السرد لغةً هو: تقدمة شيء إلى شيء تأتي بهِ متسقاً بعضُهُ في أثر بعض متتابعاً (1)، واستعير هذا التناسق والتتابع لنظم الحديد كما في قوله تعالى: وَقَدرْ فِي السرْدِ (سورة سبأ: 11)، أي: اجعله على القصد وقدر الحاجة (2)، وورد في اللسان: سَرَدَ الحديثَ يسرده سرداً إذا تابعه، وفلان يسرد الحديث سرداً إذا كان جيّد السياق له (3) .

بالمرور السريع على التعريف اللغوي لالسرد نستطيع استخلاص فكرةٍ أساسية هي أنه رواية حديث متتابع الأجزاء، يشد كل منها الآخر شداً مترابطاً متناسقاً، يؤمنُ فهمَ السامع له وإدراكه لمضامينه، وبهذا لا يشد الحديث أجزاءه ببعض فقط، وإنما يشد انتباه السامع المتلقي أيضاً .

وهنا لا بدّ من التأكيد على أن التعريف اللغوي يركز ضمناً على كيفية بناء المسرود أكثر مما يركز على مادته، أي أن الفهم هنا هو المبنى السردي، بشروطه وأدواته، أكثر مما هو المادة التي يتناولها (4) .

أما اصطلاحاً، فالسرد Narrative هو فعل نقل الحكاية إلى المتلقي، فالمحكي خطابٌ شفوي أو مكتوب يعرض حكاية، والسرد هو الفعل الذي يُنتج هذا المحكي (5)، ذلك أن الحكي يقوم على دعامتين، أولاهمها: أن يحتوي على قصة تضم أحداثاً، وثانيتهما: أن يعين الطريقة التي تحكى بها تلك القصة، وهذه الطريقة هي السرد . فالحكاية القصة/المحكي لا تتحدد بمضمونها وحده، ولكن بمضمونها وبالطريقة التي يُقدم بها ذلك المضمون معاً (6) .

فالسرد وفق هذا المنظور هو الكيفية التي تُروى بها القصة عن طريق قناة مكونة من التقاء ثلاثة روافد هي: السارد والقصة والمسرود له، وتتأثر هذه القناة بمؤثرات تتعلق بالسارد والمسرود له والقصة ذاتها، وهناك مثال شهير كثير التداول في الكتب التي تتناول موضوعة السرد، ويسمى: مثال فوستر، فقولنا: مات الملك ثم ماتت الملكة قصة، ولكنها ستتحول إلى شيء آخر حين نضيف إليها إضافة بسيطة كمات الملك ثم ماتت الملكة حزناً عليه، فالتسلسل الزمني باقٍ كما هو في هذه الحالة لكنه محاط بحس السببية . أما إذا قلنا: ماتت الملكة ولم يعرف أحدٌ السببَ حتى تبين أن موتها جاء نتيجة حزنها على موت الملك فسنلحظ أن القصة الأساسية بقيت نفسها في أذهاننا كمتلقين لكن انزياح الزمن هذه المرة أخرج القصة من شكلها الأولي البسيط إلى شكل أكثر تعقيداً مع الحفاظ على حس السببية الذي وجدناه في الحالة الثاني (7)، مع ملاحظة أمرين في غاية الأهمية:

الأول: أن التقديم والتأخير الزماني لم يكن ليتأتى لولا القابلية التي تتيحها اللغة في نظامها الأساس .

الثاني: أن اللغة ضمنت للراوي والمتلقي استيعاب الحيز المكاني الذي حدث الموت فيه، فكلمتا الملك والملكة توحيانِ تلقائياً بالقصر الملكي .

اتضح - بعد هذه المقدمة التعريفية - أن فعل الحكي السرد لا يتم إلا من خلال اللغة، التي لا تعطي للفعل السردي شكله أو جنسه الأدبي فحسب، بل تنفخ فيه روحه التي يعيش ويخلد بها وإن فَنيَ الجسد أو تغير من حالٍ إلى حال .

