حوار:جمال سالم
يتعرض التاريخ الإسلامي والعربي لحرب ضارية من التغريبيين، والغربيين على حد سواء، بهدف مسخ هوية الأمة وعمل غسل مخ لأبنائها ليظلوا في حالة هزيمة نفسية، ولهذا فإن الحرب على حضارتنا الإسلامية وتاريخنا الذي سجل أحداثها لن تتوقف تحت مسميات براقة، فضلاً عن محاولات تزييفه والافتراء عليه.
من هنا تأتي أهمية الحوار مع المؤرخ الإسلامي الكبير الدكتور عبد الشافي عبد اللطيف، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء. وفي ما يلي تفاصيل الحوار:

رغم ماضينا المجيد إلا أننا الآن نجهل تاريخنا ولا نستفيد من دروسه.. ما أهمية القراءة الصحيحة للتاريخ الإسلامي للحاضر والمستقبل؟
- يؤكد المؤرخون أن التاريخ هو ذاكرة الأمم، ولا تستطيع أمة تحترم نفسها أن تعيش بلا ذاكرة، ودراسة التاريخ ليست لمجرد المعرفة فقط، بل لاستخراج الدروس والعبر منه، فهذه صفات الأمم في عصور القوة والازدهار، والعكس صحيح في عصور الضعف، حيث لا تستفيد الأجيال المعاصرة من تاريخ أسلافها وتجاربهم، رغم أن فيها عبراً للمتأملين، وإلا لماذا ذكر لنا القرآن الكريم والسنة النبوية تاريخ الأمم السابقة، والأخطاء التي أدت إلى هلاكها، ألم يقل ربنا: «لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب»، وقال في آية أخرى: «فاقصص القصص لعلهم يتفكرون».
ما خطورة إهمالنا لتاريخنا؟
- التاريخ كتبه المؤرخون للاعتبار والاستفادة من تجاربه، وعدم تكرار الأخطاء، لأن الأمة التي تهمل قراءة تاريخها لن تحسن قيادة حاضرها، ولا صياغة مستقبلها، وللأسف الشديد نحن في حالة من الضعف، والتخبط تجعل المسلمين لا يحسنون قراءة تاريخهم والاستفادة من دروسه، رغم أنه تاريخ ثري ومشرف، ولهذا يعمل الأعداء في الداخل والخارج على اقتلاعنا من تاريخنا ليسهل السيطرة علينا، وقد قال المؤرخ أرنولد توينبي «إن الذين يقرأون التاريخ ولا يتعلمون منه أناس فقدوا الإحساس بالحياة، واختاروا الموت هرباً من محاسبة النفس أو صحوة الضمير والحس». وصاغ أمير الشعراء أحمد شوقي هذا المعنى في بيت شعر شهير:
اقرأوا التاريخ إذ فيه العبر.. ضل قوم ليس يدرون الخبر
الطاعنون في التاريخ
يتعرض التاريخ الإسلامي والعربي للطعن والتشويه، فمن هم الذين يستهدفون هذا التاريخ لأمة ازدهرت حضارتها قروناً طويلة كانت خلالها مثالاً للتسامح والرحمة والتعايش السلمي مع غير المسلمين؟
- الطاعنون في التاريخ الإسلامي ينقسمون إلى ثلاثة فرق، أولها في الداخل وتقوده بقايا الشيوعية التي انتهت في العالم كله، إلا في عالمنا العربي، فما زال لها ذيول يعادون الأديان عامة، والإسلام خاصة، وجزء من كراهيتهم للإسلام يمتد إلى التاريخ الإسلامي، وأول من تنبأ بسقوط الشيوعية أديبنا الكبير عباس محمود عباس العقاد، حيث أعلن عام 1957، أن أربعين عاماً مضت وبقيت أربعون أخرى من عمر الشيوعية في العالم، أما الفريق الثاني الطاعن في التاريخ الإسلامي فهم العلمانيون، ومن على شاكلتهم الذين يريدون أن يفعلوا في الإسلام ما فعله العلمانيون الغربيون في المسيحية، حيث جعلوها حبيسة الكنائس تحت شعار «دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر»، والفريق الثالث هم المستشرقون غير المنصفين، وكذلك المعادون للإسلام، مهما اختلفت دياناتهم ومسمياتهم، وهؤلاء يشوهون تاريخنا الإسلامي ويزعمون أنه تاريخ دموي قائم على العدوان الدائم على الغير، وكذلك وصفه بأنه تاريخ يمجد «الديانة المحمدية»، كما يطلقون على الإسلام الذي يرونه من وضع محمد صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن من تأليفه، وقد عمل مؤرخو الإسلام - من وجهة نظر المعادين - على تجميل واقع المسلمين عبر التاريخ وتمجيد الحكام في كل العصور، ولهذا فهو تاريخ - من وجهة نظرهم - يفتقد إلى الموضوعية والأمانة والشفافية والمنهج العلمي الذي يجب على أساسه كتابة التاريخ.
أهداف خبيثة
ما أهداف ودوافع الطاعنين في تاريخنا الإسلامي من وجهة نظركم؟
- هدفهم الظاهر التحقيق العلمي لهذا التاريخ، أما هدفهم الحقيقي فهو بث سموم كراهيتهم للإسلام وكل ما له صله به، سواء في «التاريخ» عبر قرون طويلة منذ بداية الإسلام حتى الآن، وكذلك في «الجغرافيا»، وكل بقعة في العالم فيها وجود للمسلمين، وينظر هؤلاء الأعداء إلى التاريخ بشكل انتقائي، وتزييفه وتدليسه، بمعنى اجتزاء بعض الحوادث التاريخية من سياقها الزماني والمكاني، ومحاولة اتخاذها وسيلة للطعن في الإسلام حتى لو كانت مخالفة لما يدعو إليه، مثلما تتم حالياً نسبة الإرهاب والعنف إلى الإسلام، رغم أنه دين الرحمة حتى بالحيوان، وقد وصل الأمر ببعض الأدعياء الحاقدين على الإسلام إلى الهجوم على مؤسساته، وعلى رأسها الأزهر، حتى إن بعضهم قال: «إن مصر أفضل من دون الأزهر»، وقال آخر «يجب وضع الأزهر على رأس المنظمات الإرهابية الدولية»، وصدق فيهم قول ربنا سبحانه وتعالى «يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون».
هل تاريخ أمتنا الإسلامية المكتوب يتناسب مع عمرها الطويل واتساع مساحتها وثراء الحوادث؟
- يؤكد المؤرخون الثقات أن عناوين الكتب الإسلامية تقترب من مئة مليون عنوان، وعناوين بعض الكتب قد يكون فيها مئة مجلد، ومن المتفق عليه أن التاريخ بأنواعه يشغل ما يقرب من نصف هذا العدد، لأن المؤرخين المسلمين رصدوا في كتاباتهم كل شيء خاص بالإنسان والبيئة وغيرها، ابتداء من بدء الخليقة حتى نهاية حياة كل مؤرخ منهم، كما رصدوا تاريخ الأقاليم والبلدان والتراجم، وقد يتعجب البعض عندما يعرف أنهم أرخوا حتى للحمقى والمغفلين والعرجان والعميان، ووصل الأمر إلى أنهم أرخوا للحيوانات، فتجد أنساب الخيول، ولهذا فهو تاريخ منوع لأبعد الحدود.
ليس كتاباً مقدساً
لكن البعض عاب على المؤرخين المسلمين أنهم لم يحققوا كثيراً مما كتبوا وكان بعضهم يجمع المعلومات من دون تنقيح فكان كحاطب ليل .
- هذا صحيح نسبياً وإلى حد ما، لأن التاريخ - كما سبق أن قلنا - عمل بشري فيه الصواب والخطأ، ولهذا فهو ليس كتاباً مقدساً له العصمة، وبالتالي فهو يحتاج إلى تنقية وإعادة قراءة موضوعية بشكل دائم، وهذا ما طالب به بعض المؤرخين القدامى أنفسهم، حيث كتب الإمام الطبري، شيخ المؤرخين المسلمين على الإطلاق في كتابه «تاريخ الرسل والملوك»، جملة أكد فيها هذا المعنى حيث قال بالنص: «إن القارئ سيجد في هذا الكتاب أسماء غريبة وغير معقولة، فليعلم أنه لم يؤت من قبلنا وإنما نحن نقلنا ما وصل إلينا»، وبالتالي فهذا اعتراف بأنه نقل كل ما وصل إليه، سواء كان صواباً أو خطأ ووضعه أمام المؤرخين والقراء الذين عليهم أن ينقوا وينتقدوا ويحللوا بعقولهم.
