في إمارة مفعمة بالجمال والحياة وسحر التطور العمراني واختلاطه بالتحف التراثية والتاريخية، يقع متحف الخيل الذي يشكل بوجوده ومعلوماته الغنية عن حياة الخيل وتاريخها في العالم وفي الإمارات تحديداً، إضافةً تحسب لدبي ولمكانتها الاستراتيجية ومخزونها الثقافي والتراثي .

ليس صعباً على الناس الذهاب إلى متحف الخيل، فيكفي القول إنه يقع في منطقة الشندغة التاريخية، التي تعتبر من أهم المواقع والمناطق التي تعج بسحر الحضارة الإماراتية وبتراثها العربي الأصيل .

المتحف يجاور نظيره متحف الإبل على يمين شارع الخليج باتجاه نفق الشندغة نحو منطقة الممزر، وينتصف متحف الخيل بين الشارع المذكور وخور دبي، الذي تمتد على طوله المساجد والبيوت التراثية، فضلاً عن المقاهي والمطاعم التي تنشط ليلاً في مربع هذه المنطقة المأهولة بالثقافة والتراث المحلي .

يقابل متحف الخيل بيت المغفور له الشيخ سعيد آل مكتوم، وقد شيد في الأربعينات من القرن الماضي في منطقة الشندغة، حتى يكون منزلاً للمغفور لها الشيخة موزة بنت سعيد آل مكتوم .

وتبلغ مساحة المبنى 698 متراً مربعاً، ويقل عن ستة أمتار بقليل، في حين يتكون المبنى الذي يأخذ شكل المربع، من طابقين، أحدهما أرضي تتوزع في كل ضلع من أضلاعه عدد من الغرف، وينتصف فناء واسع بينها، وهناك طابق علوي يحوي غرفة واحدة فقط، وللمبنى مدخلان، أحدهما شرقي والثاني جنوبي .

يحدثنا رشاد بوخش مدير إدارة التراث العمراني في بلدية دبي، بأن الخيل جزء من التراث العربي والإسلامي، وأن العرب اهتموا بها وبأصولها، وكانوا يتسابقون لاقتناء الجياد العتاق التي هي المال عندهم .

ويقول: إن إنشاء مثل هذا المتحف في دبي يجسد الاهتمام الذي أولاه العرب وأهل الإمارات للخيل، حيث كان يستخدم في التنقل والترحال وهو جزء من تراث هذه المنطقة، ويستخدم الآن في السباقات المحلية والعالمية .

المتحف يفتح أبوابه كل أسبوع ما عدا يومي الجمعة والسبت، من الثامنة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، ويستقبل جميع الزوار والسياح، والدخول مجاني إليه بهدف التعرف إلى تاريخ الخيل وأهميتها عند العرب وفي الإمارات تحديداً .

المبنى مكون من 16 غرفة، وباستثناء المدبس وغرفة الهدايا والكهرباء والإدارة توجد 13 غرفة وجميعها مخصصة للخيل من حيث تاريخها وسلالاتها وجسمها، إضافة إلى صفاتها وطرق العناية بها، والخيل والعرب والخيل في الأدب العربي والخيل في الإمارات، وسباقات الخيل وأدواتها .

معلومات قيمة

تحوي الغرفة الأولى معلومات قيمة عن تاريخ الخيل، وقد اختلف علماء الجيولوجيا في وجودها، حيث تم تقدير هذا الوجود في حقبة الحياة الحديثة (حقبة السينوزوي) التي تضم العصور الآتية: فترة العصر البليوسيني (65 54) مليون سنة، حيث ظهرت بها خيول صغيرة الحجم .

وفترة العصر الإيوسيني، وهو الذي امتد من (54 38) مليون سنة، حيث ظهرت أسلاف الخيول، وفترة العصر الأوليجوسيني، وهو الذي امتد من (38 24) مليون سنة، والعصر الميوسيني وهو الذي امتد من (24 5) مليون سنة، والعصر البيلوسيني وهو الذي امتد من (5 8 .1) مليون سنة .

