إعداد: محمد هاني عطوي
لم تتغير ماشا ميريل التي تبلغ من العمر 74 عاماً منذ زواجها في 18 سبتمبر/أيلول الماضي من ميشال لوجراند، الملحن الفرنسي المعروف الذي يبلغ من العمر 82 عاماً، فهي مازالت ضاحكة وحيوية وأنيقة، كما كانت دائماً . نظراتها حادة وجهها يبدو نضراً رغم بعض التجاعيد أما جسدها، فما زال يقاوم ببسالة فهي لم تزل تجلس منتصبة الظهر والكتفين تتفوه بلسان فصيح وذهن يقظ يشعرك بأنها حاضرة كي تطرح عليها أي سؤال . وإن شئت الاختصار فقل إنها تمثال قوي مقاوم لويلات الزمن .
ماشا ميريل هي ممثلة فرنسية معروفة اسمها الحقيقي هو ماريا ماجدالينا فلاديمير وفانا جاجارينا . ولدت كأميرة في الرباط بالمغرب عام 1940 من أم أوكرانية اسمها ماري بيلسكي تنحدر من أسرة نبيلة وأب أمير هو فلاديمير جاجارينا . كان ماشا قد نفيا مع جميع أفراد عائلتهما إلى كوت دازور بفرنسا على إثر اندلاع ثورة 1917 ثم قررا الاستقرار في الرباط لقيام الأب الأمير بعمل أبحاث على نبتة الكرمة لتستقر العائلة بعدها في منطقة أونتيب بجنوب فرنسا . المعروف عن ماشا أنها ممثلة قديرة عاشت حياة مرفهة لكنها لم تخل من العواصف القوية . وهي عضو في برنامج "أدمغة كبيرة" المعروف في فرنسا وممثلة مما سمي بالموجة الجديدة . رصيدها الفني يتكون من نحو 45 فيلمًا سينمائياً وثلاثين فيلماً تلفزيونياً إلى جانب عشرات المسرحيات والروايات والكتب المتنوعة في مجالات عدة . اجتذبت ماشا أيضاً المخرجين الشبان وعرفت الحب، وعانت محناً شديدة .
سرها في ذلك كما تؤكد أنها كانت دائماً فتاة مشاكسة، حيث تقول: حتى سن 5 سنوات، كنت أتغذى على الخضروات "المسمدة بروث الحمير" فلقد ولدت في المغرب وكان والدي مهندس زراعي فبالإضافة إلى أبحاثه على بساتين البرتقال، كان يدير مزرعة يزرع فيها كل الخضروات بطريقة طبيعية ولذا لم أعان في حياتي من أمراض في الأسنان أو العظام وأعتقد أن تمتعي بصحة جيدة هو جزء من هويتي الروسية الأصلية . وتضيف ماشا: "لقد جئت من عالم الأرستقراطيين المتراخي اللاواعي الذي عاش عيشة الأمراء على أراضٍ شاسعة لم يتغير فيها شيء منذ العام 1000 . وكان جدي والد أبي يمتلك 000 .60 فدان وكان يعيش محاطاً ب 40 خادماً . وكانت والدتي، قبل أن تنضم إلى مدرسة النبلاء في كييف، تجهل وجود الأوراق النقدية حتى سن ال 14 إذ لم يسبق لها أن رأت عملة نقدية . ." . وبما أن ماشا عاشت شبابها خلال الفترة الماركسية فإنها لم تنس طريقتها النقدية لكل شيء إلا أنها تتلمس الأعذار لأجدادها الذين عاشوا بطيبة جعلتهم عمياناً لم يروا شيئاً من ثورة أكتوبر و كانوا لا يزالون يعتقدون وهم في فجرالعشرينات 1920 أنه بإمكانهم أن يستمروا في العيش في مناطقهم التي فقدوها في أوكرانيا والقرم .
إنها قصة تجعلك تعيش في روايات تولستوي . أبي كان ابن عم أمي يتقابلان كل صيف . وعندما كانت والدتي مراهقة، تعهدت بأنها ستتزوج من فلاديمير يوماً ما فقد كانت مبهورة بوسامته وشبهه مع غاري كوبر النجم الأمريكي المعروف وكذلك بهندامه الأبيض وبطولة الفارة . . الذي جعله يقع في سحر أميرة روسية جميلة أخرى في المنفى تزوجها لكنها توفيت بينما كانت تلد له صبياً . على إثر ذلك سعى أبي للعثور على أم مدبرة وعندها وجد ابنة عمه ماري بيلسكي . التي شاهدت عشرات الأشخاص يقتلون أمام عينيها . استطاعت ماري الوصول إلى رومانيا ثم فرنسا حيث كانت تحلم بأن تصبح ممثلة . هناك وظفها فلاديمير بهذه المهنة وتزوجها محققاً لها حلمها .