ألا ترى أن هذا الاعتراف يقلل من أهمية التاريخ الإسلامي ويقلل من مصداقية ما كتبه المؤرخون المسلمون؟
- هذا الاعتراف بعدم الكمال هو نوع من الصدق والأمانة، ومثل هذا الاعتراف قاله كل المؤرخين المنصفين في كل الأمم، وبالتالي ليس هذا الطعن خاصاً بتاريخنا فقط، بل إن هناك أضعاف ما لدينا من أخطاء في كتابات كل المؤرخين في كل العصور والأمم والحضارات، وقد أعجبني تحليل المفكر الكبير الدكتور أحمد أمين حين علق على الكلام السابق للإمام الطبري، حيث أكد أن المؤرخ هنا أشبه ما يكون بوكيل النيابة الذي يحقق ولا يترك شاردة ولا واردة إلا كتبها، ولو معلومة بسيطة يمكن أن توصله إلى الحقيقة، ثم يضع ذلك كله أمام القاضي وهو الذي يحقق ويفحص المعلومات ليصل إلى الحقيقة.
يقال إن التاريخ بوجه عام يتأثر بميول وانتماءات كتابه مما يفقده الموضوعية، فهل هذا صحيح؟ وما مدى انطباقه على مؤرخي التاريخ الإسلامي؟
- لا يستطيع أحد الادعاء بأن هناك تاريخاً لأي أمة خالياً تماماً من العيوب، لأنه من صنع بشر، والبشر ليسوا معصومين، وبالتالي من الصعب جداً أن يكون المؤرخ موضوعياً 100%، لأنه لا يستطيع أن ينحي جانبا أهواءه وميوله الفكرية والمذهبية والسياسية والدينية، وغيرها من المؤثرات الداخلية والخارجية، ولهذا لا بد من توافر محققين يفرزون هذا التاريخ ويدققونه بهدف الوصول إلى شبه الكمال في سرد ووصف الأحداث التاريخية، لأنه لا يعلم الحقيقة المطلقة إلا الله.
اجتزاء وافتراء
رغم أن حضارة المسلمين هي حضارة التعايش السلمي مع الآخر عبر العصور إلا أن البعض يحاول اجتزاء بعض فترات التاريخ الإسلامي ليستشهد بها على اضطهاد المسلمين لغيرهم، فما ردكم؟
- أتحدى أن توجد حضارة بشرية حرصت على التعايش السلمي بين أبناء المجتمع الواحد مثلما حرصت الحضارة الإسلامية، حيث عاش في سلام المسلمون مع أهل الكتاب، بل ومع من لا دين سماوياً لهم من أتباع الأديان الوضعية، طالما لم يعتدوا عليهم وحرصوا على ذلك، خاصة في عصور القوة والازدهار، حيث حرص الحكام على الالتزام بقواعد الشرع الذي حدد العلاقة بين المسلمين وغيرهم في قول الله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين».
لكن البعض يستشهد ببعض الحوادث من التاريخ الإسلامي التي ليس فيها تعايش سلمي، ويحاول تعميم ذلك على كل تاريخ الحضارة الإسلامية، فبماذا تردون عليهم؟
- التعميم مرفوض ولا يقوم به إلا من في قلبه مرض وحقد على الإسلام والمسلمين، ولهذا يقوم بالتدليس والتزييف والاستشهاد بأحداث من مراجع ضعيفة غير معتمدة، أو بحالات استثنائية في بعض عصور الضعف من جانب بعض الحكام، أو الولاة ضعاف الإيمان الذين وقع أذاهم على كل البشر، بمن فيهم المسلمون أنفسهم، ويظل هؤلاء المتوحشون مثل الحجاج بن يوسف الثقفي مثلاً منبوذين في تاريخنا الإسلامي، واستثناء من القاعدة العامة المتسامحة مع غير المسلمين، حتى إن كثيراً من غير المسلمين كانوا وزراء ومستشارين للحكام، بل إنه في بعض العصور كان عامة الشعب من المسلمين يحسدون غير المسلمين على ما وصلوا إليه في دولة الإسلام، ولهذا أؤكد أننا أبناء حضارة تمقت التعصب، وإذا حدث في أي فترة تاريخية فهو يحدث ممن لا دين لهم في معاملة البشر عامة، سواء المسلمين أو غير المسلمين.
