كل من تعرف إلى آداب الإسلام وأخلاقياته يدرك أن هذا الدين العظيم يربي المسلم على فضيلة الستر على إخوانه المسلمين، وتجنب كل ما فيه كشف عوراتهم، والتفاني في خدمتهم، والإخلاص في مساعدتهم، وقضاء حوائجهم، ذلك أن لأخوة الإسلام حقوقاً تستوجب على المسلم أن يكون متعاوناً متعاطفاً متآلفاً متحاباً، يعين أخاه المسلم ويستره ويجعل من حياته ينابيع بر وخير تفيض على من حوله.
إن مجتمع الإسلام مجتمع متضامن متآلف، إذا حل بواحد منه كرب أسرع الآخر إلى تنفيسه، وإذا رآه يحتاج إلى الستر ستره، أو يحتاج إلى المعاونة أعانه، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
وستر المسلم لأخيه المسلم في الدنيا، يكافئه الله تعالى عليه في الآخرة، والجزاء من جنس العمل، وهذه المكافأة أسمى وأكرم حيث تأتي في وقت تبلغ الحاجة فيه مداها، ففي يوم القيامة لا تخفى أسرار ولا يكتم أمر، وتجد كل نفس ما عملت محضراً سواء كان خيراً أو شراً، ولكن الستر الإلهي يُظلل الجماعة المؤمنة ويظلل أولئك الذين ستروا عباد الله في الدنيا، فلم يتتبعوا عوراتهم ولم يتجسسوا عليهم، يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة».
وليس في الستر على المسلم تغطية على خطيئة أو مواطأة على منكر، ولا سكوت على معصية، وإنما المراد ستر عورته، والبعد عن فضيحته، والاجتهاد في نصحه، والحفاظ على حرمته وكرامته، وفي هذا صيانة لحقوق الأخوة، وإفساح المجال أمام الفضيلة، والتضييق على الرذيلة، ومن واجب المسلم في كل وقت وفي كل مكان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بكل وسيلة يستطيع بها مقاومة المنكر، فإن استطاع أن يغير المنكر بيده غيره، وإن استطاع أن يغيره بلسانه فعل، وإلا بقلبه، كما جاء في الحديث الصحيح: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
وإذا كان من حق المسلم على أخيه المسلم ستر عورته وصيانة حرمته، فإن إيذاء المسلمين بمحاولة كشف عوراتهم، أو تتبع أسرارهم أو التجسس عليهم جريمة كبيرة في نظر الإسلام يستحق صاحبها العذاب من الله ومؤاخذته بمثل جريمته، فقد صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ونادى بصوت رفيع: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله»، ونظر ابن عمر رضي الله عنهما يوماً إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وما أعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.
والستر يعني أن توجه النصيحة وتقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دون أن تفضح.. فلا يجوز أن يتستر المسلم على جريمة تلحق أذى بآخرين أو تضر المجتمع، وهناك مخالفات وتجاوزات لا يجوز السكوت عنها والتستر على مرتكبيها، فلو وجدت مثلاً شخصاً يتاجر في المخدرات، فواجبك الديني أن توجه له النصيحة بالكف عن ذلك حماية لنفسه ولأهله من الكسب الحرام وحماية للمجتمع من الخسائر الكبيرة التي تلحق به أخلاقياً وصحياً وأمنياً واقتصادياً نتيجة ترويج هذه السموم وتداولها بين الناس.. فإذا كف هذا الشخص عن الاتجار في هذه المحرمات وأنقذ نفسه وأهله ومجتمعه من الهلاك، فقد أديت واجبك ونهيت عن منكر وسوف يثيبك الله عز وجل على ذلك.. لكن إذا كابر وعاند ولم يكف عن خطيئة الاتجار في المخدرات فقد أصبحت مطالباً شرعاً بالإبلاغ عنه، حتى تلاحقه الأجهزة الأمنية والقضائية المسؤولة عن حماية المجتمع.
*عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر