القاهرة: «الخليج»

بدأ الكاتب الفرنسي لويس فرديناند سيلين حياته الأدبية عام 1932 برواية «رحلة إلى آخر الليل»، وبعدها بثلاث سنوات أصدر روايته «موت بالتقسيط»، فأرسى بهاتين الروايتين مكانته كأعظم روائي فرنسي بعد مارسيل بروست، باعتراف العديد من النقاد والمثقفين، وقد تأثر بأفكاره وأسلوبه عدد كبير من الكتاب الذين أتوا بعده مثل كامو، وسارتر، وهنري ميللر، ومعظم أبناء جيل البيت الأمريكي مثل كيرواك، ووليم بروزو، وآلن جنسبرج. وكما يقول المترجم الراحل أحمد عمر شاهين: فجأة، بعد كل هذا الاحتفاء الذي قوبلت به أعماله، خيم الصمت والسكون على أخباره، برغم أنه استمر في إنتاجه لمدة ربع قرن بعد ذلك من دون أن يهتم به أحد، وأخفيت أخباره لدى الناس حتى خبر وفاته سنة 1961 أخفي عن الصحف، فقد كان هذا الكاتب الكبير أحد ضحايا الإرهاب الثقافي الصهيوني.
يقول أحد النقاد إن حالة نفسية سيئة أصابت سيلين سنة 1938 ولدت لديه عداء للسامية، فقرر محاربتهم بالكلمة، بطريقة غير مسبوقة في تحديها ووضوحها، خاصة أنه بات يعتقد أن الأدب يخدع الإنسان العادي، بابتعاده عن الحقيقة، وأن الأدباء قد زيفوا الحقائق، وأن قدره هو أن يقدم الحقيقة للآخرين، من خلال تجربته ليكون الجميع أكثر حرية في هذا العالم، وبدأ ينادي بالعمل على كشف جرائم الصهيونية.
وأصدر سيلين سنة 1937 كتاب «تفاهات لأجل مذبحة» هاجم فيه الفكر اليهودي واتبعه سنة 1938 بكتابه «مدرسة الجثث» الذي زاد فيه من حدة هجومه على الصهيونية من خلال بطل كتابه اليهودي المتشبع بالأفكار الإجرامية، ومن هنا بدأت مشكلته، فقد أعجب النازيون بموقفه، ورحبوا بأعماله، فأصبح في موقف حرج، فالنازيون يحتلون وطنه، ويشيدون به.
كان طبيباً، وقد نال وسام الشجاعة لمقاومته في الحرب العالمية الأولى، لكنه أحس بأن حركته مرصودة من الأعداء والأصدقاء، ولم يسلم من شكوك الطرفين، فقد سجنه الألمان سنة 1944، وحين أطلق سراحه، مر بالدنمارك فسجن هناك بتهمة مساعدة النازي، لكن أخلي سبيله لبطلان التهمة، فعاد إلى فرنسا حيث سجن لمدة عام أيضاً، بإيعاز من العناصر الموالية للصهيونية، وخرج من السجن حزيناً بائساً، من دون أن يفقد إيمانه بالإنسان، فسكن في منطقة شعبية يعالج الفقراء بالمجان، ويعكف في الوقت نفسه على الكتابة.
أصدر سيلين بعد ذلك عدة كتب منها «من حصن لآخر» سنة 1957 وراوية «شمال» 1960 وعاش في بلده بمشاعر الغربة والبؤس، لكن وضوح الرؤية لم يفارقه، فقد قال: «إن «إسرائيل» تعبير عن الشر الجاثم في أرجاء الكون في عنصريتها وكراهيتها للبشر»، ولم يستمع إلى نصائح الأصدقاء الذين طالبوه بالتخلي عن عناده، وكان رأيهم أنه موهوب ومحق في كثير مما يقوله، إلا أنه ينقصه الدهاء، فكثير من الأمور يمكن معالجتها بشكل آخر إلا أنه رفض الإصغاء إلى أحد فعاش ومات فقيراً منسياً.
