من الذي يسأل ويقف على الأبواب بحاجته؟ هل هو الفقير المسكين المحتاج أم الغني صاحب المال والمنصب والجاه؟ السؤال والدعاء علامة الفقر والفاقة والحاجة، والدعاء هو قمة العبودية التي تجلي فقر العبد وحاجته لمولاه، ونحن فينا العجلة، نريد قبل أن نضع أيدينا من الدعاء أن نرى الإجابة، فالعجلة طبيعة وفطرة فينا: خلق الإنسان من عجل، ولكن الله لا يعجل لعجلة أحد، فالأمور عند الله تجري بالمقادير ووفق سنن إلهية لا تتبدل ولا تتغير، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي.
وسائل يسأل: هل يمكن أن ندعو الله ولا يسمع دعاءنا ويستجيب لنا؟ والجواب: لا، إن الله يسمع دعاءنا والدليل قوله سبحانه: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون، وقول النبي الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه البيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان الفارسي: إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا. وفي لفظ: يستحي أن يبسط العبد إليه يديه فيردهما خائبتين. ولكن الإجابة لها صور في العطاء:
1- قد تكون الإجابة في تعجيل المراد الذي نريده.
2- أو أن يرفع الله من البلاء مثلها. أخرج الحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله: لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وأن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة.
3- أو يدخر لنا ثواب الدعاء نوافى به يوم القيامة. ودليل هذا:
ما أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي سعيد أن النبي قال: ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذا نكثر قال الله أكثر. وأخرج البخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا: ما من عبد ينصب وجهه إلى الله في مسألة إلا أعطاها إياه، أما أن يعجلها له في الدنيا، وإما أن يدخرها له في الآخرة.
وقد تتأخر الإجابة الظاهرة لحكم عديدة منها:
1- قد يكون ما نلح فيه بالدعاء شرا لنا لا خيرا لنا، ولو تعجل العطاء لهلكنا، وفي القرآن إشارة إلى أن الإنسان قد يدعو بالشر دعاءه بالخير كما حدث لقوم قارون عندما خرج في زينته ورآه قومه فأحبوا المال وبهروا بالمتاع والزينة فقالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم، فلما حدث الخسف بقارون وكنوزه وأمواله حمدوا الله أنه ما استجاب لهم دعاءهم فقالوا: وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون.
2- أن الله ضمن لنا الإجابة في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي نريد، وفيما يشاء لا فيما نشاء، ووقت العطاء له حكمة في علم الله.
3- الدعاء في ذاته عبادة وقربى لها أجرها وثوابها، سواء تعجل لنا العطاء أم تأخر عنا.
4- الله يحب أن يسمع صوت عبده اللحوح في الدعاء والإنسان بفطرته إذا كانت له حاجة فذو دعاء عريض كما ذكر القرآن الكريم، وإذا قضيت حاجته انصرف عن المناجاة والابتهال والتضرع.
5- قد يكون هناك من الخطايا والذنوب ما يؤخر أوان الإجابة، أخرج أحمد والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول الله: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر.
* هذه بشريات لمن شرع في الدعاء: البركة في العمر، تخفيف البلاء، محبة الله، تحقيق العبودية وحسن الصلة بالله، الثواب المدخر عند الله لو لم نر إجابة معجلة في الدنيا، ولكن الشرط لقبول الدعاء وحصول هذه المنح والعطايا هو حضور القلب وإظهار الفقر والفاقة عند الشروع في الدعاء مع اليقين الجازم بالإجابة، أخرج الترمذي والحاكم عن أبي هريرة عن النبي قال: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه.
وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله: لا يقل أحدكم اغفر لي إن شئت، وليعزم في المسألة فإنه لا مكره له.
* أفضل الدعاء: ما جاء في القرآن الكريم، ثم ما جاء في صحيح السنة، ثم ما أثر عن الصحابة، ثم ما جاء عن التابعين من أئمة الأمة الصالحين، وما يأتي على قلب الإنسان ولا سيما حال الاضطرار فإنه أقرب للقبول شرط أن يبدأ بالثناء على الله والصلاة والسلام على رسول الله ويختم دعاءه بهذا فحري أن يستجاب له.