تتابع ماشا حديثها عن التقلبات التي عرفها والدها الوسيم فلاديمير الذي استمر بزراعة الكرمة التي لم تكن تكفيه لتسديد الفواتير لا سيما بعد أن ولدت له ابنتان . شغل فلاديمير وظيفة في مزرعة الحمضيات في الرباط وهو المكان الذي ولدت فيه ماشا التي تقول: "والدتي كانت تريد ولداً، عندما رأتني تجهم وجهها ولكن حصولي على جائزة "كادوم للطفل" والكادوم هو زَيت الكاد (قَطِرانُ العَرْعَرِ) وهي جائزة أسست في العام ،1907 هدأ من روعها بعض الشيء . أما بالنسبة إلى بقية الأمور، فلدي عدد قليل جداً من الذكريات . فعندما بلغت 5 سنوات تعرضت حياتنا لهزة كبيرة، ففي العام ،1945 أرسل أخي غير الشقيق الذي كان يبلغ من العمر 19 عاماً ويتمتع بطول فاره يبلغ ما يربو عن المترين وبوسامة والدي إلى الصفوف الأولى على الحدود الألمانية لكنه قتل قبل يوم من الهدنة . على إثر ذلك أراد أبي بأي ثمن استعادة جثته وركب القارب الأول متجهاً إلى باريس لكنه توفي بدوره بسبب مرض التيفوئيد . إنها مأساة تفسر سلوكي مع الرجال . فلقد كنت دائماً خائفة من أن يتخلى عني أحدهم .
بعد ذلك هاجرت العائلة إلى فرنسا، واستبدلت فيلا الرباط بمنزل صغير متواضع في بانيو . "تواصل ماشا: هناك، وسط البرد وقلة المال بل والفقر ، يمكن القول إن والدتي ارتجلت حياتنا وأيقظتها من سباتها ورتابتها . حكمتها في ذلك: بهجة العيش . وأعتقد أنني مثلها أحب البهجة في الحياة بل أعتبرها مثل عضلة من عضلات الجسم تحتاج إلى تدريب كل يوم . وأنا أزال أرى أسرتنا تقوم بزراعة الخضروات في الحديقة أو تجتمع حول المرجل في منزل متجمد، كانت تدعو الموسيقيين، والأصدقاء وكانت تحضر حفلات وتقيم مأكولات رائعة بالمعكرونة والنقانق فقط، وبهذه الطريقة تعلمت أنه إذا كنا فقراء، فيجب أن لا نجعل من ذلك عقدة تنغص علينا حياتنا .
في سن الخامسة عشر شجع أستاذ اللغتين اللاتينية واليونانية ماشا على تأسيس فرقة مسرحية وهذا ما كان بالفعل، فقد ترددت ماشا على أكبر المسارح كي تتعلم منها وتقابل أشهر الممثلات والفنانات في ذلك الوقت، وحصلت على الثانوية العامة بتقدير ممتاز والتحقت بجامعة السوربون . ويمكن القول إن هذه الفترة من الزمن هي ما تسميها ماشا بفترة "السندريللا " حيث عرفت فيها من جديد حياة الترف والبذخ والجاه بكل صورها وحكمتها في ذلك "المتعة الآن والزهد فيما بعد" . لكن ذلك كلفها حمل من رجل أربعيني وإجهاض سري في سويسرا لتكتشف بعد ذلك أن هذا الإجهاض جعلها عاقر . وفي ذلك تقول ماشا: حزنت قليلاً ولكن الحياة يجب أن تستمر لأن الأمومة ليست هي الشيء الوحيد في هذا العالم، وعلينا أن نفعل شيئاً آخر، ولذا تعلمت في تلك الفترة اللغة الإنجليزية وقيادة السيارة وحصلت على رخصة .
في ذلك الوقت التقت ماشا بالمخرج إيريك رومير الذي صور لها أول فيلم طويل "برج الأسد" وهو ما دفعها إلى تغيير اسمها روسي النغمة "جاجارينا" إلى ميريل أمريكي النغمة نسبة إلى مغنية الجاز التي تعشقها هيلين ميريل . بعدها مر كل شيء بسرعة فقد توجهت ماشا إلى نيويورك لتصور في استديو الممثلين فيلم "استراحة المقاتل" للمخرج فاديم . ثم ما لبثت أن التقت بالمخرج جودار الذي صور لها الفيلم الجريء جداً "إمرأة متزوجة" الذي وقف أمامه الفاتيكان ليمنعها من نيل الجائزة بسببه . لكن ماشا لم تكترث بل تابعت مسيرتها فيما سمي في ذلك الوقت بالموجة الجديدة فقد لبست أفخر الثياب ومثلت مع فنانين كبار أمثال مونتغومري كليفت ودوراس . وفي ذلك تقول ماشا : لقد فقدت نفسي محورها في تلك الآونة في تلك الفترة أي في العام 1964 التقت ماشا بالموسيقار ميشال لوجراند لكنه كان متزوجاً وهي مخطوبة ومع ذلك لم يمنعهما ذلك من الالتقاء في مناسبات عدة هنا وهناك إلا أنهما لم يريدا هدم حياتهما من أجل هذا الحب العنيف . عادت ماشا إلى فرنسا بعد فترة أقامتها في ريو بالبرازيل لتلتقي بالمنتج والمخرج الإيطالي جيان فيتوريو بالدي الذي طلبها للزواج . قبلت ماشا به لكن الزواج لم ينجح وقالت معلقة على ذلك: من الصعب جداً أن يطلب رجل امرأة للزواج لكن على كل حال أحببت العيش في روما لأنني وجدت روسيا في إيطاليا حيث الحياة مملوء ب"الحياة" . وذات يوم اشتريت حقوق رواية مورافيا "حب الزواج" وحولتها إلى فيلم في إيطاليا .
بعد الفترة الإيطالية عادت ماشا إلى باريس لتقع في حب شاب يصغرها بعشرين سنة وهو الممثل ستيفان فريس وتقول ماشا عن تلك الفترة: لقد دربته على الأدب والسينما ورغد العيش وحب الحياة وقد استمرينا 8 سنوات لكن هنا أيضاً عرفت معه مشكلة "الحماة" كما عرفتها سابقاً مع دو سيكا الذي كان يسرد لأمه ما حدث بيننا الليلة الماضية لكن هذه المرة كان المشكلة مختلفة إذ لم أكن يهودية الديانة مثله .
وتضيف ماشا: بعد هذه العلاقة كنت قد بلغت الخمسين وأحسست عندها باكتئاب لم أحسه أبداً في حياتي، وشعرت أنني امرأة غير قابلة للزواج، في هذه الفترة عكفت على الكتابة وبدأت بكتاب عن الطبخ الإيطالي أصبح فيما بعد من أفضل الكتب مبيعاً في المكتبات، ثم عرجت على كتابة الرواية بعد كتابة السيرة الذاتية ثم قدمت عدة مسرحيات وبرامج نالت صيتاً مثل "أدمغة كبيرة" فضلاً عن سلسلة من الكتب التي تطالب فيها النساء بالوقوف ضد دكتاتورية العمر والشيخوخة والاستمرار في حب الحياة حتى الرمق الأخير . في سن السبعين حاولت ماشا أن تسدل الستار على الرجال في حياتها إلا أن ميشال لوجراند ظهر فجأة خلال مسرحية عنوانها "علاقة حميمة" . والواقع أن هذا اللقاء كان بمثابة النفخ في الرماد الحامي إذ تقول ماشا: صحيح أن ميشال عمره 82 عاماً إلا أنني رأيت فيه روح شباب العشرين . ولقد شعرت أنه لم يزل يحن إلى تلك الأيام الثلاثة التي قضيناها سوياً في ريو في العام 1964 . لقد قال لي على الفور أريد أن أتزوجك ولم أكد أصدق أننا اجتمعنا سوياً بعد هذا العمر خاصة أنني كنت أعد نفسي كي أعيش وحيدة . ولكنني فهمت أخيراً لماذا كانت علاقاتي لا تنجح مع الرجال الذين ارتبطت بهم لأنني كنت أنتظر عودة ميشال .
لم تتغير ماشا ميريل التي تبلغ من العمر 74 عاماً منذ زواجها في 18 سبتمبر/أيلول الماضي من ميشال لوجراند، الملحن الفرنسي المعروف الذي يبلغ من العمر 82 عاماً، فهي مازالت ضاحكة وحيوية وأنيقة، كما كانت دائماً . نظراتها حادة وجهها يبدو نضراً رغم بعض التجاعيد أما جسدها، فما زال يقاوم ببسالة فهي لم تزل تجلس منتصبة الظهر والكتفين تتفوه بلسان فصيح وذهن يقظ يشعرك بأنها حاضرة كي تطرح عليها أي سؤال . وإن شئت الاختصار فقل إنها تمثال قوي مقاوم لويلات الزمن .
ماشا ميريل هي ممثلة فرنسية معروفة اسمها الحقيقي هو ماريا ماجدالينا فلاديمير وفانا جاجارينا . ولدت كأميرة في الرباط بالمغرب عام 1940 من أم أوكرانية اسمها ماري بيلسكي تنحدر من أسرة نبيلة وأب أمير هو فلاديمير جاجارينا . كان ماشا قد نفيا مع جميع أفراد عائلتهما إلى كوت دازور بفرنسا على إثر اندلاع ثورة 1917 ثم قررا الاستقرار في الرباط لقيام الأب الأمير بعمل أبحاث على نبتة الكرمة لتستقر العائلة بعدها في منطقة أونتيب بجنوب فرنسا . المعروف عن ماشا أنها ممثلة قديرة عاشت حياة مرفهة لكنها لم تخل من العواصف القوية . وهي عضو في برنامج "أدمغة كبيرة" المعروف في فرنسا وممثلة مما سمي بالموجة الجديدة . رصيدها الفني يتكون من نحو 45 فيلمًا سينمائياً وثلاثين فيلماً تلفزيونياً إلى جانب عشرات المسرحيات والروايات والكتب المتنوعة في مجالات عدة . اجتذبت ماشا أيضاً المخرجين الشبان وعرفت الحب، وعانت محناً شديدة .
سرها في ذلك كما تؤكد أنها كانت دائماً فتاة مشاكسة، حيث تقول: حتى سن 5 سنوات، كنت أتغذى على الخضروات "المسمدة بروث الحمير" فلقد ولدت في المغرب وكان والدي مهندس زراعي فبالإضافة إلى أبحاثه على بساتين البرتقال، كان يدير مزرعة يزرع فيها كل الخضروات بطريقة طبيعية ولذا لم أعان في حياتي من أمراض في الأسنان أو العظام وأعتقد أن تمتعي بصحة جيدة هو جزء من هويتي الروسية الأصلية . وتضيف ماشا: "لقد جئت من عالم الأرستقراطيين المتراخي اللاواعي الذي عاش عيشة الأمراء على أراضٍ شاسعة لم يتغير فيها شيء منذ العام 1000 . وكان جدي والد أبي يمتلك 000 .60 فدان وكان يعيش محاطاً ب 40 خادماً . وكانت والدتي، قبل أن تنضم إلى مدرسة النبلاء في كييف، تجهل وجود الأوراق النقدية حتى سن ال 14 إذ لم يسبق لها أن رأت عملة نقدية . ." . وبما أن ماشا عاشت شبابها خلال الفترة الماركسية فإنها لم تنس طريقتها النقدية لكل شيء إلا أنها تتلمس الأعذار لأجدادها الذين عاشوا بطيبة جعلتهم عمياناً لم يروا شيئاً من ثورة أكتوبر و كانوا لا يزالون يعتقدون وهم في فجرالعشرينات 1920 أنه بإمكانهم أن يستمروا في العيش في مناطقهم التي فقدوها في أوكرانيا والقرم .
إنها قصة تجعلك تعيش في روايات تولستوي . أبي كان ابن عم أمي يتقابلان كل صيف . وعندما كانت والدتي مراهقة، تعهدت بأنها ستتزوج من فلاديمير يوماً ما فقد كانت مبهورة بوسامته وشبهه مع غاري كوبر النجم الأمريكي المعروف وكذلك بهندامه الأبيض وبطولة الفارة . . الذي جعله يقع في سحر أميرة روسية جميلة أخرى في المنفى تزوجها لكنها توفيت بينما كانت تلد له صبياً . على إثر ذلك سعى أبي للعثور على أم مدبرة وعندها وجد ابنة عمه ماري بيلسكي . التي شاهدت عشرات الأشخاص يقتلون أمام عينيها . استطاعت ماري الوصول إلى رومانيا ثم فرنسا حيث كانت تحلم بأن تصبح ممثلة . هناك وظفها فلاديمير بهذه المهنة وتزوجها محققاً لها حلمها .