«قل هاتوا برهانكم»
ما ردكم على المستشرقين ومن على شاكلتهم من أبناء جلدتنا ممن شككوا في إنسانية الحضارة الإسلامية وبالتالي في إنسانية الإسلام نفسه؟
- الحاقدون على الإسلام وحضارته موجودون في كل عصر حتى من بعض أدعياء الإسلام، أو المتأسلمين أنفسهم، أو المنافقين المعاصرين، ولهذا فإن صدور هذا الطعن من المستشرقين غير المسلمين أمر ليس بمستغرب، وإذا كان هناك مستشرقون غير منصفين، فإن هناك مستشرقين منصفين، فلماذا يتم التركيز على الحاقدين وتجاهل المنصفين، ومع هذا فإننا نرد بالحكمة والموعظة الحسنة والأدلة التاريخية على غير المنصفين، أياً كانت عقيدتهم أو ملتهم، وشعارنا في ذلك قول ربنا سبحانه وتعالى: «... قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين».
أتحدى أن يأتي هؤلاء الحاقدون بأمر إلهي أو نبوي يحتقر الإنسان غير المسلم، أو يقلل من شأنه، أو يبيح ظلمه، أليست هناك عشرات، بل مئات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تبدأ ب«يا أيها الناس». ألم يوصنا الله بالإحسان والبر بكل الناس فقال الله تعالى: «وقولوا للناس حسنا»، وأكد الأخوة الإنسانية فقال سبحانه: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير».
يصف البعض من المتأسلمين وغير المسلمين الفتوحات الإسلامية بأنها كانت غزواً دموياً أجبر غير المسلمين على الدخول في دين الله بالإكراه.
- هذا الزعم لا يردده إلا جاهل أو حاقد، لأن شعار كل الفتوحات الإسلامية قول الله تعالى: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». ويكفي أن نذكر أن الأغلبية العظمى من أرض الإسلام الآن دخل أهلها الإسلام بغير حروب إطلاقاً، إنما عن طريق التجار والمتصوفة والدعاة المسالمين، والتاريخ خير شاهد على ذلك، وهنا أتذكر ما قاله المستشرق والمؤرخ البريطاني توماس أرنولد، الذي رد على هذا الافتراء: «إن تسامح العرب كان وراء دخول الكثير في الإسلام»، والحق ما شهدت به الأعداء، والبلاد التي دخلها الإسلام بالحروب غير العدوانية فتحها المسلمون لرفع الظلم عن أهلها، كما أن المسلمين الفاتحين خيروا أهلها بين الإسلام أو البقاء على دينهم مقابل الجزية، التي تجعل المسلمين يتولون الدفاع عنهم وعن مقدساتهم مع منحهم حرية إقامة شعائرهم الدينية، ومن يشكك في ذلك يقرأ «وثيقة المدينة» بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير المسلمين بالمدينة المنورة التي تعد أول دستور يقر مبدأ المواطنة والتعايش السلمي بين أبناء العقائد المختلفة، وكذلك «العهدة العمرية» بين الفاروق عمر بن الخطاب وأهل بيت المقدس، وكذلك سلوكات البطل صلاح الدين مع غير المسلمين.
مناهج التعليم
ما خطورة دعوة البعض إلى إخلاء مناهج التعليم العربية والإسلامية من أبطال الفتوحات الإسلامية بزعم أن هذا يؤدي إلى نسيان الماضي العدائي بين الأمم وفتح صفحات جديدة من التسامح؟
- هذه المقولة جريمة، لأن هدفها الحقيقي طمس هوية الأمة وعمل غسل مخ لأجيالها، لأنه لا توجد أمة بتاريخ انتقائي كما يريدون، ولهذا لنا في تاريخنا أبطال فاتحون، وليس لدينا ما نخجل منه، بل إننا تفخر بهم، ولينظر هؤلاء إلى ما قاله المؤرخ الشهير غوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب»، حيث قال في جملة شهيرة «الحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم». ولهذا فإننا لن نتنازل عن تاريخنا أو هويتنا حتى يرضى عنا أعداؤنا الذين لن يتوقفوا عن ابتزازنا بكل الوسائل وتحت مسميات براقة، ولينظر الغربيون والتغريبيون إلى تاريخ الغرب وتراثه ونظرته إلى الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، وأتباعه في كل العصور منذ صدر الإسلام إلى الآن، فهم أبناء حضارة عدوانية استعمارية، ومن يجهل ذلك يقرأ تاريخ الغرب، وقد قال أحد كبار المستشرقين المنصفين «في نظرة المسلمين إلى المسيحية تسامح وتساهل أكثر بكثير مما في نظرة أوروبا المسيحية المعاصرة إلى الإسلام على أنه باطل وشر». فلماذا هذا «العور» في النظرة إلى التاريخ والتربص بأمتنا وتاريخها المجيد؟