كان المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أول من أسس برنامجاً للحفاظ على الصقور من الانقراض عام ،1995 ومنذ ذلك الحين أولت الدولة اهتماماً خاصاً بالقنص، فتسابق الناس على اقتناء أجمل الصقور وأثمنها، وتنظيم رحلات القنص، كما احتل شعراء المقناص مكانة خاصة في المجتمع، وتصدر الصقر مجالسهم كرمز للعز والنخوة .

مع تطور الحياة، أولت الدولة اهتماماً خاصاً بالصقور ورياضة القنص، حيث كانت الأولى عالمياً في إصدار أول جواز سفر للصقور، كما أنشأت أول مستشفى للصقور بدبي عام ،1983 والعديد من المتاحف التي تحكي قصة ارتباط الصقور بالمورث الشعبي الإماراتي . لتتكامل بذلك الجهود الرسمية والشعبية في رسم لوحة عشق للقنص الذي يربط أبناء اليوم بتاريخ آبائهم وأجدادهم .

متحف الصقور التابع لبلدية دبي، من الشواهد على اهتمام الدولة بالصقور، ويقع بمنطقة ند الشبا، وهو مبني على الطراز التقليدي القديم، واستخدمت في بنائه المواد المعمارية السائدة في المنطقة، ومنها الأحجار الطبيعية والأخشاب وسعف النخيل والجندل . إضافة إلى احتوائه على مجسمات، وأحدث التقنيات وأجهزة العرض الخاصة التي تعطي الزوار بالصوت والصورة كل ما يحتاجون إليه من معلومات عن أنواع الصقور، وطرق الصيد، والأدوات المستخدمة فيه قديماً وحديثاً

يتكون المتحف من أربع صالات رئيسة هي صالات أنواع الصقور، وتشريح الصقور، والصيد، وثقافة القنص .

يشعر الزائر عند دخوله الصالة الرئيسة للمتحف بأنه في إجازة من هموم الحياة اليومية، ليحلق في عالم الصقور، من خلال الصور واللوحات، والمجسمات، المنتشرة في أرجاء المتحف .

بدأت جولتنا التي صحبنا فيها محسن المهري، أمين المتحف، بصالة أنواع الصقور،حيث يتعرف الزائر من خلال الواحات المعلقة على الجدران، إلى تاريخ الصقر عند العرب، إذ ارتبطوا منذ الجاهلية برياضة الصيد بالصقور، ويذكر أن أول من صاد بالصقر هو الحارث بن معاوية بن نور الكندي في القرن الرابع الميلادي . ومن أشهر من صاد بالصقور في فجر الإسلام حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه .

كما تشير الدلالات إلى أن الصيد بالصقور نال اهتمام الخلفاء الأمويين والعباسيين، ويذكر أن الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، أمر ببناء بيوت لصقور الصيد . كما أن أول كتاب عن الصيد بالصقور، هو منافع الطير لمؤلفه أدهم بن محرز الباهلي(90ه)-(710م) .

ويتعرف الزائر أنواع الصقور مثل صقور القرموشة، وتسمى بذكر الحر وحجمه أصغر من الأنثى، ويمتاز بتعدد أنواعه، وطول منقاره ورأسه، ودقة مخالبه المتفرقة .

وصقر العوسق متوسط الحجم، يتوالد في منطقة الخليج، ويعد من أكثر الصقور تكيفاً في العالم . كما يتعرف الزائر إلى صقر الكوبج الذي يمتاز بصغر الرأس والعينين والكتفين . وصقر التبع الصورة المصغرة من الشاهين في شكله ومسلكه وهجرته .

ومن بين أكثر أنواع الصقور انتشاراً في العالم، الشاهين، حيث يفضله الصقارون نظراً لقوته وسرعة مناورته، وتختلف أنواع ريش الشاهين، فالرأس والعنق باللون الأسود، أما الصدر فتتعدد ألوانه مابين الأبيض والبرتقالي الفاتح مع وجود خطوط رفيعة على البطن باللون البني الداكن . أما لون الظهر والجناحين فرمادي مائل للأزرق، بينما لون الساقين وحول العينين والمنقار أصفر مائل إلى البرتقالي .