تتابع ماشا حديثها عن التقلبات التي عرفها والدها الوسيم فلاديمير الذي استمر بزراعة الكرمة التي لم تكن تكفيه لتسديد الفواتير لا سيما بعد أن ولدت له ابنتان . شغل فلاديمير وظيفة في مزرعة الحمضيات في الرباط وهو المكان الذي ولدت فيه ماشا التي تقول: "والدتي كانت تريد ولداً، عندما رأتني تجهم وجهها ولكن حصولي على جائزة "كادوم للطفل" والكادوم هو زَيت الكاد (قَطِرانُ العَرْعَرِ) وهي جائزة أسست في العام ،1907 هدأ من روعها بعض الشيء . أما بالنسبة إلى بقية الأمور، فلدي عدد قليل جداً من الذكريات . فعندما بلغت 5 سنوات تعرضت حياتنا لهزة كبيرة، ففي العام ،1945 أرسل أخي غير الشقيق الذي كان يبلغ من العمر 19 عاماً ويتمتع بطول فاره يبلغ ما يربو عن المترين وبوسامة والدي إلى الصفوف الأولى على الحدود الألمانية لكنه قتل قبل يوم من الهدنة . على إثر ذلك أراد أبي بأي ثمن استعادة جثته وركب القارب الأول متجهاً إلى باريس لكنه توفي بدوره بسبب مرض التيفوئيد . إنها مأساة تفسر سلوكي مع الرجال . فلقد كنت دائماً خائفة من أن يتخلى عني أحدهم .
بعد ذلك هاجرت العائلة إلى فرنسا، واستبدلت فيلا الرباط بمنزل صغير متواضع في بانيو . "تواصل ماشا: هناك، وسط البرد وقلة المال بل والفقر ، يمكن القول إن والدتي ارتجلت حياتنا وأيقظتها من سباتها ورتابتها . حكمتها في ذلك: بهجة العيش . وأعتقد أنني مثلها أحب البهجة في الحياة بل أعتبرها مثل عضلة من عضلات الجسم تحتاج إلى تدريب كل يوم . وأنا أزال أرى أسرتنا تقوم بزراعة الخضروات في الحديقة أو تجتمع حول المرجل في منزل متجمد، كانت تدعو الموسيقيين، والأصدقاء وكانت تحضر حفلات وتقيم مأكولات رائعة بالمعكرونة والنقانق فقط، وبهذه الطريقة تعلمت أنه إذا كنا فقراء، فيجب أن لا نجعل من ذلك عقدة تنغص علينا حياتنا .
في سن الخامسة عشر شجع أستاذ اللغتين اللاتينية واليونانية ماشا على تأسيس فرقة مسرحية وهذا ما كان بالفعل، فقد ترددت ماشا على أكبر المسارح كي تتعلم منها وتقابل أشهر الممثلات والفنانات في ذلك الوقت، وحصلت على الثانوية العامة بتقدير ممتاز والتحقت بجامعة السوربون . ويمكن القول إن هذه الفترة من الزمن هي ما تسميها ماشا بفترة "السندريللا " حيث عرفت فيها من جديد حياة الترف والبذخ والجاه بكل صورها وحكمتها في ذلك "المتعة الآن والزهد فيما بعد" . لكن ذلك كلفها حمل من رجل أربعيني وإجهاض سري في سويسرا لتكتشف بعد ذلك أن هذا الإجهاض جعلها عاقر . وفي ذلك تقول ماشا: حزنت قليلاً ولكن الحياة يجب أن تستمر لأن الأمومة ليست هي الشيء الوحيد في هذا العالم، وعلينا أن نفعل شيئاً آخر، ولذا تعلمت في تلك الفترة اللغة الإنجليزية وقيادة السيارة وحصلت على رخصة .