كان يؤمن بأن واجبه كإنسان يحتم عليه أن ينبه العالم إلى أخطار اليهود وجرائم الصهيونية، وكل ما يهدد حياة الإنسان العادي وأمنه مهما تحمل في سيبل ذلك من اضطهاد، وفي رأيه أن مهمة الأدب الأساسية هي أن يخاطر الإنسان بنفسه في سبيل الحقيقة، وإذا كانت السياسة تنزع إلى المساومة وقبول ما هو ممكن عند الضرورة، فالأدب على العكس يدعو إلى عدم قبول المهادنة، فآلى على نفسه أن يحتج بالكلمة على القسوة والظلم والاضطهاد، وكل ما يعانيه مرضاه في أحياء باريس الفقيرة.
ولد سيلين في باريس في 27 مايو/أيار سنة 1895 لموظف فقير وأم تعمل بالدانتيلا، حصل على تعليم أولي وعمل في وظائف عديدة قبل أن يلتحق بالجيش ويشارك في عملية خاصة، يخرج منها بإصابة في رأسه، ظلت تؤثر فيه طوال حياته نفسياً وجسدياً، بعد تسريحه من الجيش أنهى دراسته الطبية وعمل كطبيب في عدد من الدول الإفريقية وأمريكا، قبل أن يعود إلى فرنسا سنة 1928 مكرساً نفسه لمعالجة الفقراء بأجر زهيد.
روايته «رحلة إلى آخر الليل» كانت الرواية الفرنسية الأولى التي تستخدم لغة الحديث العادية كلغة سرد روائي، وقد علق مارسيل إيميه على أسلوبه ذاك بأنه «هز ياقة اللغة الفرنسية بشكل قوي»، وحين سئل عن طريقته تلك في اختيار الكلمة وبناء الجملة، أجاب: «لكي تكتب رواية كرواياتي عليك أن تكتب ثمانمئة ألف صفحة لكي تحصل على ثمانمئة جملة».
وقد وجد سارتر تلك الواقعية اللفظية مجالاً مناسباً لفلسفته الوجودية، بل إن مغامرات بطله «بردامو» كانت أحد المصادر الأساسية التي استمد منها سارتر معنى للوجود، وفي هذا تقول ناقدة فرنسية «ذلك المعنى المتمرد المراوغ الذي أعطاه سارتر للوجود ليس مستمداً من الحياة نفسها، لكن من الحياة كما رسمها خيال بطل رواية سيلين رحلة إلى آخر الليل».
رحلة بردامو بطل هذه الرواية رحلة واقعية مجازية، فهو يقضي حياته منتقلاً من موقع إلى آخر سارداً ذكرياته ومشاهداته وخبراته الأليمة في الحرب وفي مصحة عقلية، ثم في رحلته إلى إفريقيا، وإقامته في مخفر منعزل في غابة، ورحلته إلى أمريكا كعبد مقيد بالسلاسل في سفينة شراعية، ثم حياته في أمريكا كعامل في مصانع فورد، ويعود البطل إلى باريس لتأخذ الرواية منحنى مختلفاً. وفي روايته الثانية «موت بالتقسيط» يتحدث بطلها بأسلوب يسميه سيلين «الغنائية الساحرة» وبلغة الحياة اليومية يتحدث البطل عن تجاربه وعلاقاته بالآخرين، معبراً عن اشمئزازه وقلقه من الصراع الوحشي الذي يتعامل به الناس، ما دفع أندريه جيد لأن يقول: «إن سيلين لا يكتب من الواقع ولكن من الهلوسات التي يثيرها الواقع»، وشبه هذه الرواية بروايته «من حضن لآخر» التي تتناول بالأسلوب ذاته فترات من حياته، خاصة منذ اعتقاله في الدنمارك سنة 1945 حتى سنة 1956.