لم يكن الحقد هو الأصل، لأن الله تعالى بنى الكون على الحب، لكن عندما نزل إبليس إلى الأرض مع آدم وحواء، أراد أن ينتقم لنفسه، فزرع الحسد بين ابني آدم عليه السلام قابيل وهابيل .

والحد معروف أنه في النهاية يؤدي إلى الحقد، والحقود لا ترتاح نفسه إلا إذا تخلص ممن يحقد عليه، وهو مستعد لاستخدام كل وسائل الإجرام حتى يحقق مأربه .

إذن فإن الحقد معول هدم من غير شك، والحقد لا يفرق بين القريب والبعيد، لأنه ينبعث بدافع ناري، وإلا كيف ارتكب قابيل جريمة القتل مع أخيه هابيل، وهما في ذلك الوقت كانا يمثلان نصف سكان الأرض؟

إنني أعتقد أن كل جرائم القتل والدمار التي تحصل اليوم في قارات العالم ليست عشوائية التخطيط والتنفيذ، بل وراءها حقد دفين .

نعم . . قد تقول إن انفجاراً حصل في المكان الفلاني، وذهب ضحيته 200 شخص وأن انفجاراً آخر وقع في المكان الفلاني، وذهب ضحيته مجمع سكني احترق بأكمله، والذي نفذه شخص كان يحمل حزاماً ناسفاً .

إنني أقول لك: مَن الذي زوّد هذا الانتحاري بالحزام الناسف؟ ولماذا يزوّده به وهو يعلم أن الانفجار سوف يقتل البرئ قبل المذنب، ولاسيما عندما يفجّر الانتحاري نفسه في المسجد أو في سوق مزدحم بالسكان .

وبعد ذلك كيف اقتنع ذلك الانتحاري بأن يقوم بمثل هذا العمل الإجرامي الجسيم، ورضي بقتل نفسه في سبيل تلك الخطة الجهنمية التي أعدها ذلك المخطط الجهنمي؟

إنني على يقين بأنه يحمل حقداً غير طبيعي، بمعنى أنه عانى من نقص الحنان في طفولته، أو من ظلم في حياته الوظيفية أو المادية أو الصحية، لذلك فإنه ينظر إلى الناس من خلال منظار أسود، ويعتبر القضاء على الناس عموماً انتصاراً لنفسه على الذين ظلموه في حياته .

عندما يبلغ الحقد هذه الدرجة فإن المتحامل على الناس يعتبر منتحراً بالتأكيد، لأنه يتصرف مع الكون بتشنج، وينظر إلى الناس بدافع العدوانية، فلا هو يحب الخير لأحد، ولا يحب الخير لنفسه .

ومما يحضرني في هذا المجال أن ثلاثة اجتمعوا في مكان وقالوا: ليصف كل منا ما بلغ عنده من الحسد، فقال أحدهم: أنا من حسدي لا أحب أن أحسن إلى أحد، وقال الثاني: أنا لا أحب أن يحسن أحد إلى أحد، وقال الثالث: أنا لا أحب أن يحسن إليّ أحد .

أنظر كيف تفاوتت درجات الحسد عندهم، على قدر الكراهية والعدوانية التي يحملونها، لكن الأول والثاني اعترفا بأن الأخير هو الذي ينبغي أن يتوج عليهما، لأنه بلغ من الحسد مبلغاً أكبر .

نعم . . الحسد يؤدي إلى الحقد، والحقد يؤدي إلى حب الإجرام، والمجرم ليس في نفسه مثقال ذرة من الخير لا لنفسه ولا لغيره، لذلك فإنه ينتحر بعمله هذا والمنتحر ملعون .