حظي بشرف الأذان لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مكة والمدينة، ثلاثة مؤذنين هم: بلال بن رباح الحبشي، وعمرو ابن أم مكتوم، وأبو محذورة . ويؤكد ذلك ما جاء في قول السيدة عائشة رضي اللّه عنها: كان لرسول الله ثلاثة مؤذنين: بلال، وأبو محذورة، وعمرو ابن أم مكتوم . كذلك نقل البلاذري في أنساب الأشراف عن عامر الشعبي قوله: أذن لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم : بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم . ولعل الصحابي الجليل بلال الحبشي، هو أشهر المؤذنين في الإسلام .

كان أبو عبدالله بلال بن رباح، الحبشي المولد، من أمة سوداء، أما والده فهو من سبي الحبشة بمكة لدى قبيلة بني جمح وهي من قريش . وأمه تدعى حمامة وتلقب بسكينة وهي أيضاً من إماء بني جمح . وكان لبلال أخوان: خالد وغفرة . وكان بلال عبداً عند أمية بن خلف الجمحي، فعاش حياة الرقيق، وعمل الأعمال الشاقة . ورعى الإبل والماشية كسائر العبدان . وكانت أيامه مملوءة بالعذاب والشقاء والحرمان .

تعذيب وحشي

استمع بلال إلى ما كان يرويه شيوخ بني جمح عن ظهور محمد، صلى الله عليه وسلم، ودعوته الجديدة إلى الإسلام، وقلوبهم تطفح حقداً وغيظاً وشراً . فمال إلى الدعوة التي أثلجت صدره وطمأنت قلبه لنشر العدل والمساواة . ثم لم يلبث أن سعى للالتحاق بالنبي الأكرم واعتناق الدين الجديد . وبعد إسلامه، نال عذاباً عظيماً من بني جمح . وكان أمية بن خلف الجمحي يطرحه أرضاً، ويأمر بإلقاء صخرة كبيرة مستعرة كالجحيم على صدره . وكان بلال يقول: أحد . أحد . وعن وحشية تعذيب بلال روى البلاذري في أنساب الأشراف: مررت ببلال وهو يعذب في الرمضاء، لو أن بضعة لحم وضعت لنضجت، وهو يقول: أنا كافر باللات والعزّى . وأمية مغتاظ عليه، يزيده عذاباً، فيقبل عليه، فيذهب خلفه، فيغشى عليه . ثم يفيق . فخرج أبو بكر الصديق وأعتقه وصاح بأمية: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله .

هاجر بلال مع المسلمين إلى المدينة . وبعد أن شرع الأذان للصلاة اختار النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً ليكون المؤذن الأول للصلاة، نظراً لما يستوفيه من شروط الإسلام وشروط الأذان . إذ كان بلال مؤمناً تقياً مجاهداً . وكان يتحلى بصوت ندي جهور، أنعم الله به عليه . وقد صار بلال مؤذن الرسول والإسلام وعلماً من أعلام المسلمين في كل زمان ومكان . فأدى الأمانة وحافظ على النداء للصلاة في أوقاتها المشروعة . وقال جابر بن سمرة في أنساب الأشراف للبلاذري: كان بلال لا يخرج في الأذان عن الوقت . وعن امرأة من بني النجار روى ابن اسحق في سيرة ابن هشام، أنها قالت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد . فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة، فيأتي بسحر فيأتي على البيت ينتظر الفجر فإذا رآه، تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا على دينك . قالت: والله ما علمته كان يتركها ليلة واحدة . وكان بلال يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وغالباً ما كان يؤذن للفجر في رمضان، بليل، وقليلاً ما يؤذن له بنهار . وشهد بلال معظم أيام المسلمين إلى جانب النبي الأكرم، صلى الله عليه وسلم . وبعد فتح مكة أمر الرسول بلالاً أن يعلو ظهر الكعبة ويؤذن، فملأ أذانه آفاق مكة . وقال الواقدي: لما توفي رسول الله، أذن بلال فكان إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، انتحب الناس في المسجد . وكان أذانه الأخير حين قدم عمر بن الخطاب الشام، فسأل بلالاً أن يؤذن وقال: إنما كرهت الأذان بالمدينة، فأذن ها هنا . فأذن فبكى الناس عامة يومهم لذكر رسول الله . وقد مات بلال رضوان الله عليه في الشام كما أحب وأراد سنة 17 هـ .

ابن أم مكتوم

أما عمرو ابن أم مكتوم، فهو عمرو بن قيس بن زائدة . واسمه: زيد الأصم . وهو من قريش . وقد جاء النبي، صلى الله عليه وسلم، خلال اجتماعه بمكة مع أشراف قريش، وكان أعمى فانشغل عنه النبي وأعرض عنه، حتى قاطعه ابن أم مكتوم، فعبس في وجهه، فعاتبه الله في ذلك حيث نزل فيه: عبس وتولى إن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى . أو يذكر فتنفعه الذكرى (سورة عبس: 1 و2 و3) .

واختار النبي ابن أم مكتوم ليؤذن مع بلال في المدينة . وكان غالباً ما يؤذن الأذان الثاني لصلاة الفجر . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه على المدينة في عامة غزواته، يصلي بالناس . وقد شهد القادسية وقاتل حتى استشهد، وكان معه اللواء . وكانت وفاته سنة 23 ه . وفي حديث أخرجه البخاري عن سالم بن عبدالله عن أبيه قال: إن بلالاً يؤذن بليل . فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم . ثم قال: وكان رجلاً أعمى، لا ينادي (لا يؤذن) حتى يقال له أصبحت . أصبحت .

أبو محذورة

أما مؤذن الرسول الثالث أبو محذورة، فقد عرف بثلاثة أسماء: أوس وسمرة وسلمان . والاسم الأول هو الأشهر . وهو ابن مِعْيَر بن لوذان من جمح من قريش . وأمه من خزاعة . أسلم بعد حنين وأمره النبي، صلى الله عليه وسلم، بالأذان في مكة . وكلفه به في البيت الحرام . ويقال إن النبي علمه الأذان حرفاً حرفاً . وكان ابن جريج يقول: إن النبي علم أبا محذورة الأذان بالجعرانة، ثم قسم غنائم حنين، ثم جعله مؤذناً في المسجد الحرام . وقد مسح رسول اللّه على ناصيته، فكان لا يجزها ولا يفرقها لأن رسول اللّه مسح عليها . وروي عنه أنه كان لا يؤذن لرسول اللّه إلا في الفجر . وبعد وفاة أبي محذورة تولى أبناؤه من بعده الأذان في المسجد الحرام بمكة . ولم يهاجر أبو محذورة إلى المدينة، بل أقام بمكة مؤذناً للرسول، ومات فيها سنة 59 هـ .