تعتمدُ السرد أربعة أجناس أدبية مختلفة في جوانب، مؤتلفة في جوانب أخرى، هي: الملحمة، والمسرحية، والقصة القصيرة، والرواية، ولستُ بصدد البحث في جوانب الاختلاف أو الائتلاف بين هذه الأجناس، ولكنني رأيتُ أن من الواجب الاقتراب من هذا الموضوع من أجل الوصول إلى مفاهيم محددة قبل الولوج في موضوعة أساليب السرد في الرواية الجديدة .

يقول د . عبدالملك مرتاض: إن الرواية تشترك مع الملحمة في طائفة من الخصائص، وذلك من حيث إنها تسرد أحداثاً تسعى لأن تمثل الحقيقة، وتعكس مواقف الإنسان، وتجسّد ما في العالم، أو تجسّد من شيء مما فيه على الأقل (8) .

لكن الرواية تختلف أيضاً عن الملحمة مثلاً في أمور أخرى عدة، فالملحمة مكتوبة بالشعر بينما الرواية بالنثر، وإن كان النثر الروائي يحاول أحياناً أن يتخلص من اللغة اليومية الرتيبة ليحلق في سماء لغة الشعر، وتختلف الملحمة أيضاً في أنها تحاول أن تسرد الأحداث الكبرى التي تمس الأبطال وما قاموا به من أساطير، بينما تلح الرواية على ملامسة حيوات الناس العاديين لتسرد لقطات - طويلة أو قصيرة - من الحياة العادية التي يعيشونها كل يوم .

وقبل أن أخوض في تفاصيل لغة السرد الروائي، أو (اللغة الروائية)، علي أولاً أن أضع حداً فاصلاً بين مفهومين قد يتداخلان أحياناً في أذهان الدارسين، وهما (اللسان واللغة)، فاللسان هو مجموعة من الإشارات الصوتية التي يتداولها قوم من الناس بعينهم من دون غيرهم لكي ينقلوا أفكارهم ويتفاهموا حول أمورهم اليومية، وله اللسان علم خاص به هو اللسانيات، علم اللسان، الألسنية الذي يدرس القواعد الأساسية التي تتمحور حولها تلك الإشارات الصوتية لهؤلاء القوم أو أولئك، وبناء على هذا نستطيع أن نقول إن هناك لساناً عربياً، وآخر فرنسياً، وآخر هنديّاً . . إلخ .

أما اللغة فهي مستوى انزياح تلك الإشارات اللسان إلى معانٍ لا توردها المعاجم اللسانية، ولا بد من الاستعانة بمثالٍ يوضح الفكرة التي أنا بصددها، فلتكن النار مثالي، أستطيع أن أستعمل النار للتدفئة، بينما يستعملها آخر للطهي، وآخر للإنارة، وآخر لطقوس العبادة، وآخر لإحراق مدينة، وآخر، وآخر، كل حسب المستوى الحياتي الذي هو فيه . فإن كانت النار هي اللسان، فإن انزياحاتها في الاستعمال الحياتي أو الوظيفي أو التعبيري هي اللغة .

والآن، بعد التفريق بين المفهومين، يمكنني أن أعود إلى ما اصطُلح عليه باللغة الروائية التي تميز الرواية عن غيرها من الأجناس السردية، بغض النظر عن اللسان الذي تنطق به .

إن اللغة في الرواية هي الركيزة الأولى والأهم لبنائها الفني، فاللغة تصف الشخصية أو تمكن الشخصية من وصف شيء ما، واللغة هي التي تحدد وتبني غيرها من عناصر الرواية كحيزي الزمان والمكان، واللغة هي أيضاً التي تحدد وتبني الحدث الذي يجري في هذين الحيّزين .

وكما يؤكد د . عبدالملك مرتاض، فإن الباحثين والنقاد لم يُعطوا اللغةَ الروائية حقها من البحث والدرس، فإنهم - تقليديّاً - كانوا يقسمون اللغة الروائية إلى شكلين اثنين هما: لغة السرد ولغة الحوار، فيبسطون الفكرة ويُسطحونها بالقول إن لغة السرد يجب أن تكون فصيحة بينما يجب أن تكون لغة الحوار باللهجة العامية، بل إنهم ذهبوا أبعد من ذلك، فكما أنه لا يجوز كتابة السرد بالعامية، فإنه لا يجوز كتابة الحوار بالفصحى على حد ما نقله عنهم د . مرتاض (9)، هازئاً بالفكرة من الأساس، فإن هؤلاء النقاد استسهلوها بدعوى أن مستوى الحوار يجب أن يتلاءم مع مستوى المتكلم، وعلى الروائي - حسب قولهم - أن يستعمل العامية المحلية في كتابة حوارات الشخوص التي يسرد حكايتها لكي يحقق الواقعية! ويكفينا لدحض هذه المقولات أن نتخيل روائيّاً عربيّاً يريد كتابة حوار في روايةٍ تجري أحداثها في الصين، فأية لهجة عليه أن يستخدم يا تُرى؟ ومن هنا وَجَب النظر إلى اللغة الروائية وفيها، ووجب توجيه الباحثين والنقاد إلى الدخول عمودياً في اللغة الروائية، وعدم الاكتفاء بالمرور الأفقي وحده .

واللغة الروائية تتشكل بمستوياتٍ متعددة، متغيرة، ذات أبعاد تخييلية، تتصاعد بحركةٍ واعية أو غير واعية في ذهن الكاتب والمتلقي معاً .

ولأن المجال لا يتسع هنا للتطويل والغوص عميقاً في اللغة الروائية فإنني سأكتفي بإضاءات سريعة، من خلال استقراء رواياتٍ متعددة وإيجاد المحكم والمتشابه فيها .

يمكننا تقسيم أشكال اللغة الروائية إلى:

1- لغة النسج السردي .

2- اللغة الحوارية .

وقد تُنوول هذان الشكلان كثيراً في الدراسات النقدية التقليدية، وإن كان التناول ينصب في أغلب تلك الدراسات على أمور شكلية كقضية الفصحى والعامية التي ذكرناها آنفاً، أو مستويات اللغة من حيث مدى اقترابها من الواقعية أو من الفن، وكأن هناك عصاً، الواقعية طرفها الأول، والفن طرفها الآخر، مما يجعل الباحث مضطرّاً للإمساك بالعصا من الوسط، فينسى قضيته الرئيسة التي ابتدأ بها بحثه .

3- اللغة الغنائية: حيث تكون الغلبة للمادة الخيالية من توتّر الصراع، ويعقبها المنظور، فالإيقاع . ومثالها رواية الآن . . . هنا لعبدالرحمن منيف، التي تقتطع شريحة خاصة من حياة شعوب الشرق الأوسط وتستصفي مكوناتها الثقافية والاجتماعية، لتبقي على خيط وحيد هو السياسي المباشر، بغية تأسيس وعي حاد وعميق . وهذه الرواية لا تترك هامشاً لخطأ القراءة ولا تدع القارئ يستخلص الدلالة الإنسانية والتاريخية بنفسه (10) .

4- لغة المناجاة: وهي خطابٌ متضمنٌ داخل خطاب آخر يتسم بالسردية، الأول جواني، والآخر براني، ولكنهما يندمجان معاً اندماجاً تامّاً، لإضافة بُعدٍ نفسي إلى السرد (11) .

5- اللغة الدرامية: حيث يسيطر الإيقاع بمستوياته المتعددة، ويعقبه المنظور في الأهمية، ومثاله رواية يوم قتل الزعيم لنجيب محفوظ، وهي رواية سياسية، والقراءة السردية بطبيعتها جمالية، ويبدو أن العلاقة بين الجمالي والسياسي معقدة إلى درجة كبيرة، فلا يكفي أن نقول: إن الخطاب الروائي السياسي يثير في العادة اهتماماً غير جمالي في جوهره، أو إن السياسة تعتمد على المتغيرات التي سرعان ما تنطفئ جذوتها، إذ إن العمل عندما يكون مستوفياً للشروط الفنية فلا بد أن يستثير عند تلقيه اهتماماً غير نفعي ولا موقوت بما يكمن فيه من عناصر شعرية، وعندئذٍ تتصل به دائرة الوعي الجمالي بشكل يتجاوز معطياته الجمالية، وهذا الأسلوب الروائي منوط بأمرين هما الإيقاع والمفارقة (12) .

