ظلت نفائس متحف المجوهرات الملكية في مصر حبيسة خزائن الإدارة العامة للأموال المستردة لسنوات طويلة، قبل أن تخرج من عزلتها بتقرير من المجالس القومية المتخصصة، أوصى قبل سنوات بإنشاء هذا المتحف وعرض هذه الكنوز التاريخية على الجمهور المصري في مدينة الثغر .
ويقع متحف مجوهرات الأسرة الملكية في حي فلمنج في منطقة زيزينا في مدينة الإسكندرية، على مساحة 4185 متراً مربعاً، ما يجعله واحداً من أكبر المتاحف المصرية الموجودة حالياً، إن لم يكن أكبرها على الإطلاق، لا يضاهيه في ذلك سوى المتحف المصري الكبير في طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، ومتحف الفسطاط في منطقة مصر القديمة، الجاري إنشاؤهما حالياً .
كان مبنى المتحف قبل افتتاحه للجمهور قصراً منيفاً يخص الأميرة فاطمة الزهراء، بنته في العام 1919 على الطراز الأوروبي الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر، واستمرت عملية بنائه التي بلغت تكلفتها في ذلك الوقت نحو مائة ألف جنيه حتى العام ،1923 الأمر الذي يجعله اليوم تحفة معمارية رائعة الجمال والتفرد .
تم تحويل القصر إلى متحف ضم مجوهرات أسرة محمد علي باشا في العام ،1986 ومن وقتها أصبح متحفاً متميزاً يجمع بين جمال التصميم المعماري وروعة الزخارف، بما يتناسب مع نفائس وروائع المجوهرات، إلى جانب الحديقة التي تحيط بالقصر .
ويتكون المتحف من جناحين، الشرقي منه عبارة عن قاعتين وصالة، يتصدرها تمثال صبي من البرونز عليه لوحة فنية من الزجاج الملون المعشق بالرصاص ومزين بصورة طبيعية، أما الغربي فيتكون من طابقين في أولهما أربع قاعات وفي الثاني عدد القاعات نفسه، إضافة إلى ملحق فيه ثلاثة حمامات، ويربط بين جناحي القصر بهو في غاية الروعة، يزخر بلوحات فنية تمثل عشرة أبواب من الزجاج الملون والمعشق، عليها رسوم قصص لمشاهد تاريخية أوروبية الطراز وقصص أسطورية مثل روميو وجوليت، إضافة إلى رسوم جداريه تمثل زواج صاحبة القصر . كما يلاحظ الزائر أنه تم تنفيذ رسوم على الزجاج الملون، الذي تم تعشيقه بمادة الرصاص، وحمل صوراً لقصص حب من العصر الرومانسي في أوروبا، كما تم رسمها على نوافذ الممر الذي يربط بين جناحي القصر، وهي من معالم القصر الرئيسية وإحدى روائعه، أما أرضياته فهي منفذة بأشكال هندسية وزخرفية، وتلفت أنظار الزائرين، حيث يجدونها قد صنعت من أخشاب ثمينة مثل الأرو، الماهوجني، البلوط، البلسندر، الورد، الجوز التركي وغيرها .
ويلاحظ الزائر للقصر وجود حرفيFH على أحد جدران المبنى، وذلك في إشارة رمزية لاسم النبيلة فاطمة حيدر، وهي عادة ملوك وأمراء الأسرة العلوية في مصر، بحفر الحروف الأولى من أسمائهم على الكثير من مقتنيات قصورهم . ونظراً لما ظل يعانيه المتحف من عوامل الزمن تعدياته التي جارت عليه، كان تفكير وزارة الثقافة المصرية في صيانة القصر خلال مدة وصلت إلى خمسة أعوام، حيث تعرض القصر إلى مراحل عدة من أعمال الترميم المعماري والدقيق لمبنى المتحف، بما ساهم في عرض القطع الأثرية وفق سيناريو عرض متحفي جديد، من خلال فتارين عرض جديدة تتناسب مع عرض أثمن وأرقى قطع الحلي والمجوهرات، فضلاً عن الأواني والأدوات والعملات الأثرية .
وروعي في تنفيذ مشروع إحياء المتحف تحقيق كافة عوامل الأمان، حيث يضم المتحف نحو 100 فاترينة عرض صممت من خشب الأرز، حتى تتناسب مع البيئة الجمالية للمتحف من الداخل وكذلك مع نوعية المجوهرات .
