياء مجتمعة هي عوامل نجاح، حققت أعلى نسب مشاهدة، وأعلى إقبال، وجعلت من أراب أيدول أحد أكبر برامج اكتشاف المواهب الغنائية الشبابية في العالم العربي .

وتابع حايك: لأن لجنة التحكيم والمشاهد عنصرا نجاح البرنامج، فنحن نقدر آراءهم دائماً ونضعها في الاعتبار، لكن من الصعب أن نرضي جميع الأطراف .

المذيع سعيد المعمري الذي قدم سابقاً برنامج المسابقات ستار صغار قال: أولاً لابد أن نشير إلى نقطة مهمة تتعلق بهذا المشارك غير المؤهل الذي لا يملك أي موهبة، هل من المعقول أن يكون حضر للاشتراك في مسابقة مواهب وهو لا يعلم أنه لا يمكلها؟ فالشخص الذي يتمتع بصوت جيد أو أي موهبة منحها الله له، يكون على علم بها، ومن لا يملكها يعرف أيضاً، فكيف أكون غير مؤهل للاشتراك وأذهب لأحرج نفسي أمام ملايين المشاهدين؟ النقطة الثانية هي أن فكرة البرنامج قائمة على استخدام هذا الأسلوب، لأننا وصلنا إعلامياً إلى مرحلة الجمهور عايز كده، وهذا الأسلوب يستحوذ على انتباه معظم المشاهدين، لذلك فإن إدارة البرنامج توصي لجنة التحكيم بافتعاله، ولأن اللجنة ليست متخصصة في مجال التقديم التلفزيوني، كثيراً ما يخرج أسلوبهم عن حدود اللياقة، وهنا يظهر الفرق بين المحكّم المذيع والفنان الذي لا يستطيع الفصل بين النقد والسخرية .

وفي ما يخص رد فعل الجمهور على هذا الأسلوب، أكد المعمري أن الجمهور ينقسم إلى قسمين، الأول يتعاطف مع المتسابق ويظهر رد فعل عدائي تجاه لجنة التحكيم، لدرجة أنه إذا صادف هذا الفنان في مكان عام فلن يسلم عليه لأنه يخاف من رد فعله؟ والثاني تستهويه هذه الطرق ويتابع البرنامج بسببها، علماً أن مدى نجاح البرنامج يقاس بنسب المشاهدة . لكن لابد لإدارة القناة من أن توجه الفنان الذي يمتلك كاريزما في الغناء قد لا يمتلكها في تقديم البرامج، باتباع أسلوب آخر يدخل البهجة إلى البرنامج من دون جرح مشاعر إنسان لديه أهل وأصدقاء يشاهدونه .

وأضاف المعمري: راغب علامة أكثر من سوبر ستار، وأحلام ملكة متوجة في الغناء لها جمهور عريض، لكن من الممكن أن يخطئ الفنان خطأ يضيع كل ما بناه، ولأن معظم مشاهدي هذه النوعية هم من المراهقين المهتمين بالدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لذا جاء رد فعلهم عنيفاً تجاه أحلام وراغب، أما الملحن المصري حسن الشافعي فهو أكثر رزانة وهدوءاً، وحاز إعجاب الجميع، وما دعم هذا أنه شخصية جديدة إعلامياً .

الدكتور محمد الأمين أستاذ الإعلام بجامعة الشارقة قال: هذا البرنامج نسخة لبرنامج بريطاني، فأول من قدمته كانت بريطانيا تلتها أمريكا، وبعدها انتشر في عدد من الدول، ولابد أن نشير إلى مجموعة من النقاط المهمة لتقييم هذه البرامج وتلك التصرفات الخاطئة التي تؤثر سلباً في الرسالة الإنسانية والإعلامية المستهدفة، فاتباع أسلوب السخرية والاستهزاء من أي مشترك، مهما كان حجم موهبته، أسلوب ظالم ومجحف، بينما من المفترض أننا نسعى لاكتشاف المواهب المغمورة التي تحتاج إلى من يمد لها يد المساعدة، كما يفترض بالقائمين على هذه البرامج أن يتحلوا بجوانب تربوية وإنسانية لدعم المتقدمين وتقييمهم، والسخرية هنا ليست وسيلة للتقييم فهي مبدأ مرفوض .

وأضاف الدكتور الأمين: صعب جداً أن تواجه إنساناً يعتقد أنه موهوب أو لديه قدر من الموهبة، بأسلوب الصدمة والنقد صوتك قبيح، وهذه ليست طريقة أخلاقية، وهي غير عادلة ولا تتسم بالموضوعية التي يجب أن تكون سمة هذه البرامج، كما أنها قد تترك وصمة عار لدى الشخص الذي يشاهده الملايين من الجماهير في كل الدول العربية، هذا الأسلوب يحبط أي مشارك، وإذا كانت لديه فرصة لتحسين مستواه وأدائه مستقبلاً فلن يفعل، وهذا رد فعل طبيعي، كما أنه يترك ذكرى سيئة لديه عن لجنة التحكيم .

