كثر الحديث في موضوع الحب في الشعر العربي الحديث والمعاصر، غير أن أكثره كان حديثاً عنه وليس فيه.. أي أن الحب - كموضوع شعري - لم يكن أكثر من كلام مرسل، والأمر ذاته ينطبق بالضرورة على الشعر اليمني، قديمه وحديثه على السواء. غير أن العديد من النقاد ودارسي الشعر اليمني الحديث والمعاصر ربما أجمعوا على فرادة النص الشعري - الفصيح والمحلي - لواحد من أبرز شعراء اليمن والعرب، كان الحب هو العنوان الأبرز أو القضية الأهم في أعماله الشعرية جميعها، بصورة لم تهبط بالحب إلى درك الإسفاف الحسي أو التحليق به في فضاءات الوصف الهُلامي.
فإذا وردَ الحديث عن الحب في الشعر اليمني، حضر اسم الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان.
وقد اقترن اسم أمان بالمدرسة الرومانسية في الشعر اليمني باعتباره أبرز ممثليها بل روادها في العصر الحديث، وهو ما جسَّده بجدارة معترَف بها من جميع النقاد والدارسين، من خلال قصائده الغزيرة التي ضمَّتها خمس مجموعات شعرية ( جمعتْها المجموعة الشعرية الكاملة التي صدرت عام 2004 ) منذ باكورتها «بقايا نغم» في 1948 وحتى آخر قصيدة في المجموعة الأخيرة «إليكم يا أخوتي» في 1969.
ولد لطفي جعفر أمان في عدن منتصف 1928 وتوفيَ عن 43 عاماً إثر مرض عضال في أحد مستشفيات القاهرة أواخر 1971، وخلال هذا العمر القصير أنتج رصيداً ضخماً من القصائد المكتوبة بالفصحى والعامية ومن الأغاني التي ترنَّم بها أشهر مطربي عدن واليمن والخليج، بل إن أغانيه غدت ولزمن طويل أيقونات عشق لدى جمهور عريض من العشاق ومحبّي أغاني الهوى، شبابهم وشيبتهم، نسائهم ورجالهم، على السواء.
وأمان - كما وصفه الشاعر الكبير د. محمد عبده غانم في تقديمه لديوانه الأول - شاعر ذو وفرة من الشعر الجميل ما كانت تتأتَّى له إلاَّ إذا أوتيَ حظاً كبيراً من الشاعرية الخصبة.. واصفاً شعره بأنه يكتظ بالغناء الروحي، ومعتبراً الحب هو موضوعه الأول والأخير «فلو أنك جرَّدت الديوان من الألفاظ والمعاني التي تتصل بهذا الموضوع من قريب أو بعيد لما بقيَ لك إلاَّ النزر اليسير. والعجيب في أمر هذا الحب أن يكون عند الشاعر معنى وجوده المادي والروحي في آنٍ واحد، وأن يراه السبيل الأوحد إلى الوجود والخلود».
وعلى منوال ديوانه الأول في اتخاذ الحب موضوعه الأول والأخير، نهجَ لطفي أمان المنزع ذاته في دواوينه الأخرى ( الدرب الأخضر - 1962، كانت لنا أيام - 1962، ليل إلى متى ؟ - 1964، إليكم يا أخوتي - 1969 ) حتى وإنْ احتشدت بقصائد شتى تتغنى بالأحاسيس الوطنية والقومية أو تتماهى مع رؤى فلسفية وصوفية أو تناقش أوضاعاً اجتماعية وسياسية.
ولعلَّ مما أسهم في صُنع شاعرية لطفي ونَسْج رهافتها وشفافيتها وصياغة قدرته المتميزة على ابتكار العديد من الصور الجمالية المُتَّصِفة بالدفق الموسيقي الخلاَّب، هو تمتُّعه بموهبتين فنيتين أخريين غير الشعر هما: الرسم والموسيقى.
منذ بواكير شعره، تقدَّم لطفي أمان بأوراق اعتماده عاشقاً استثنائياً في بلاط الشعر، أو عاشقاً متعبِّداً في محراب الحب:
أنا قيثارةٌ يُحرِّكها الحبُّ
فتُمْلي على الوجود الشجونا
وأنا الشاعرُ الذي عبدَ الحُسْنَ
وصاغَ القصيدَ فيه فنونا
وأنا العابدُ الذي في صلاة الحبِّ
أفنى شبابهُ المفتونا
فاسمعيني إذا شدوتُ بحبي
فلكَم صغتُ في هواكِ اللحونا
(من ديوان بقايا نغم)
ومن وصفه لذاته العاشقة التي تهيم بالحب، أو كقيثارة يعزف الحب على أوتارها فيصوغ ألحان العشق.. إلى وصفه الحب بذاته في صور يمتزج فيها الرقيق الشفيف كالندى والعطر بالجامح الهائج كالعباب والنار والمتقد المشتعل كالجمر:
إنهُ الحبُّ يا مليحةُ يسَّاقطُ
كالطلِّ حين ينفح عطرا
هو ينساب في عيونك رقراقاً
وفي ثغرك النديِّ أغرَّا
وهو في قلبي الولوع وفي
الأنفاس نارٌ يزيدها الوجدُ جمرا
زاخرٌ كالعباب.. كالأبد
الخالد يحيا مع الزمان ويترى
(من ديوان بقايا نغم)
ويتجلّى مشهد الوَلَه لدى الشاعر في أقصى حالاته، حتى يكاد يتوحد في مقام صوفي تتأتَّى حالته الخاصة من اللذة الروحية التي لا تخلو من ألم أو ندم:
«يا حبيباً في فؤادي سكنا
وفؤادي في الهوى ما سكنا
من جنى في الحب ؟ أنتَ أمْ أنا ؟
أم كلانا ؟ ليت شعري من جنى ؟
كانت الدنيا وما فيها لنا
حلماً يندى على الروح مُنى
كلُّ شيءٍ كان فيها حَسَنا
فمضى.. والبَيْنُ عاد بيننا»
(من ديوان بقايا نغم)
لقد بلغ الشاعر ذروة التوحد مع الحب في غير صورة من الصور التي ازدحمت بها قصائده. وهو يفاجئ القارئ حيناً بعبارة يفتتح بها إحدى قصائده شكَّل مفرداتها ومعناها من عصارة معاناته ورحيق تجربته، مثال: «كل نار مصيرها إلى رماد، إلاَّ قلب كالشمس، يحترق ولا يفنى».. أو: «أطفئوا الشمس، يخمد حبي».. وكأنّه بها يُعلن مانفيستو العاشق الشاعر الذي انغمس في الحب حتى بات قلباً كالشمس مما بلغ من حرارة العشق في ذروة احتراقها الذي لا يؤول إلى فناء بل إلى حياة متأججة يستحيل إطفاؤها.
ويتفانى أمان في إبداء الفخر بحبه والوَلَه بمحبوبه في مواضع كثيرة من قصائده، كقوله:
«إنْ لم تكوني أول الحبِّ
فلأنتِ وحدكِ.. أنتِ في قلبي
أما اللواتي قد سبقنكِ في
سُبُل الهوى.. سقطنَ في دربي»
(من ديوان كانت لنا أيام)
إلاَّ أنه يبلغ ذروة هذا الشعور المتعالي في فخره وولهه في قوله من القصيدة ذاتها:
«جئني بقيسٍ كي أعلِّمهُ
معنى جنون العشق والحبّ»
للشاعر لطفي أمان حزمة شعرية غنائية جميلة دندن بها نغم الوتر ورددها المطربون وطرب لها العامة في لحظات صافية صفاء النفس المتيمة بهوى الحبيب:
«أنت ولا أحد سواك/ أنت الذي قلبي هواك/ وبكل آمالي حواك/ أنت الذي من قبل عيني أن تراك/ ما كنت أدري الحب غير/ حكاية حسناء تُروى/ أو قصةٍ مرئيةٍ/ في شاشةٍ تهتزُّ نجوى/ أو خلجةٍ مجهولةٍ/ في عمق أسراري تُلوى/ حتى هويتك أنت وحدك/ ولقيت كل الحب عندك/ ووجدت نفسي هكذا../ أهوى... وأهوى»
(من ديوان كانت لنا أيام)
أو تلك التي يقول في بعض مقاطعها:
«سيظل حبي خالداً../ مهما افترقنا../ من بعد ما عاهدْتني/ ووعدتني../ أن الرسائل بيننا/ ستظل تحفظ حبنا»
(من ديوان كانت لنا أيام)