تدق الكلمات في الأعماق، تتكاثف مثل غمامة ليلية تغطي خيال كاتب، فيزاحمها صوت البيانو متسلسلاً إلى أعماق القلب، ليأخذ بيده ويقوده إلى مرسم يحار في ألوانه وعالمه. هو الحائر بين اللون والكلمة، والهارب من عقارب الساعة التي لن تستطيع يوماً ابتكار أيام تكفيه لتغطي أحلامه. أشعار تخشى أن يمر العمر من دون أن يتمكن من الوصول إليها، أو ألحان تعزف داخل قلبه، ولوحات تصارع عقله للخروج إلى الحياة. يناديه كل شغف فيها فهل يضيع بينها؟ أم يتنقل بين حلم وآخر ليعيش أكثر من حياة؟ هذا ما نتعرف إليه من متعددي الشغف هؤلاء عبر السطور المقبلة.
في طفولة رام صليبي، الطالب في الصف العاشر، أحب الكرة، فانضم إلى فريق كرة السلة مثل سائر الأولاد، لكن الرياضة لم تكن الموهبة الوحيدة التي تجذبه، فالموسيقى أيضاً كان لها حضور مبكر فبدأ يتعلم العزف على الغيتار، بالإضافة إلى انشغاله بالرسم بين الحين والآخر. يخبرنا أنه يشعر بالحيرة حقاً، والقلق من أن يضيع في زحمة هواياته الكثيرة، فهو اليوم يعزف الدرامز، والغيتار، والبيانو، وفي بعض الأحيان تشده عتمة السينما وأسرارها، فيجد نفسه مأخوذاً بالتمثيل والمحاولات البدائية في إخراج مقاطع فيديو كوميدية ينشرها على مواقع التواصل بين الحين والآخر. وعن رؤيته لمستقبله يقول: «أعرف أن خياري في المستقبل سوف يكون محدداً بين الموسيقى أو الإخراج أوالتمثيل، فأنا ابتعدت عن الرسم منذ فترة؛ بسبب حاجته إلى كثير من الجهد لتنظيف الأدوات وآثار الألوان في المكان، وفي قرارة نفسي أشعر حالياً بأن الموسيقى تأخذني أكثر؛ لأني أفعل ما أريده فيها».
بدر أحمد حمود، طالب في الصف العاشر أيضاً، يعزف على 6 آلات موسيقية، بالإضافة إلى شغفه بالفنون القتالية، وميله إلى كتابة الشعر والخواطر بين الحين والآخر. عن المهنة التي سيختارها في المستقبل، يقول: «لدي أكثر من خطة، إما أن أمشي على طريق الفن وأحترف الموسيقى، أو أن أستمر في الفنون القتالية وأصبح لاعب جيتسو مميزاً، أو أركز في الدراسة وأختص في المجال الذي أحبه؛ لأكون مدرس علم نفس، فهذا العلم يستهويني كثيراً. وفي كل الأحوال لا أرى نفسي شخصاً عادياً في أي مجال سأختاره، ولن أكون راضياً عن نفسي إن كنت كذلك». ويؤكد أن تنقله من موهبة لأخرى يترك مشاعر القلق والحيرة، فالرغبة تأخذه أحياناً إلى الموسيقى، وفي أحيان أخرى يجد نفسه ميالاً للرياضة أكثر، حتى أنه يعجز عن تنظيم نفسه أمامها.
ويبدو أن النجاح والتميز في مجال ما، لا يخلص صاحب المواهب المتعددة من القلق الإبداعي الذي يشده نحو المواهب الأخرى بين الحين والآخر ليذكره بها، فبرغم تميزها في مهنتها التي اختارتها لها الظروف، فإن مها السباعي، مصممة المجوهرات، لا تزال تحن للرسم والكتابة، والموسيقى، وينتابها شعور بأنها تمتلك القدرة على تقديم الكثير بالموهبة التي تمتلكها في هذه المجالات.
وترى السباعي أن ال24 ساعة لا تكفي للأسف لملاحقة شغفها المتفرع، كما أن ذلك يجعل اتخاذ القرار في تحديد المهنة صعباً، خصوصاً لشخص يمتلك العديد من المواهب مثلها. تقول: «لا يمكن لأمثالنا أن يتخذوا القرار تماماً، إلا إذا قررت الظروف ذلك، فأنا تنقلت بين الفنون والموسيقى والكتابة والتصميم الداخلي، حتى شاءت الظروف أن أشارك في مسابقة عالمية لتصميم المجوهرات وأفوز فيها، فصارت تنهال علي العروض للعمل، لهذا أقول، إن هذه المهنة هي التي اقتحمتني، فمن الصعب علي أن أقرر اقتحامها». وتوضح أن حنينها للفنون يتملكها دوماً، لكن الوقت يقف حاجزاً بينها وبينه، ومع هذا لا يمكنها الابتعاد كثيراً؛ فهي أحاطت نفسها بأجواء فنية في معرضها للمجوهرات، وأبقت أدوات الرسم قربها لتكون مستعدة لأي فرصة أو مزاج فني مفاجئ، كما أنها ترضي شغفها بالموسيقى بالاستماع، ومتابعة كل ماهو قديم وجديد.
ربما لا تكون حالة تعدد المواهب خاصة بقليل من الناس، فهناك مواهب تكون مكتملة بداخلنا دون أن ندري عنها، وفقاً لذكريات مصطفى، إعلامية. فهي اكتشفت في زيارة لها لأحد المراسم أنها تجيد الرسم عكس ما كانت تعتقد، وأنها تتمتع بنضج في علاقتها مع الألوان، وهذا بفضل إصرار مدربتها على أن ترسم.