وعن أسس اختيار لجنة التحكيم قال محمد الأمين: اختيار لجنة تحكيم برنامج أراب أيدول لم يكن موفقاً إطلاقاً، فالفنان لا يمكن أن يحكم أو يقيم أي موهية، لأنه سينحاز لأدائه الشخصي وأسلوبه، وهنا سينقص البرنامج مبدأ العدالة مرة أخرى، فالموهوب ليس الأقدر على الحكم على موهوب آخر، لكن هذه مهمة النقاد، فالناقد شخص ينظر إلى المواهب من الخارج، ويستطيع أن يحكم بعدالة، ويقيّم شتى أنواع الإبداع .

وتابع: لجنة التحكيم لابد أن تجلس في هدوء، لا تظهر إعجاباً أو استياء، حتى يؤدي المشارك فقرته دون التأثر بأي مؤثرات خارجية، وتراعي هذه اللجنة مدى تأثير تحكيمها في المشترك وفي الجمهور أيضاً، وهناك نقطة مهمة يجب ألا نغفلها وهي أن المتسابق يتنافس باسم دولته، وبذلك فهناك استقطاب للرأي العام القطري أو الإقليمي للدولة التي يمثلها، وعند السخرية منه فكأنما يعدها البعض سخرية من البلد الذي يمثله المشترك، أضف إلى ذلك أن الموهبة عبارة عن مجموعة إمكانات مرتبطة ببعضها، فهي ليست شكلاً فقط لأننا لسنا في مسابقات جمال، فمثلاً شعبان عبدالرحيم إذا انضم لهذه البرامج لن ينجح، لكنه استطاع أن يفرض نفسه على الساحة، كذلك الحال بالنسبة لأوبرا وينفري أهم مذيعة في العالم، فهي ليست جميلة لكنها ناجحة ومميزة .

معد برنامج المسابقات منشد الشارقة نجم الدين هاشم قال: شاهدت عدداً من هذه البرامج ورأيت أنهم يضعون شخصاً معيناً مهمته الاستهزاء والسخرية من المتقدمين، ولأن بعض المحطات العربية للأسف اعتادت تقليد البرامج العالمية، فإنهم يأخذون البرامج كما هي، وكأنهم يقسمون الأدوار بين أعضاء لجنة التحكيم، فيضعون محكماً دوره الإرشاد، وآخر ناقد لاذع، وثالث مشجع، وهذا الأمر غير جيد لأن المطلوب من هذه البرامج هو تحفيز المواهب وتشجيعها لا تحطيمها . وأضاف هاشم أن رأي اللجنة عندما يكون جارحاً للمشاعر فإنه يقدم رسالة إعلامية سلبية للمشاهد والمتسابق في الوقت نفسه، ولأن لجنة التحكيم ليست مكونة من الإعلاميين المختصين فإنهم لا ينتبهون إلى هذه النقطة، وحري بالقنوات التي تقدم هذه البرامج أن تنتبه وتنبه الفنان عضو لجنة التحكيم إلى هذه المسألة وإلى أن رسالتهم اكتشاف المواهب وتشجيعها .

وتابع: في منشد الشارقة لدينا رسالة إعلامية نؤمن بها، وهدف نسعى إلى تحقيقه، لأن لجنة التحكيم تم اختيارها بعناية ودقة ومن حق أعضائها النقد الإيجابي، دون استخدام ألفاظ أو عبارات تؤذي المشاعر، أو تعبر عن عدم رضاهم عن هذا المنشد أو ذاك، فنحن في البرنامج لدينا قناعة بأن هذا المتسابق يمثل قدوة لغيره من المشاهدين .

وعن سمات أعضاء لجنة التحكيم قال هاشم: لابد أن تتسم أخلاقهم بالتواضع، لا الكبرياء والتعالي على الناس، فالفنان المشارك في لجنة التحكيم لابد أن يحافظ على علاقته بجمهوره، ويحاول أن يعزز صورته أمام الجميع لأنه قدوة، وأنا أعلم أن هناك بعض الفضائيات دون ذكر أسماء، تحفز لجان التحكيم على اتباع أسلوب السخرية كنوع من الإثارة ولزيادة الإقبال على المشاهدة ومتابعة البرنامج، وهذا أسلوب خاطئ ونتائجه عكسية .

الملحن إبراهيم جمعة، اتفق مع هذه الآراء مؤكداً: إذا كنت أريد أن أقيم الأصوات فلابد أن أكون صاحب اختصاص في هذا المجال، كما لابد أن يكون صوتي ممتازاً، لكن معظم الأصوات الآن ليست جيدة وليست على مستوى عالٍ .

وفيما يخص السخرية التي اتسمت بها هذه النوعية من البرامج ومنها أراب أيدول قال: المطربة أحلام لا يمكن أن يختلف عليها أحد، كذلك الحال بالنسبة إلى راغب علامة، لكنهم في لجنة التحكيم خرجوا عن اللياقة، فما يحدث في البرنامج تهريج ويتبعون أسلوباً غير لائق وينسون أن هذا المتقدم إنسان لديه مشاعر وكرامة، ويجرحونه من دون مراعاة لأي اعتبارات إنسانية، ما يحدث رد فعل عدائي لدى المتسابق، حتى الجمهور قد يتعاطف معه، وهذا طبعاً يؤثر في صورة الفنان في أعين محبيه . لذلك فإن أسلوب الرفض لابد أن يكون حضارياً وإنسانياً، فبدلاً من أن أصرخ في وجهه لا يصلح أو اسمعه كلمات جارحة من الممكن أن أرد بكلمة بسيطة فرصة أخرى أو حظاً أوفر في المرة المقبلة، ولا أنسى أن هذا الإنسان يشاهده الملايين بينهم أهله وأسرته، فلماذا أجعله محل سخرية للجميع؟

وأضاف جمعة: عندما كنت عضو تحكيم في لجنة ليالي دبي، كان معي أساتذة كبار قادرون على اكتشاف الأصوات الجيدة ودعمها، مثل الدكتورة رتيبة الحفني، والموسيقار حلمي بكر من مصر، وإحسان المنذر من لبنان وصالح المهدي من تونس، ومن العراق طالب ارغولي، وما أقصده هنا أن لجان التحكيم لابد أن تتكون من أكاديميين حتى لو كانوا شباباً، لكن لديهم القدرة على معرفة قيمة الصوت وكيفية تطويره واستثماره، وأنا أتقدم برجاء من كل الدوائر الثقافية في أرجاء الوطن العربي، أن تتدخل لدفع الأغنية العربية عن طريق تأسيس لجان مختصة في الغناء، أو الموسيقا والألحان، وهذه أمور ضرورية حتى نتيح للأصوات والمواهب المميزة فرصة الظهور على الساحل، والتي أصبحت الآن ملكاً لمن يملك ويستطيع الإنتاج لنفسه .

عضو لجنة التحكيم في برنامج منشد الشارقة أسامة الصافي قال: من وجهة نظري بعيداً عن كل المعايير الفنية، وكل الاعتبارات الإعلامية، لابد أن يكون هناك ضابط أدبي وأخلاقي يُلتزم به، وعليه فمن حق هذا المحكم أن ينتقد كل جزء فني تعرض له المشارك، لكن لا يحق له الاستخفاف به لأن دوره تقييم الأداء لا أكثر .

وأضاف الصافي: هناك الكثير من الآثار السلبية تنجم عن أسلوب السخرية والاستهزاء من المشارك، حتى لو كانت ملاحظات عضو اللجنة صحيحة، أهمها أن هذا الأسلوب يحبط المشارك، ويحرمه حتى من تنمية موهبته وتطويرها، كما أنه يبث الخوف في قلب كل من يريد أن يشترك في هذه البرامج مستقبلاً . في المقابل فإن اتباع الأسلوب اللبق لإعطاء الملاحظات والتوجيهات، وخاصة بعد إبراز نقاط القوة والإيجابيات، سيخرج الثمرة الحقيقية من هذه البرامج، وهي اكتشاف المواهب الجيدة .

واستكمل الصافي: أعتقد أن الأسباب وراء استخدام لجان التحكيم هذا الأسلوب هو توهمهم بأنهم يخلقون نوعاً من المرح في البرنامج وإضفاء جو إثارة أثناء الحلقات، لكنني أرى أن هناك أشياء أخرى من الممكن أن تخلق هذه الروح وأهمها حث المشتركين على التحدي والمنافسة، من دون أي جرح لمشاعرهم .

أما الشاعر الإماراتي علي الخوار فقد علق على هذه الظاهرة قائلاً: إن القنوات التي تقدم هذه البرامج لا تبحث عن أساتذة في الموسيقا أو متخصصين في اكتشاف الأصوات للتحكيم، وإنما يبحثون عن نجوم وأسماء لامعة من الممكن أن تكون ثقافتهم الموسيقية أقل من ثقافة المشتركين، لذلك لابد أن نراعي قبل البحث عن المواهب أن نبدأ رحلة أهم وهي البحث عن مكتشف هذه المواهب الذي يجب أن يتمتع بحس فني وإنساني، يستطيع من خلاله تقييم أي مشترك وتوجيهه، ولا يكون التقييم بالرفض بأسلوب جارح أو خارج عن حدود اللياقة، لكن ما يحدث هو مجرد شو إعلامي، ويحزنني أن أقول إن معظم الفنانين المشاركين في لجان التحكيم لا يعرفون المقام الذي يغنون عليه، وعذراً أنني قلت هذا، لكنه من باب الغيرة على الفن بشكل عام .

وأضاف الخوار: أتساءل لماذا يسخر الفنان من المتسابق؟ ولماذا يضعه في موقف يهين فيه كرامته؟ فأنت كلجنة عندما تسخر من مشترك في برنامجك فإنما تسخر من نفسك كمحكم، المطلوب منك أن تقيم وتساعد إنساناً لجأ إليك للمساعدة في اكتشاف أو تنمية موهبته .