وفي المنطقة العربية تحديداً، انتشرت الخيل العربية إلى أجزاء عدة من العالم في فترات السلم والحرب، وكذلك عن طريق التجارة والفتوحات، وكان انتشارها على النحو الآتي: القرن الخامس قبل الميلادي، حيث دخلت الخيل العربية أفريقيا عن طريق مصر مع عرب الهكسوس، وفي العام 710 ميلادي، كان أول دخول لها إلى أوروبا عن طريق إسبانيا على يد طارق بن زياد، وفي العام 800 ميلادي، دخلت فرنسا في عهد هارون الرشيد، وبين العامين (1096 1270) للميلاد، امتلك الأوروبيون بعض الأفراس العربية التي وقعت في الأسر خلال الحروب الصليبية، وفي العام 1511 ميلادي، وصلت إلى أمريكا، وأوائل القرن السادس عشر، وصلت الأحصنة العربية إلى روسيا، وفي العام ،1817 أنشئ أول مربط للخيل العربي في ألمانيا، في حين ما بين 1817 و1819 كان وصول أول خيل عربي أصيل إلى بولونيا عن طريق تركيا، وفي العام 1818 وصلت الخيل العربية إلى المجر والنمسا مع الجيش العثماني .

جبل الظنة ومليحة

تدل الحفريات والتنقيبات الأثرية إلى وجود الخيل في أرض الإمارات قديماً، فهي كما جزيرة العرب، تشكل أرض حضارة وامتداداً للحضارة والثقافة العربية والإسلامية، وأرضها خصب ونماء، حيث كانت تستخدم الخيل وقتها للركوب والجر .

وفي العام 1979 عثر العالم بيتر وايبرو المختص بالعصر البليوسيني والذي عمل في متحف التاريخ الطبيعي في العاصمة البريطانية لندن، على آثار لأسنان خيل في الصخور الرملية قرب جبل الظنة في إمارة أبوظبي .

وفي موقع مليحة جنوب منطقة الذيد في إمارة الشارقة، عثر المنقبون على مقبرة كبيرة تضم خيولاً وجمالاً دفنت بجوار أصحابها كجزء من معتقدات دينية في تلك الحقبة، كما تم العثور على جمل وخيل دفنا إلى جانب بعضهما البعض، إضافة إلى رأس خيل مدفونة بكامل لجامها المؤلف من حلقات معدنية مزينة بعشرة أقراص ذهبية مزخرفة .

استخدامات مختلفة

في غرفة سلالات الخيل التي تجاور غرفة قبلها تحمل اسم المدبس، سألنا المرشد السياحي يونس عبدالله عن سبب وجودها، فأخبرنا بأنها ربما تكون خاصة بأصحاب البيت في فترة الأربعينات من القرن الماضي، وحيث يوجد فيها مكان مخصص لوضع التمور وتدبيسها وتخزين الدبس .

تحوي الغرفة المخصصة على سلالات الخيل، معلومات تتضمن السلالات الأفريقية والاسكندنافية، وسلالات الخيل العربية والسلالات الإقليمية والسلالات الأوروبية والأمريكية، ويلاصق هذه الغرفة أخرى تتضمن أصول سلالات الخيل وقصة أول خيل عربية، إضافة إلى علاقة الإنسان بالخيل وألوانها والبياض في جبهتها .

بالنسبة إلى السلالات الإفريقية والاسكندنافية، يرى بعض المؤرخين أن أصول كل الخيول عربية وانقسمت إلى عدة سلالات عالمية، منها الإفريقية والاسكندنافية والأوروبية والأمريكية، وتعرف السلالة الأفريقية من الخيول باسم بربري، وهو جنس عربي الأصل، ساعد على تكوين أجناس أخرى، وألوانه الأسود والرصاصي والبُنّي .

أما السلالة الاسكندنافية، فمنها الفيورد الذي يتميز بلونه وخصلة شعره الأصفر مخلوطاً بالرصاصي، والليتواني الذي يستخدم للجر والركوب ولونه بني وأسود، والسويدي ودمه ساخن وهو مهجن، حيث يستخدم في الركوب والسباق وفي سلاح الفرسان .

ومن السلالات الأوروبية، الإنجليزي الذي يعتبر خليطاً من الجنسين العربي والإنجليزي، ويمتاز بصدر واسع وظهر ضيق وأفخاذ خفيفة، ويوصف بالرشاقة والنشاط والاندفاع والذكاء والوداعة، وأما السلالات الأمريكية فمنها الموستانج، ووزنه خفيف وسيقانه طويلة وحوافره قوية، وسيسي أمريكا، ويشيع فيه اللون الأبيض مع بقع بنية مُحمَرَّة، وشيتلاند الذي يستخدم في تعليم الركوب وقيادة العربات .

