جدة والدي أم ظافر عرابة العائلة، لا تزال على قيد الحياة بالرغم من تخطيها المائة بعدة سنوات يقولون إنها أكبر معمرة في العالم دون معرفة القائمين على كتاب جينيس لكن بالنسبة لها لا فرق، وتقول: تخطيت المائة.. وكل الذين كنت اعرفهم وأحببتهم ماتوا حتى أولادي، منهم من مات منذ عشرة أعوام، وأحفادي لا أعرف أسماءهم ما شاء الله كثر، لكن الذي كان يدفع بنا للذهاب إليها دائما عدا عن ظرفها، طيبتها وحبنا الكبير لها كانت تلك الذاكرة القوية التي لم تفقد شيئاً منها مع الأيام، كنا نضحك ونقول: سبحان الله فنحن الآن لا نذكر ماذا فعلنا منذ أشهر. كانت تخبرنا دائماً عن حياتها الأولية حيث كان الرجل رجلاً والمرأة مرأة لا تتأفف ولا تتعب تنجب تربي وتتعب تطبخ في قدر أسود من الخارج محروق كيديها، تحضر خبز الرقاق، تعتني بالهوش ترافق زوجها في رحلات الصيد ثم تصلح معه الشباك وتقطع السمك لتصنع المالح، وعندما كبر الأولاد، وبدأت الحضارة تصل إليهم كانت أصبحت تقريبا في الأربعينات حيث تزوج كل أولادها وبناتها، وشيدوا المنازل من جريد النخل والسعف والطين الذي كان بالنسبة لها تاج محل، كانت تجلس في الحوش تراقب أحفادها الصبية يلعبون حفاة قرب المسجد المطلي بالجص وجلودهم محروقة بلهيب الشمس لا يعرفون من الحلاوة سوى الخبزة المرشوشة بالسكر والسمن، لعبهم كان الحجارة المكدسة، صفائح العلب الفارغة وسباق الجري، حيث كانوا يمسكون بأسنانهم طرف كناديرهم المتسخة بعرقهم وتراب الأرض، شعرهم الأشعث وأنوفهم السائلة، لا يذهبون إلا عند المطوع لحفظ القرآن إلى أن افتتحت أول مدرسة عندهم، ففرحوا بها وجرّوا أولادهم كالشياه بالقوة حيث يوصون المدرس قائلين: لك الولد لا تسلم منه إلا العين. وبالحديث عن العيون كانت صورة جدي في الأبيض والأسود مضحكة ومن أوائل الصور كان مكتحل العينين ينظر بقسوة إلى المصور حتى لتخال أن بينهم ثأرا قديما يتمنطق بخنجر مذهب ومحزم عامر بالرصاص، العصا المحناة في يده والصقر واقف على يده الأخرى. كانت الجدة أم ظافر تضع صور ولدها قربها. كانت تقول: لقد كان وسيماً جداً وزوجته لم تصدق عندما رأته فأصيبت بإغمائة في حفل عرسها، أما عن ذهبتها فابتاعتها من البائع الذي كان يلف على المنازل ولديه كل شيء في بقجته الكبيرة التي يحملها على ظهره وينادي ليلام لتجري النساء خلفه، وكان عندهن وقتها أهم من فرساتشي، كانت تخبرنا بقهر عن أول دار للعرض في وسط العين وهي سينما الواحة المكشوفة التي بنيت في الستينات قبل الجيمي والنور، كانت مقاعدها عبارة عن مصطبات إسمنتية قبل أن تتطور وتصبح خشبية وحديدية، كانت تقول لنا بنوها بالقرب من المسجد الصغير قرب المدرسة النهيانية القديمة لا تعرفونها انتم، المهم انه خربت رؤوس الشباب من أولادها لجميع أولاد الفريج كانوا يجمعون المال روبية وراء روبية ليذهبوا ويشاهدوا الأفلام التي كانت تلهيهم عن الصلاة، كانوا يأخذون بطانياتهم وبرانيصهم معهم أيام الشتاء يحتملون البرد من أجل مشاهدة الافلام العربية، وكان جدكم أغرم بسعاد حسني، وقرر السفر إلى مصر ليتزوجها، كدت أموت من الخوف عليه، كيف سيذهب إلى هناك ويا ليتني رضيت بهذا البلد القريب والعربي، فقد بدل رأيه بعد فترة وقال لي سأسافر إلى بومباي لأتزوج الممثلة التي شاهدت فيلمها بالأمس كانت تطير في الهواء عندما ترقص وتتدحرج من الجبل إلى الوادي من دون أن يصيبها مكروه، سأتعلم اللغة الأوردية وأتقنها من أجلها، فصرخت وحلفت بأني سأغضب عليه لو فعلها، هذا ما فعله التطور بعقولهم. ثم لم تكن تكفينا زحمة الباعة الأغراب عنا بوزرة غير محتشمة وفانيلا كانت بيضاء وتحولت إلى لون التراب ورائحتهم تعبق في المكان، منهم من كانوا يأتون مع عرباتهم التي تضم الحلويات الهندية والزلابيا والباقون يتقوقعون في زوايا مختلفة يبيعون المكسرات والسجائر التي أدمنها شبابنا وأيضا لا أنسى عندما وصل التلفزيون إلى المنزل هذه سالفة بروحها.
كان زوجي يتركني ويقابله لينتظر مطربة اسمها سميرة توفيق التي كانت تغمز له بعينيها الساحرتين فتسحره ويبقى أياما لا يكلمني وهو يتمنى لو كنت هي، فقد كان ينظر إلي شزرا يكشر ويتمتم بكلام لا أفهمه، كنا نضحك ونقول لها هاتي أخبرينا يا جدتي كيف كنتم تقضون أوقاتكم في شهر رمضان المبارك دون أي شيء يلهيكم كالمسلسلات والفوازير؟ كانت تجيب بسرعة بالصلاة وحفظ القرآن الكريم، ففي زمننا كانت نكهته مختلفة عن الآن كنا ننتظره بشوق ولهفة فكان يطهرنا ويغسلنا وتعود السكينة إلى قلوبنا، يقولون إن شياطين الأنس والجن تكون مكبلة في الأغلال خلال الشهر الفضيل، كنا نشم من خلاله رائحة الجنة نجتمع على الإفطار بفرح مع انه لم يكن سوى عيش وسمك أو لحم خبز الرقاق الذي أحضره بيدي فلم يكن هناك من سيلانيات مثل الآن ثم نحتسي القهوة مع الهيل والزعفران، روائح الطيب والبخور كانت تشق القلب أما الصغار فكانوا ينتظرون المسحر ليسيروا خلفه وهو يضرب على طبلته ليوقظ النائم، ليتكم عرفتموه يا صغاري فعلاً غير.
الله على قصصها الرائعة عن أجدادنا وبلدنا طعامنا وعاداتنا القديمة أين هي الآن؟ انقرضت بالطبع، كنا نجتمع من أولادها الشواب إلى أحفادها وأولادهم كل أسبوع يوم الخميس، كان هذا اليوم يجمعنا كنا نحبه ولا أحد منا يتخلف عن الحضور، كنا نجلس من كبيرنا إلى صغيرنا حول سريرها نسمع قصصها نشعر بأننا انتقلنا إلى الوراء نرى الأشياء أمامنا ونشعر بأننا نتنشق رائحة الصحراء، تلسعنا شمسها ويغرينا قمرها ونجومها التي تبدو قريبة كثيرة ولامعة متوهجة من دقة شرحها، كنا نتصل ببعضنا بعضاً بفرح كانت فعلا تجمعنا، قليلاً ما تجد هذه الأيام عائلة مجتمعة بأفرادها في منزل واحد أما نحن وبفضلها فكنا نحب بعضنا بعضا ونتكلم عن أسرارنا وفرحنا مع الجميع فقد كنا أقرب من الإخوة، كنا ولله الحمد نتكاثر بسرعة فكل عام لدينا عرسان أو ثلاثة كنا نفرح بالفرد الجديد، ونشركه معنا باجتماعاتنا بالجدة التي كانت تخترع القصص لتبهجنا كنا نصدقها أحيانا، وأحيانا أخرى نعرف أن ما تقوله لم يحدث قط، كانت تخلط الحقيقة بالخيال والصدق بالكذب والتأليف بالتحريف لكنها ممتعة، فهي تضحك علينا ونحن نلعب دورنا بامتياز ونفتح أعيننا بدهشة وتعلو أصواتنا بتعجب وكانت تضحك بسرها، وعندما نذهب كانت تقول للكبار أرأيتم لقد صدقوني وأعجبتهم القصة، كنا نعيش هكذا بسعادة إلى أن انتقلت الجدة إلى رحمة الله تعالى كانت عيوننا تترقرق بالدموع، لم نصدق بأنها رحلت، كان كل من يسألنا عن عمرها ونخبره يضحك علينا ويقول أتبكونها وقد وصلت إلى هذه السن؟ وكأن الإنسان رقم أو عدد من السنوات، كأنه رزنامة نعلقها وعندما تنتهي أوراقها نرميها أنا لا ألومهم فلم يكن عندهم جدة مثلها، رحلت جدتنا الكبيرة بهدوء من دون مرض فقد كانت صحتها ممتازة، لم تحتج بحياتها أن تزور الطبيب لا تتناول حبة دواء، كانت إن أصابها مرض ما تشرب مزيجاً من الأعشاب التي أعدتها في ما مضى وتقوم بعد يومين وكأنها لم تمرض، وكانت تضحك منا إن مرضنا وقلنا آخ.
بعد وفاتها قررنا ألا نفترق وان نبقي ذكراها حية فينا فاتفقنا، على أن يبقى الموعد الذي كان يجمعنا بها لا يتغير، كنا نزور كل مرة داراً من دور العجزة لنجلس مع شوابنا نخبرهم بحكايات جدتنا أم ظافر رحمة الله عليها حتى اننا فعلنا مثلها أصبحنا نخترع لهم القصص من خيالنا الخصب، نأخذ لهم الفواكه والحلوى نسير معهم في الحديقة نلعب معهم الورق، فكان بعضهم تأقلم مع وضعه الجديد ورضي بقسمته ونصيبه والبعض الآخر يزيد حزنه عندما يرانا نهتم به وهو لا يعرفنا من من صلبه نادرا ما يزوره فيفضل الصمت ولا يتكلم، وبالمقابل هناك الكثير منهم يريدون أن يتكلموا ليخرجوا ما بداخلهم من غضب وحزن ممزوج بغصة، نسمعهم في شكواهم إلى الله ثم إلينا بعتب واضح على أولادهم تارة وعلى نسائهم تارة أخرى، نبكي لبكائهم عندما يذكرون المدة التي مرت وهم لم يروهم، يختلقون لهم الأعذار بوضعهم في الدار نحزن لحزنهم عندما يتمنون العودة لمنازلهم وحلمهم برؤية أحفادهم يلعبون أمامهم، حلمهم أن يموتوا في غرفهم التي آوتهم لسنوات قبل نقلهم التعسفي والظالم إلى هذا المكان، وبين المجموعتين كان هناك عجوز لم يجلس معنا ولو مرة واحدة فهو شارد ضائع يائس لا يحركه شيء، ينظر إلى البعيد نظرة تائهة حزينة يبحث بين وجوهنا عله يجد ابناً أو بنتاً أو جاراً فلا يجد سوى أغراب لا يمتون له بصلة فيعود وينزوي في ركنه ليسرح مجددا في الأفق، عرفنا من رفاقه أن أولاده وضعوه في الدار لأنهم سيسافرون في رحلة للخارج مع نسائهم وأولادهم لمدة لا تتعدى الشهر وها قد مرت ثلاثة أشهر ولم يأت أحد منهم لكنه لا يزال ينتظر، حاولنا أن نتقرب منه فكان يصدنا بحركة من يده أو نظرة جافة من عينيه فنحترم إرادته ونبتعد بقهر ثم نتابع نهارنا مع الباقين، وعند نهاية اليوم نرافقهم إلى أسرتهم ندثرهم ونتمنى لهم ليلة هانئة ونعود إلى منازلنا فرحين لأننا رسمنا البسمة على وجوههم مع ان الفضل لهم ببقائنا مجتمعين كما أرادت الجدة وكما كانت توصينا دائما، كنا نرى وجهها بوجه كل عجوز منهم بتجاعيده واسمراره نمسك أيديهم النحيفة نضع إصبعنا على عروقهم البارزة فيضحكون ويطلبون أن نصل لسنهم، ولكن مع أولادنا وأحفادنا وليس بدار للعجزة التي هي للمقطوعين وليس لهم، كنا نفكر في العجوز الحزين كل يوم ونتساءل كيف نستطيع مساعدته وكيف نرسم البسمة على وجهه لكن للأسف لا نستطيع سوى أن نكرر المحاولة لعلنا ننجح. في النهاية أتمنى على الجميع أن يفعلوا مثلنا اذهبوا لزيارتهم ولو من باب المجاملة لكن إياكم أن تفعلوها بدافع الشفقة فهم أذكى مما تتصورون، نفسهم غالية لا يقبلون العطاء إلا إذا كان من القلب، وبعدها ستصبح عادة ثم حباً، سترتاحون وتشعرون بالفخر لما تفعلونه معهم، صدقوني إنها متعة لا تفوقها متعة في هذه الحياة فهم الخير والبركة، هم ماضينا الجميل وجذورنا، ولا تنسوا ان لكم آخرة وكما تعامِلون تعامَلون.