في ذلك الوقت التقت ماشا بالمخرج إيريك رومير الذي صور لها أول فيلم طويل "برج الأسد" وهو ما دفعها إلى تغيير اسمها روسي النغمة "جاجارينا" إلى ميريل أمريكي النغمة نسبة إلى مغنية الجاز التي تعشقها هيلين ميريل . بعدها مر كل شيء بسرعة فقد توجهت ماشا إلى نيويورك لتصور في استديو الممثلين فيلم "استراحة المقاتل" للمخرج فاديم . ثم ما لبثت أن التقت بالمخرج جودار الذي صور لها الفيلم الجريء جداً "إمرأة متزوجة" الذي وقف أمامه الفاتيكان ليمنعها من نيل الجائزة بسببه . لكن ماشا لم تكترث بل تابعت مسيرتها فيما سمي في ذلك الوقت بالموجة الجديدة فقد لبست أفخر الثياب ومثلت مع فنانين كبار أمثال مونتغومري كليفت ودوراس . وفي ذلك تقول ماشا : لقد فقدت نفسي محورها في تلك الآونة في تلك الفترة أي في العام 1964 التقت ماشا بالموسيقار ميشال لوجراند لكنه كان متزوجاً وهي مخطوبة ومع ذلك لم يمنعهما ذلك من الالتقاء في مناسبات عدة هنا وهناك إلا أنهما لم يريدا هدم حياتهما من أجل هذا الحب العنيف . عادت ماشا إلى فرنسا بعد فترة أقامتها في ريو بالبرازيل لتلتقي بالمنتج والمخرج الإيطالي جيان فيتوريو بالدي الذي طلبها للزواج . قبلت ماشا به لكن الزواج لم ينجح وقالت معلقة على ذلك: من الصعب جداً أن يطلب رجل امرأة للزواج لكن على كل حال أحببت العيش في روما لأنني وجدت روسيا في إيطاليا حيث الحياة مملوء ب"الحياة" . وذات يوم اشتريت حقوق رواية مورافيا "حب الزواج" وحولتها إلى فيلم في إيطاليا .
بعد الفترة الإيطالية عادت ماشا إلى باريس لتقع في حب شاب يصغرها بعشرين سنة وهو الممثل ستيفان فريس وتقول ماشا عن تلك الفترة: لقد دربته على الأدب والسينما ورغد العيش وحب الحياة وقد استمرينا 8 سنوات لكن هنا أيضاً عرفت معه مشكلة "الحماة" كما عرفتها سابقاً مع دو سيكا الذي كان يسرد لأمه ما حدث بيننا الليلة الماضية لكن هذه المرة كان المشكلة مختلفة إذ لم أكن يهودية الديانة مثله .
وتضيف ماشا: بعد هذه العلاقة كنت قد بلغت الخمسين وأحسست عندها باكتئاب لم أحسه أبداً في حياتي، وشعرت أنني امرأة غير قابلة للزواج، في هذه الفترة عكفت على الكتابة وبدأت بكتاب عن الطبخ الإيطالي أصبح فيما بعد من أفضل الكتب مبيعاً في المكتبات، ثم عرجت على كتابة الرواية بعد كتابة السيرة الذاتية ثم قدمت عدة مسرحيات وبرامج نالت صيتاً مثل "أدمغة كبيرة" فضلاً عن سلسلة من الكتب التي تطالب فيها النساء بالوقوف ضد دكتاتورية العمر والشيخوخة والاستمرار في حب الحياة حتى الرمق الأخير . في سن السبعين حاولت ماشا أن تسدل الستار على الرجال في حياتها إلا أن ميشال لوجراند ظهر فجأة خلال مسرحية عنوانها "علاقة حميمة" . والواقع أن هذا اللقاء كان بمثابة النفخ في الرماد الحامي إذ تقول ماشا: صحيح أن ميشال عمره 82 عاماً إلا أنني رأيت فيه روح شباب العشرين . ولقد شعرت أنه لم يزل يحن إلى تلك الأيام الثلاثة التي قضيناها سوياً في ريو في العام 1964 . لقد قال لي على الفور أريد أن أتزوجك ولم أكد أصدق أننا اجتمعنا سوياً بعد هذا العمر خاصة أنني كنت أعد نفسي كي أعيش وحيدة . ولكنني فهمت أخيراً لماذا كانت علاقاتي لا تنجح مع الرجال الذين ارتبطت بهم لأنني كنت أنتظر عودة ميشال .