يراوح طول الشاهين مابين 5 .12سم لأصغر الذكور إلى 48سم كبرى الإناث، بينما يراوح وزنه ما بين 450 و1200 غم، والذكر أصغر حجماً من الأنثى بنسبة الثلث . ويتغذى الشاهين بشكل رئيس على الحمام واليمام، كما يصطاد الإوز والطيور الصغيرة .

ويعد الصقر الحر الأكثر شعبية عند العرب، ويمتاز بضخامته وكبر حجم الأرجل والمخالب وخشونتها وطول المنقار، كما تتعدد ألوانه بين الأبيض والأصفر والبني والذهبي . وتوضح لوحة الصقر الحر أسباب تفضيل العرب لهذا النوع، وأهمها سرعته العالية في المطاردة والانقضاض، والتي تصل إلى 250كم في الساعة . وله قدرة على التحليق على ارتفاع منخفض إلى 50 متراً، إضافة إلى أسلوبه المتميز في ملاحقة طائر الحبارى .

على اليمين من لوحة الصقر الحر، يتعرف الزائر إلى صقر الوكري، وهو نوع صحراوي يشبه الشاهين في معظم أوصافه، فالبالغ منه يظهر بالألوان المميزة للشاهين، لكنه يكون باهتاً في الأجزاء العلوية . والخطوط على ريشه أقل كثافة في الأجزاء السفلية، مع وجود بقع ضاربة للحمرة على مؤخرة العنق في الأنواع الإفريقية والعربية . أما لون العينين والقدمين فهو البرتقالي اللامع .

تراوح أحجام الوكري بين 29 و40سم، ومتوسط أوزانه مابين 360 و730 غم . أما بالنسبة إلى عظام صدر الوكري وقدميه فهي أكبر منها في الشاهين . كما تكون أجنحة الذكور أطول نسبياً، وذيولها أقصر مقارنة منه .

كما يتعرف الزائر لمتحف الصقور إلى صقر الجير، وهو من الأنواع التي يفضلها الصقارون العرب لسرعته وقوته وكبر حجمه، لكنه لا يستطيع العيش لفترات طويلة خارج موطنه الأصلي . وتتعدد ألوان الجير، فمنها الأبيض والرمادي والأسود، والبالغ يكون ريشه مقلماً، أما لون القدمين ولون العينين والمنقار فأصفر .

ويعد صقر الجير من أكبر صقور العالم حجماً، ويتميز بقصر طول جناحه نسبة إلى طول جسمه . ويراوح طوله ما بين 46 إلى 35 سم، وتتباين أوزانه حسب الجنس، فالذكر يصل وزنه إلى 1000غم، بينما يصل وزن الإناث إلى 2100 غم، ويمتاز صقر الجير بسرعة طيرانه، حيث تصل إلى 160كم في السعاة . ويتغذى على الأرانب والقوارض القطبية .

يلي ذلك صالة التشريح، التي يتوسطها مجسم بيضاوي للعين، فيها يتعرف الزائر الأجزاء المكونة لجسم الصقر، حيث يعد الصقر من طيور القنص النهارية، وله جسم انسيابي مغطى بريش كثيف يتيح له فرصة المراوغة في شتى الظروف المناخية وأقصاها، ذو عضلات قوية متداخلة وله أجنحة متداخلة نسبياً .

يراوح طوله مابين 15-49 سم، في حين يراوح طول جناحيه بين 100 إلى 110سم . أما وزنه فهو بين 100 غم إلى كيلوغرامين في أكبر الصقور القطبية .

ويعد الصقر من الطيور الماهرة في الصيد، ويصطاد بطريقتين، إما الانقضاض وتوجيه ضربة خاطفة، وإما مطاردة الفريسة في الجو والإمساك بها . يعيش الصقر قرابة 20 عاماً، وعند تقدمه في العمر يصاب بالخرف والصرع والعمى .

ريش الصقر ناعم، وجناحه مسنن الحاشية، ولجسم الصقر أنواع مختلفة من الريش، فالجناح الواحد يحوي نحو 22 ريشة، تبدأ بالريش القصير ثم تطول إلى أن تصل للريشة الأخيرة المسماة الموس . أما الريشة التي قبلها فتسمى النايفة وهي أطول ريشة في جناح الصقر .، وتأتي بعدها رديفة الطولية، وتسمى الثالثة ومن ثم الرابعة إلى السابعة .

ومن الأجزاء الهامة في جسم الصقر المخالب، حيث مازالت عملية قبض الصقر على فريسته من دون تعرضه للإصابة سراً من أسرار الخالق، وهو ما جعله يتفوق على باقي الطيور، بأقدامه القوية، ومخالبه الحادة المقوسة . ويوجد للصقر أربعة مخالب، هي التابع وهو المخلب الخلفي، والعالف وهو المخلب الأمامي الداخلي، والسنان المخلب الأمامي الوسط، واللافح أو المخلب الأمامي الخارجي .

ويعد الرأس ومقدمة الرقبة من المقاييس المهمة لتمييز أنواع الصقور، فالحر مثلاً يتميز بكبر رأسه، بينما الشاهين له رأس شبه مستطيل . وتشكل العين والأذن والمنقار القوة الإدراكية للصقر، وتتمكن الصقور من تحريك رؤوسها بكل الاتجاهات . وعلى الرغم من أن السمع يلعب دوراً ثانوياً في حياة الصقر مقارنة بالبصر، إلا أن التعبير الصوتي لديها يعد عملية معقدة .

بعد أن يتعرف زائر المتحف إلى الأنواع، والأجزاء المكونة لجسم الصقر، يمر بصالة الصيد، التي تتوسطها سيارة قديمة من نوع لاند روفر تعود للعام ،1992 أهداها للمتحف سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي وزير المالية .

وتضم الصالة شرحاً للأمراض التي تصيب الصقور وطرق علاجها، والتي من بينها الرشاشيات الفطرية أو الرداد، وهو مرض يصيب الجهاز التنفسي للصقر، ومرض السومار أو تشوه القدم .

وتوضح إحدى اللوحات الجدارية الطرق التقليدية لعلاج الصقور، ومنها التوسير، وهي عملية علاج الريش المكسور . والتجبير أى علاج العظام المكسورة أو المصابة برضوض لارتطام الصقر بأجسام صلبة .

كما تبين إحدى اللوحات طرق علاج الصقور بالأعشاب والطب الشعبي، ومنها سكر النبات، والشب، والمومياء، والينسون، والبابونج، والتين، والثوم، والخردل، والزنجبيل .

ومن بين الأقسام المهمة في متحف الصقور صالة أدوات الصيد، المكونة من المخلاة، وهي كيس من القماش لوضع لوازم القناص، والبرقع وهو غطاء جلدي يغطى به رأس الصقر ليساعد في تهدئته . والسبوق وهو حبل مرن مجدول وقوي، يثبت بحلقة من النحاس أو الفولاذ يربط بها قدم الصقر لمنعه من الهرب أثناء التدريب أو الصيد . ومن بين أداوت المقناص التلواح، وتصنع من أجنحة طائر الحبارى الميتة، ويلوح بها لتدريب الصقر على القنص . وهناك الوكر، وهي قطعة دائرية من الخشب أعلاها سطح دائري مغطّى بقماش سميك ليقف عليها الصقر، وينتهي بقضيب مدبب من الفولاذ يغرس في الرمل . كما يستخدم الصقار الداس وهو قفاز من الجلد لحماية يده من مخالب الصقر، إضافة إلى المنظار للكشف عن تحركات الصقر ومتابعته عن بعد .

ومن بين التقنيات الحديثة التي أدخلت على أداوت الصقار جهاز تحديد المواقع الملاحي GPS، ويستخدم لرصد وتتبع الصقر وتحديد اتجاهه لمسافة تصل إلى ما بين 15-20 كم . حيث توضع شرائح إلكترونية تحت ذيل الصقر .

بعد ذلك يمر الزائر على صالة ثقافة القنص، ويتعرف إلى أهمية الصقور ومكانتها في الموروث الشعبي الإماراتي، ويقرأ ما قيل في الصقور من شعر من الشيوخ وكبار رجال الدولة والشعراء . ويختتم الزائر رحلته داخل المتحف بالوقوف أمام مجسم كبير للصقارين جالسين في خيمة وأمامهم القهوة، ويحملون صقورهم في عزة وشموخ .