كان خالد بن الوليد رضي الله عنه فتى ناشئاً يوم ظهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة الجديدة . فنفر منها، كما نفر قومه بنو مخزوم . وكان موقف بني مخزوم أمام الإسلام، موقف من ينافح عن عزته وعزة بيته، وعزة آبائه وأجداده، وعزة النظام الاجتماعي كله، كما عرفته الجاهلية أحقاباً بعد أحقاب . وهو النظام الذي يقومون به، فيقوم بهم .
وقد أبلى أبوه الوليد بن المغيرة بلاءً شديداً في محاربة الدعوة الإسلامية . وسعى وقومه من بني مخزوم إلى عم النبي أبي طالب، ليسلمهم محمداً صلى الله عليه وسلم أو يتخلى عنه، مقدماً ابنه عمارة بن الوليد بديلاً منه . وقد وصفوه لأبي طالب فقالوا عن عمارة، بأنه أنهد الفتيان وأشعرهم وأجملهم في قريش، فرفض أبو طالب دعوتهم، فعادوا من حيث أتوا . ثم عاودوا الكرة مع النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وقد استفاض الإسلام بين القبائل، وفاوضوه أن يشاطروه أموالهم، شرط أن يسكت عن أربابهم وعباداتهم، وفي ذلك يقول القرآن الكريم في سورة الأحزاب، كما جاء في أسباب النزول: ولا تطع الكافرين والمنافقين .
وقفة مع النفس
ويبدو أن خالداً كان يراجع أمره، ووالده على فراش الموت، حتى إذا مضى زمن على موت أبيه، كان قائد الميمنة في وقعة أحد التاريخية . وقد تولّى الهجمة التي أمالت كفة الحرب إلى جانب قريش . إذ قتل في هذه الموقعة حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم وسبعون من الأنصار . وأرجف المرجفون بالنبي وكبار الصحابة . فشاع أن النبي قتل، وأن أبا بكر وعمر من القتلى .
واشترك خالد في وقعة الأحزاب أو وقعة الخندق والتي كانت من أهول الغزوات على المسلمين، بحيث أوشكت أن تحيق بهم دوائرها، لولا استشراء الفتنة بين أحزاب قريش، وهبوب الريح التي عصفت ببيوتهم وقدورهم . وقد يئست قريش من اقتحام الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة . وفي هذه الغزوة يقول القرآن الكريم: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود، فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها . وكان الله بما تعملون بصيراً . إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم . وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر . وتظنون بالله الظنون . هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً .
كذلك تصدّى خالد مرة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم في سنة الحديبية وهو في طريقه إلى مكة . وكان النبي قد خرج إليها معتمراً، فأوجست قريش خيفة أن يكون قدومه إلى البيت الحرام للقتال وليس للعمرة . وندبوا خالداً في مئتي فارس لملاقاته . وقد صلّى النبي صلاة الظهر . وهم خالد بأن يغير عليه، لولا نخوة من الفروسية، أبت عليه العدوان على المسالم . وقال خالد يصف ذلك بعد إسلامه: هممنا أن نغير عليه . ثم لم يعزم لنا . وكان فيه خيرة . فاطلع على ما في أنفسنا من الهجوم به . فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف . فوقع ذلك مني موقعاً . وقلت الرجل ممنوع .
رسالة من الوليد
وظل خالد أسير عنته من الإسلام، إلى أن انقسم بيت المغيرة، بين من لحق بالإسلام منهم، وبين من ظل على عنته من الإسلام . وقد أقبل أخوا خالد الحبيبان إلى قلبه على الإسلام، وهما الوليد وهشام . وكان لطالما يتذكر أباه الوليد، يوم أصغى إلى القرآن، فحدّث آل بيته عنه ذلك الحديث الذي أشجاهم، فحسبوه قد صبأ عن دينه . كذلك يتذكر يوم شهد سكينة المسلمين في طريق الحديبية، وهم قائمون للصلاة، وسرى في روعه أن لمحمد لسراً وأن الرجل لممنوع .
ولم يترك خالد لنفسه . إذ لم يلبث أن جاءته الدعوة التي تنصره على عناده وتخرجه من تردده برسالة من أخيه الوليد جاء فيها: أما بعد . . . فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك . ومثل الإسلام يجهله أحد؟ ثم مضى يقول له: سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به . فقال: ما مثل خالد يجهل الإسلام . ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين، لكان خيراً له . ولقدمناه على غيره . . فاستدرك يا أخي ما فاتك منه، فقد فاتتك مواطن صالحة .
وكان إسلام خالد ضرباً من التسليم الروحي والنفسي، ولهذا رأى أن يستغفر له النبي صلى الله عليه وسلم عن ماضيه، فقال: يا رسول الله: قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معانداً عن الحق . فادع الله أن يغفرها لي . . . فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام: إن الإسلام يجب ما كان قبله . فعاد خالد يؤكد رجاءه، ويقول: يا رسول الله، وعلى ذلك! فدعا النبي ربّه: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كلّ ما أوضح فيه من صدّ عن سبيلك . فرضي خالد واستراح .