تقول مصطفى: «استمتعت وقتها بمزج الألوان واستغرقت بالرسم لدرجة انفصالي عن الواقع، واستطعت أن أخرج بلوحة جميلة أنا نفسي كنت متفاجئة بها. ومنذ صغري وأنا أجيد تقليد شخصيات الآخرين، وأستمتع كثيراً بالأمر، وهذا يقودني بشكل طبيعي إلى التمثيل، ولي مشاركات في بعض الأعمال الدرامية، بالإضافة إلى عملي الإعلامي الذي دخلته بسبب شغفي به في الأساس، أما الكتابة فهي حالة، لا تأتي إلا بسبب تحريض عاطفي كالفرح أو الحزن، فأنا لا أمتلك الإسهاب اللغوي، لكنني أكتب أشياء تفاجئني، بلغة أنيقة وقوية عندما أتأثر بحالة أو بموقف ما».
وعلى الرغم من هذا، فإنها تؤكد أنها لم تشعر بالحيرة يوماً، فالإعلام كان قرارها الواضح منذ الصغر، وتشير إلى أن كثيراً من الناس لديهم العديد من المواهب الجميلة بداخلهم، لكنهم فقط بحاجة إلى من يأخذ بيدهم ويسلط الضوء عليها.
على الجانب الآخر، هناك من أضاعه الشغف بأكثر من فن، فلا طال الغناء، ولا صار فناناً تشكيلياً كما حلم يوماً. لكن عبدالحميد إبراهيم، مدير محل، يلوم نفسه والظروف في خسارته للمستقبل الرائع الذي كان يحلم به من قبل.
يقول: «كنت أتمتع بموهبة فنية رائعة، فعندما أرسم أشعر أني أرى تفاصيل لا يمكن أن يراها غيري، ألاحق خطوط الضوء، وأرسم الأشياء بطريقة مختلفة، والجميع كان يتوقع أني سأكون فناناً تشكيلياً مهماً عندما أكبر، هناك أيضاً كان شغف الغناء، وحده كان ينتزعني من الرسم ويأخذني إلى عالم آخر، وحلمت في مرحلة المراهقة أنني أصبحت فناناً مشهوراً يوماً، لكنني وُلدت في مجتمع أقل ثقافة، فلم أجد من يشجعني لأخطو باتجاه أحلامي، بل على العكس كان كل من حولي يخبرني بأن ما أتخيله مجرد أوهام، ولهذا ابتعدت عن الرسم، وصار الغناء مجرد موهبة تخرج عند المناسبات العائلية فقط، وهكذا صارت الحياة مجرد روتين يومي متكرر، لا يملك وهج الأحلام وبريقها، ذاك الوهج الذي خسرته منذ سنوات طويلة».
الهواية تصقلها الدراسة
تبرز الموهبة على شكل هواية بداية الأمر، ثم تُصقل بالممارسة، وربما تتحول إلى مهنة فيما بعد، وفي جميع الحالات هي هبة من الله بكل أشكالها، إن كانت موسيقية، أو رياضية، أو فنية. وعن قصة تعدد المواهب يخبرنا د. نادر ياغي، الاستشاري النفسي، قائلاً: «بداية توجهنا الموهبة لكل الأعمال التي فيها إبداع، وتبدأ عادة منذ الطفولة، لتكون المراهقة أكثر انفتاحاً على المواهب المختلفة، فالكثير من الآباء يعانون تغير انجذاب أبنائهم إلى الهوايات في هذا العمر، فهي مرحلة الاستكشاف، فالموهبة تعتمد على الموارد الإبداعية والقدرات التي يمتلكها الشخص، ولهذا يحاول كثير من الأهل تجريب مختلف مجالات الإبداع ليكتشفوا موارد أبنائهم». ويرى أن الطفولة والمراهقة أرض خصبة تستقبل كل أنواع البذور، والموهبة الحقيقية تظهر وتتميز بالرعاية، وأن نجاح كثير من الأشخاص في مجالات إبداعية لم يكونوا مهتمين بها من قبل، وهم في سن متأخرة، دليل قوي على أن الجميع لديهم موارد بداخلهم، ولكنهم لا يعرفون كيف يخرجونها. وعن ظهور الاتجاهات المتعددة في مواهب البعض، يوضح ياغي أن هناك من ينجح في مجال إبداعي أو فني معين، فيكتفي بالنجاح الذي حققه ليتجه إلى المجالات الأخرى مستمتعاً باستكشاف قدراته، فالنجاح يعتبر نوعاً من إثبات الذات وتقديرها، وهناك من يستمر بتنمية نجاحه وموهبته ليختص بها.
ويؤكد أن المجالات الإبداعية والمواهب عادة تدور في نفس الدائرة، مثل الشعر والطرب، فعندما تتجه الموارد إلى الفن مثلاً، يصل الشخص إلى مرحلة تدعى «إرهاف الحواس» لنجاحه في أحد المجالات، فيشعر بالإبداع يتألق بداخله ويجعله يطلق المساحة للمجالات الأخرى، فيجد نفسه قادراً على الإبداع والعطاء في المجالات الإبداعية الأخرى، التي يتنقل بينها فيثبت نفسه ويشعر بأنه موجود، وله قيمة لنفسه وللمجتمع، كما أن الانغماس في الأعمال الإبداعية يغسل الذات أيضاً، بحسب ياغي.