وبالحديث عن السلالات الأفريقية، صنفت الخيول العربية قديماً حسب البيئة التي عاشت فيها، إذ هناك الخيل الحجازية، وهي ذات أحداق سوداء جميلة، وحوافر صلبة وأرساغ متينة، وتوجد النجدية وهي طويلة الأعناق، مكورة الهامة، عجفاء الوجه وقليلة لحم الفخذ، دقيقة الآذان عريضة الأرداف رحبة البطون غليظة الأفخاذ .

وهناك الخيول اليمنية، وهي مكورة الأبدان وقصيرة الأعناق، خشنة القوام وحادة الأرداف وخفيفة الجوانب، وتوجد الشامية، وهي جميلة الألوان وواسعة العينين، صلعاء الجبهة ولينة الحوافر، متسعة الأشداق .

وتعتبر الخيول المصرية طويلة الأعناق، حادة الآذان وقليلة الشعر، دقيقة القوائم وطويلة الأصابع، في حين شكل الخيول البرقية نسبةً إلى ليبيا الآن خشنة البدن وكبيرة الرأس، غليظة القوائم، متسعة الحوافر، وأما المغربية فهي عظيمة الأعناق وشعر ذيلها طويل وغليظة القوائم .

أصول السلالات

يعود تاريخ سلالة الخيول العربية إلى أكثر من 7 آلاف عام، حيث اهتم العرب بخيولهم وحرصوا كل الحرص على ألا تختلط دماؤها بدماء غيرها من الخيول المهجنة، وحافظوا على أنسابها، ويجمع معظم فرسان الخيل في البادية العربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، على أن سلالات الخيول العالية الأصل تنسب إلى خمسة أصول أساسية هي: (كحيلة) وجاء اسمها من سواد العينين .

وهناك خيل (عبية)، واسمها جيء من حفظ عباءة راكبها، بالإضافة إلى خيل (دهمة)، التي تميز من قتامة لونها، و(شويمة) التي تبين وجود شامات عليها، و(صقلاوية) التي جاء اسمها من صقالة شعرها .

الزائر للمتحف يلاحظ وجود المعلومات التعريفية عن الخيل باللغتين العربية والإنجليزية، ذلك أن السياح على سبيل المثال، يرتادون مثل هذه المتاحف للاطلاع على الثقافة والموروث المحلي والعربي الإسلامي .

وكنا قد سألنا رشاد بوخش، عن نوعية مرتادي وزائري المتحف، فأجابنا بأن 50% منهم سياح، والنصف الآخر هم من طلبة المدارس، آملاً أن ترتفع نسبة الزائرين من المواطنين إلى مثل هذه المتاحف، للاطلاع على ثقافة وتراث وحضارة بلدهم، وتتضمن غرفة أصول سلالات الخيل، موضوعاً عن قصة انتشار أول خيل عربية، وتخبرنا القصة أن ابن الكلبي روى أن قوماً من الأزد من أهل عمان قدموا على سليمان بن داود عليهما السلام، بعد تزوجه بلقيس ملكة سبأ، فسألوه عما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، حتى قضوا من ذلك ما أرادوا وهموا بالانصراف، فقالوا: يا نبي الله إن بلدنا شاسع وقد أنفقنا من الزاد، فَمُر لنا بزاد يبلغنا بلادنا . فدفع إليهم سليمان فرساً من خيله وقال هذا زادكم، فإذا نزلتم فاحملوا عليه رجلاً وأعطوه مطرداً (الرمح القصير) أوروا ناركم فإنكم لن تجمعوا حطبكم وتوروا ناركم حتى يأتيكم الصيد .

وحسب القصة، جعل القوم لا ينزلون منزلاً إلا حملوا على فرسهم رجلاً بيده مطرد واحتطبوا وأوروا نارهم، فلا يلبث أن يأتيهم بصيد من الظباء الحمر فيكون ما يكفيهم ويشبعهم، فقال الأزديون ما لفرسنا هذا اسم إلا زاد الركب، فكان أول فرس انتشر في العرب من تلك الخيل، فلما سمعت بنو تغلب أتوهم فاستطرقوهم فنتج لهم من زاد الركب الهجيس، فكان أجود من زاد الركب، وكان من مشاهير خيلهم .

هاتان الغرفتان مخصصتان لوصف الجسم والهيكل العظمي والأحشاء الداخلية والجهاز العضلي والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي، وهناك صور معروضة تبين شرحاً للجسم الداخلي للخيل، إضافة إلى صفاته وجمال رأسه، والعنق والعرف وقوة المتن، ورهافة الحس والأنف والفم واللسان وجمال الصفات التي يتمتع بها الحصان . أيضاً تشير غرفة العناية بالخيل إلى معلومات مفيدة عن طرق العناية به والأمراض الشائعة في الخيل وكيفية تربيته وتغذيته وأنواع العلف المستخدم له .

عناية بالغة

تضم غرفة الخيل والعرب أرشيفاً معلوماتياً عن الخيل في العصور الإسلامية والخيل في العصر الجاهلي والخيل في القرآن، والخيل في السنة النبوية، وأسماء خيل الرسول صلى الله عليه وسلم .

وفي الغرفة المحاذية لها، تتناول الخيل في الأدب العربي، معلومات عن الخيل في اللغة العربية ومراحل عمر الخيل، وصوتها وعدوها، إضافة إلى أوصافها، والخيل في الشعر الجاهلي والخيل في الشعر الإسلامي وفي الأمثال العربية .

ومعروف أن جودة الخيول العربية تعود إلى مئات من السنين، قضاها العرب يعتنون بها أشد الاعتناء، فنتجت أفضل سلالات الخيل في العالم، وكان الخيل في العصر الجاهلي، رفيق العربي في حله وترحاله وصيده، فكان نعم الرفيق والمؤنس في الفيافي الشاسعة والبراري الممتدة، ومن أجل هذا وغيره، احتفى العربي بالخيل أيما احتفاء، واعتنى به عناية بالغة الأهمية عند سائر الشعوب .

وفي هذه الغرفة موضوعات عن آل مكتوم والخيل وبني ياس والخيل، ونوادي الفروسية والسباق في دبي، ومشهور عن آل مكتوم حبهم وتعلقهم بالفروسية منذ زمن طويل، فهم فرسان لهم مكانتهم في هذه الرياضات، ومعروفون بحبهم للخيل كقيمة تراثية أصيلة تخلد ذكرى الآباء والأجداد، ومن هنا يتأكد تشجيعهم المنقطع النظير لسباقات الخيل .

وفي هذه الأسرة الكريمة يظهر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والفارس الذي عرفت عنه شجاعته وفروسيته وعنايته بالخيل، والذي عرف وجَّه بإقامة اسطبلات غودولفين في دبي، حيث واصلت سيطرتها على سباقات الخيل لتفوز بسباقات المجموعات الأولى وغيرها من السباقات المصنفة وذلك بانتظام . وباهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فإن اسطبلات غودولفين ساهمت في إرساء مكانة دبي لتكون اليوم واحدة من أهم مراكز سباقات الخيل في العالم .

وتتضمن هذه الغرفة قصيدة كأس دبي العالمي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والفروسية في الإمارات، في حين تحوي غرفة سباقات الخيل، موضوعات وصوراً لاسطبلات غودولفين، وبجوارها غرفة أدوات الخيل التي تبين لباس الفارس وأدوات الخيل المستخدمة أثناء السباق .

أما بالنسبة إلى الفروسية في الإمارات، فمنذ عصور موغلة في التاريخ والخيل ملازمة الإنسان، فهي أعز صديق وظهرها خير مكان له، وهي شريك في السلم والحرب، الأمر الذي وطد العلاقة الحميمة بين الفارس وحصانه، لكن في مدة من الزمن أُهملت الخيل إهمالاً شديداً، ثم عاد الاهتمام بها إبان الحربين العالميتين وذلك من أجل التنقل في الأماكن الوعرة، ثم ظهرت ملامح الاهتمام في صورة رياضة الفروسية وركوب الخيل، وهي رياضة جسدية وروحية لا يعادلها أية رياضة أخرى .

وقد عرف الإنسان الخيل على أرض الإمارات واستخدمها منذ فترة تاريخية مقدمة، وما تزال له مركباً ورفيقاً في بواديه وحواضره، حتى توّج الاهتمام الكبير بها في الفترة الأخيرة، بإنشاء الاسطبلات، ورصدت لها الجوائز في سباقات الخيل المحلية والعالمية .