وعمل مشروع الترميم على توفير نظام إنذار إلكتروني، بما يعطي إنذاراً مباشراً في المتحف كله وفي مديرية أمن الإسكندرية وقسم الشرطة التابع له المتحف وهذا في أوقات العمل الرسمية . كما تم استخدام الأشعة تحت الحمراء بما يعطي إنذاراً في حال وجود أي جسم غريب داخل المتحف بعد إغلاقه، بإطلاق إنذار بمعنى أن أي شيء درجة حرارته 37 درجة مئوية يجعل الأشعة تعطي إنذاراً، إضافة إلى المراقبة التلفزيونية الملونة لجميع الحجرات والممرات، بدءاً من غرفة مدير المتحف حتى غرفة الأمناء وغرفة قائد المتحف .
ويعد هذا النظام ثالث أنظمة الأمان المتبعة في المتاحف العالمية، ومن خلاله يمكن تصوير أي حدث غير عادي بالدائرة التلفزيونية المغلقة ليلاً ونهاراً، كما أن الأسوار الخارجية مصممة بحيث تعطي إنذاراً آلياً .
ويضم المتحف الآلاف من القطع الأثرية، يقدرها المسؤولون بنحو 11 ألفاً و500 قطعة أثرية وفنية تخص أبناء الأسرة العلوية المالكة، منها مجموعة الأمير محمد علي توفيق، التي تضم 21 ظرف فنجان من البلاتين والذهب وفيها 2753 فصاً من الألماس البرلنت والفلمنك وكيس نقود من الذهب المرصع بالألماس، فضلاً عن المقتنيات السابقة، فالمتحف يضم ساعة جيب للسلاطين العثمانيين وعلى المينا رسم جامع مكحلة من الذهب الخالص، و6 كاسات من الذهب مرصعة بنحو 977 فصاً من الألماس (برامنت والفلمنك ووزنها 374 جراماً) .
ويجد زائر المتحف مقتنيات لسعيد باشا، منها مجموعة من الوشاحات والساعات الذهبية، بالإضافة إلى الأوسمة والقلائد المصرية والتركية والأجنبية، وهي مرصعة بالمجوهرات والذهب الخالص، وعملات أثرية قبطية ورومانية وفارسية وبيزنطية يبلغ عددها 4 آلاف قطعة . ومن أجمل مقتنيات المتحف علبة النشوق الذهبية المرصعة بالألماس، والخاصة بمؤسس الأسرة محمد علي والشطرنج الخاص به وسيف التشريفة الخاص به، وهو مصنوع من الصلب على شكل رأس ثعبان به 600 ألماسة، ومن بين المقتنيات مجوهرات الأميرة سميحة حسن، وتضم سواراً من الذهب مرصعاً بالألماس والفلمنك، كما تزين المتحف مجموعة من الصور الملونة بالمينا في أطر من الذهب للخديو إسماعيل وزوجاته وكريماته وأولاده .
أما مجموعة الملك فاروق داخل المتحف، فتعكس حالة البذخ للأسرة العلوية، وتحديداً الملك السابق، وكثرة استخدامه للألماس . ويلاحظ الزائر للمتحف أن هذه المجموعة تبدأ بالتخشيخة التي كان يستخدمها الملك وهو طفل لاستدعاء أحد الخدم، وصممت على هيئة تاج ملكي من البلاتين المرصع بالألماس والزمرد والياقوت مع كرات صغيرة من الذهب، كما تضم متعلقاته العصا المرشالية التي طالما استخدمها في تنقلاته وهي مصنوعة من الأبنوس والذهب .
وتم توزيع مقتنيات الملك فاروق على ثلاث قاعات في المتحف، وأول ما يلفت النظر إليها، قاعة الأميرات، ومنها قاعة الأميرة شويكار، وتضم أضخم تيجان مجوهرات أسرة محمد علي وأجملها، في حين تأتي قاعة الملكة فريدة في المرتبة الثانية بعد قاعة زوجها الملك فاروق . وتضم القاعات التاج المصنوع من الذهب والبلاتين والمرصع بعدد 1506 قطع من الألماس مع قرط من البلاتين والذهب مرصع بعد 136 قطعة من الألماس، إضافة إلى مجموعة رائعة من الأقراط المرصعة بالألماس والياقوت والزبرجد والزمرد وطقم كامل من المرجان .
أما مجموعة الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق، والزوجة الأولى لشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي، فتضم محبساً من البلاتين عليه اسم الأميرة فوزية مرصع بالبرلنت وتوكة حزام مرصعة بأكثر من 240 قطعة من الألماس .
كما يضم المتحف معروضات أخرى، منها ساعة ملكية مرصعة بالألماس وتحفة فنية على شكل فيل مصنوعة من العاج المطعم بالألماس والياقوت، ومجموعة من دبابيس الصدر الذهبية والبلاتينية وقصعة من الذهب الخالص، كانت تستخدمها الملكة ناريمان عند افتتاحها لأحد المشروعات .