6- اللغة السينمائية: هنا يفرض المنظور سيادته على ما سواه من ثنائيات، ويأتي بعده الإيقاع . ومثاله عند صلاح فضل رواية ذات، لصنع الله إبراهيم، وفيها ينجح الروائي نجاحاً كبيراً في كسر تراتب عالم الحكاية، حيث تتحرك الأشياء والأشخاص طبقاً لقوانين محددة، وعالم اللغة حيث تخضع الجمل لمجموعة من القواعد النحوية التي تفرض عليها نظاماً خاصّاً، وينجح صنع الله إبراهيم في كسر تراتبية هذين العالمين من خلال التقنية التوثيقية التي يوظفها، وتلصق إلى جوارهما عالماً ثالثاً يتم عرضه بالتناوب مع العالم الأول الحكائي، عبر لغة لا تنمي إلى الراوي ولا إلى الشخصيات، وإنما تمثل نصوصاً صغيرة يتم التصرف في تسلسلها الزمني والسببي كي تسفر عن دلالات مسبقة (13) .

7- لغة الرسائل وغرف الحوار الإلكترونية: كرواية بنات الرياض التي بُنِيت على مجموعة رسائل إلكترونية يتبادلها أصدقاء في ما بينهم، تسرد كل واحدةٍ منها حدثاً يبدو للوهلة الأولى منفصلاً عن غيره، حتى تتصاعد الأحداث وتلتقي لتوصل المتلقي إلى فهمٍ مغايرٍ صادم للعالم الذي يعيشه هؤلاء الشباب، وللعلاقات التي تربط بينهم .

8- اللغة الشعرية: وفيها يتم تحييد الحدث والشخصية والزمان والمكان، وتهميشها جميعاً لينفسح المجال واسعاً للشعرية وحدها، في نص نثري طويل مؤلف من جمل قصيرة مكثفة، توحي للوهلة الأولى بأنها لا تريد أن تقول شيئاً ولا أن تروي حكاية، بل إنها تسعى للعبث بمخيلة القارئ وبصبره، لكن هذا العبث هو نفسه ما يضمن استمرار القارئ حتى النهاية، ليكتشف أخيراً مجاهل لم يكن يعرفها، وليتذوق جماليات لم يكن يألفها، ومثال هذا الشكل رواية دابادا للعراقي حسن مطلق .

الهوامش

(1) لسان العرب: ابن منظور، مادة سَرَدَ

(2) المفردات في غريب القرآن: راغب الأصفهاني، 230 .

(3) لسان العرب، مادة سَرَدَ .

(4) السرد العربي القديم - الوظائف والبنيات، إبراهيم صحراوي، 32 .

(5) نظرية السرد: مجموعة مؤلفين، ص،97 كريستيان أنجليت وجان هيرمان، ترجمة: ناجي مصطفى، ط،1 منشورات الحوار، المغرب، 1989م .

(6) بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، د . حميد لحمداني، 54 .

(7) جماليات التلقي: د . يادكار لطيف الشهرزوري، ص،45 دار الزمان للطباعة والنشر، دمشق، 2010م .

(8) نظرية الرواية: د . عبدالملك مرتاض، ص،12 سلسلة عالم المعرفة، ،240 الكويت، ديسمبر 1998م .

(9) نظرية الرواية: د . عبدالملك مرتاض، ص110 .

(10) أساليب السرد في الرواية العربية: صلاح فضل، لم أحصل على نسخة من كتاب الدكتور صلاح فضل أساليب السرد في الرواية العربية فاضطررت لاعتماد قراءة صحفية للكاتب قام بها الأستاذ محمد الحوارني، وهي منشورة على عدد من المواقع الإلكترونية، ولهذا السبب لم أستطع الإشارة إلى أرقام الصفحات التي نقلتُ منها .

(11) تحليل الخطاب السردي: د . عبدالملك مرتاض، ص،211 ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995م .

(12) أساليب السرد في الرواية العربية: صلاح فضل .

(13) أساليب السرد في الرواية العربية: صلاح فضل .