ليس عليك إلا أن تتبع حاسة الشم لديك، لتصل إلى متحف فريد من نوعه بفكرته ومضمونه وأيضاً مكانه، مكان فيه عبق التاريخ ورائحة الأصالة التي انتشرت حوله، كي تجتذب المارة العرب منهم والأجانب إليه.
إنه متحف القهوة، نعم القهوة، وهو أول متحف على مستوى منطقة الشرق الأوسط.
حلم كان يراود أصحاب الفكرة لعشقهم لهذه المادة الشقراء حيناً والسمراء أو السوداء أحياناً أخرى. والمكان الأفضل لتذوقها، لم يكن سوى منطقة غنية بمخزونها التراثي وذكرياتها الجميلة وبيوتها التي يعانق بعضها بعضاً بكل محبة وألفة، وهي منطقة الفهيدي التراثية في دبي.
جاءت الفكرة من الدكتورة حصة لوتاه، أستاذة الاتصال الجماهيري، التي نقلتها بدورها إلى صديقتها الدكتورة منى البحر، عضو المجلس الوطني، أستاذة علم الاجتماع. وبحكم الصداقة بينهما وعشقهما لاحتساء القهوة، اتفقتا على تأسيس هذا المتحف للكشف عن أسرار الحبة السوداء، ولإفساح مجال احتساء القهوة أمام محبيها في أجواء عربية أصيلة.
تقول حصة لوتاه التي كانت بانتظارنا تحتسي قهوتها في الطابق العلوي وتطالع أحد الكتب: لمعت الفكرة في رأسي انطلاقاً من ضرورة الاهتمام بالمناحي الثقافية في الدولة خاصة بعد تراجع التقاليد بسبب التحديث والعولمة، خاصة أنني من زوار هذه المنطقة الدائمين، والمترددين عليها، وعرضت الفكرة على الدكتورة منى البحر فوافقت، ومن ثم عرضنا الفكرة على محمد المهيري الذي يملك أكبر شركات في مجال القهوة بالدولة، وبدوره عرضها على شريكه خالد الملا الذي أعجب بالفكرة، وبدأنا بتنفيذها على أرض الواقع. حيث اهتم خالد بتجهيز وتوفير الأدوات والمعدات المختصة بصناعة القهوة وهو بالمناسبة من عشاق القهوة أيضاً.
وتشير لوتاه إلى أن للقهوة حيزاً كبيراً في تاريخنا أكثر من كونها مجرد ضيافة. فعلى سبيل المثال تعتبر القهوة علامة للصلح، فإذا كان هناك شخصان متخاصمان فلا يتم الصلح بينهما ما لم يحتسيا القهوة معاً. وتاريخياً فإن للقهوة الكثير من الحكايات، ويقال إنها كانت قديماً مثاراً للجدل حول ما إذا كانت مباحة أو غير مباحة، عندما دخلت إلى مكة، وكان يقال إن تناولها يغير طباع الإنسان.
ولمنى البحر قصة أخرى مع مشروب القهوة الذي يرتبط في ذهنها بالكثير من الذكريات الجميلة، وتقول: لا أتصور الحياة من دون وجود القهوة ورائحتها، فمذ كنت طفلة كنت أصحو على رائحة القهوة والعود، واليوم أصحو على هذه الرائحة. وتشكلت بيننا علاقة حميمة.
وقرأت أنها كانت خاصة بالطبقة الغنية من المجتمع قديماً، وكانت أيضاً تساعد المتصوفين على السهر والتهجد، وكانت محصورة بالجزيرة العربية، ومن الحكايات عنها أن جمال الديحاني وهو أحد قضاة عدن ذهب إلى إثيوبيا وتذوق منها، ولدى عودته جلب معه حبيبات وقام بزراعتها، ومن ثم ترك القضاء وتوجه إلى التصوف، يومها قيل إنها تذهب بالعقل ولذا حرمها البعض. لتنتشر بعد ذلك في مصر والبلاد الأخرى.
وبالنسبة إلى متحف القهوة تقول البحر: نريد أن نقدم أول متحف للقهوة في الشرق الأوسط، والوطن العربي، وهي مبادرة نقدمها لدبي التي تتزاحم فيها المبادرات اليوم للوصول إلى الرقم واحد، وأيضاً تستعد لاستضافة إكسبو 2020 ، والمتحف جزء من مساهمتنا لهذه المدينة الجميلة.
الطرف الأخير في هذا المشروع والذي نقله إلى أرض الواقع هو خالد الملا والذي يملك شركة للقهوة، وأشار إلى أنه بدأ يجمع القطع الأثرية للقهوة منذ 8 أعوام وأكثر، والتي يفوق عددها اليوم ال ٠٠٤ قطعة معروضة في المتحف ويعود تاريخ أقدمها إلى ٠٠٥١ عام، والقطعة اسمها محمصة من فيينا، وهي من بقايا ما تركته الدولة العثمانية وسبب انتشارها في أوروبا.
وحول الهدف من تأسيس المتحف أجاب الملا: الهدف هو إبراز ثقافة القهوة بالمنطقة، ففي دبي يوجد أكثر من 200 جنسية أغلبها يشرب القهوة، وإبراز الجانب الثقافي مسألة مهمة جداً.
ويضيف الملا: المتحف مؤلف من طابقين ويحوي قطعاً متنوعة من أدوات التحميص والتحضير يعود تاريخها إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث كان المحاربون يشربون القهوة، وتلك القطع مصنوعة من النحاس وتبلغ قيمتها نصف مليون درهم.
وهنا قطع مميزة جمعها الملا من خلال مشاركاته في المؤتمرات المعنية بالقهوة وتجارة القهوة مجال تجارته، وأيضاً من خلال سفراته، كما يحتوي المتحف على «كوفي شوب» لتقديم أنواع متنوعة من القهوة العربية والتركية والمصرية، وبإمكان الزائر أن يحضر قهوته بنفسه، أو يكتفي بمشاهدة تحضيرها، وأن يتنقل بين الطابقين ويتعرف إلى أمهات الكتب في مجال صناعة وتاريخ القهوة، وأيضاً يوجد مكان مخصص للأطفال ومتجر صغير لشراء قطع مصنوعة من الفضة والذهب لأشكال حبة البن وأيضا للأدوات المستخدمة في تحضير القهوة وهذه القطع صممها خالد الملا وحظيت بإعجاب كبير من زوار المتحف.
متحف القهوة .. رائحة الأصالة
14 يوليو 2015 00:14 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 يوليو 00:14 2015
شارك
دبي ميرفت الخطيب: