* إذا فتح الله باب طاعة فعلينا أن نبادر إليها قبل أن نُحرم منها أو نُشغل عنها بأي عارض من عوارض الحياة، والمسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى الطاعات أكد عليها القرآن ورغبت فيها السنة وكانت صفة من صفات الصالحين الذين يشتاقون إلى الجنة، ويضحون بأغلى ما يملكون حبا لربهم وثقة في فضله ومنّه وكرمه.
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الأنفاس معدودة والأيام والليالي هي مطايانا إلى النهاية، والعد التنازلي يبدأ من ولادة الإنسان، وتمر به أحداث الحياة، والعمر لا يتوقف لحظة ولا يعود إلى الوراء، فعمر الإنسان فيه صفتان:
1- أنه لا يتوقف، سواء كان الإنسان سعيدا أم حزينا، صحيحا أم مريضا.
2- ما مضى منه لا يعود أبدا.
فالدنيا ثلاثة أيام: أمس مضى لا تملك منه شيئاً، وغد لا تدركه، ويوم أنت فيه فاغتنمه، أخرج ابن ماجه عن جابر بن عبدالله قال: خطبنا رسول الله فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلِوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية، ترزقوا وتنصروا وتجبروا. والحديث ذكر: تُشغلوا وليس تنشغلوا، لماذا؟ أنت تؤمل وتخطط وتدبر وترسم، ولكن لا ندرى ما الذي في علم الله مما نخططه ونؤمله ونريده، فالآمال قد تتخطى الآجال، والفرص قد لا تتكرر، وفي حياة الإنسان منح ونعم وعطايا إن لم يبادر وينتفع بها ذهبت وقلما تعود، روى أحمد وأبو نعيم في الحلية والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس عن النبي قال: اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك.
* أبوبكر حينما دُعي إلى الإسلام لم يتردد ولم يتأخر بل سبق وسارع فكان له فضل السبق إلى الإسلام وتلك فضيلة ليست لغيره من الصحابة مع عظم تضحياتهم وعلو شأنهم، وإذا كان الفضل دائما لمن صدق لا لمن سبق فإن أبا بكر ممن سبق وصدق.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس عن النبي قال: عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط. والنبي ومعه الرجل والرجلان. والنبي ليس معه أحد. إذ رفع لي سواد عظيم. فظننت أنهم أمتي. فقيل لي: هذا موسى وقومه. ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت. فإذا سواد عظيم. فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر. فإذا سواد عظيم. فقيل لي: هذه أمتك. ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله. وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يرقون. ولا يسترقون. ولا يتطيرون. وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة.
لماذا لم يدع الرسول للرجل الثاني ودعا فقط لعكاشة؟ الجنة ليست ضيقة على الثاني، والرسول رحيم بأمته لا يبخل بالدعاء لرجل من أصحابه طلب منه الدعاء، ولكنه يعلمهم فضيلة السبق في الدين والمسارعة إلى الخيرات، فليس من أسرع كمن أبطأ.
* السابق بالخيرات يحفظ وقته من الضياع والغفلة وتُفتح له أبواب الجنة كلها بسبقه إلى الطاعات، أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا. قال فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال: أبو بكر: أنا. قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبوبكر أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبوبكر: أنا. فقال رسول الله: ما اجتمعن في أمريء إلا دخل الجنة.
* في سورة الواقعة تكلم القرآن عن مرتبتين لأهل الجنة: أصحاب اليمين، والسابقون المقربون، وجعل للسبق فضيلة في علو الدرجة والمنزلة ليستثير الهمة في ميدان السباق إلى أعلى الدرجات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، روى مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله قال: إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما تتراؤون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. وأخرج الترمذي عن علي قال: قال رسول الله: إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام.
ولكن الله من رحمته لم يغلق الباب أمام هذه الأمة بل فتح لها الباب لتلحق بالسابقين في أعلى الدرجات بشرط الصدق في المتابعة بإحسان، قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم.