مع بلوغ سن الأربعين في العمر، يبدأ أي شخص منا بغض النظر عن مستوى اللياقة البدنية له بالشعور بالكبر من ناحية أدائه الجسدي والعقلي. والسؤال يطرح نفسه هو: لماذا تبدأ فسيولوجية الجسم في التناقص والانخفاض من حيث أداء وظائفه ان كانت عضوية فيزيائية أو عقلية او حسية بعد ان كانت أعضاء الجسم قبل هذا الوقت متماسكة بالأداء الفسيولوجي والفيزيائي والعقلي والحسي؟ مع ازدياد متوسط حياة الإنسان في العالم المتقدم، بدأنا في البحوث العلمية في العقود الثلاثة الأخيرة نجد آليات وأسباب التغيرات الفسيولوجية والمرضية لهذه الشيخوخة إن كانت مبكرة او غير مبكرة.
لله الحمد توصلت العلوم البحوثية إلى مراحل متطورة ومهمة في هذا المجال وخاصة في مجال الأمراض المؤدية الى الشيخوخة المبكرة والضعف الجنسي والامراض التي تتفاقم في (الكبر) (TDS) عند الرجل أو في تقدم العمر وعلاقتها بالمتلازمة الايضيه ونقص الهرمون الذكري وكيفية تشخيصها مبكراً، ومن ثم علاجها، والاهم من ذلك كيفية الوقاية من هذه الامراض.
المعروف الآن أن ارتفاع نسبة الوفيات بعد الأربعين من العمر يرجع الى الإصابة بالأمراض العصرية وخاصة الإصابة بارتفاع ضغط الدم، أو مرض السكري وتصلب وتضيق الأوعية الدموية عامة وخاصة الشرايين التاجية في القلب، ولهذا فإن تفادي هذه الأمراض عن طريق الوقاية الفعالة يضيف اكثر من عشرين او ثلاثين عاما الى دورة حياة الإنسان. والمأزق الذي نواجهه الآن هو ان أجسامنا تتكيف بشكل متواضع مع الظروف والبيئة المتلوثة، والتي لم يواجهها أسلافنا من قبل، وفي نفس الوقت فإن أجسامنا غير متكيفة بالقدر الكافي مع هذه الظروف القاسية التي أنتجناها نحن لأنفسنا في العقود الثلاثة الأخيرة من تلوث بيئي وإفراط في التغذية وقلة قي الحركة الجسدية.
وقد اثبتت البحوت العلمية والتجارب الحديثة والإكلينيكية منها خاصة أثبتت وجود الجهد الأكسدي من جراء التلوث البيئي والغذائي (OXIDATIVE STRESS) الذي بدوره يساعد على شيخوخة الخلايا مبكرا ويساعد على تكون الأمراض الانتكاسية (DEGENERATIVE DISEASES ) من جراء الشوارد السامة الناتجة عن هذا التلوث البيئي، وهذه الشوارد هي عبارة عن الكترونات منفصلة تتكون في الجسم بعد تناول الأطعمة الملوثة من جراء التسمم البيئي الذي وصل الى اعلى درجاته في البلاد الصناعية وبدأ منذ سنوات في منطقتنا الخليجية والعربية بعد النهضة العمرانية والصناعية الحالية، وهذا يحدث في أجسامنا بعد تناول هذه الأطعمة خلال العملية الأيضية لهذه الأغذية حيث تقوم الميتخوندريا وهي الحبيبات الخيطية MITOCHONDRIA بذلك في داخل الخلية وعندما تتفاعل هذه الشوارد مع الشحوم والبروتينات في داخل هذه الخلية يحدث الأذى أو التلف في هذه الخلية ومن ثم التغيرات الباثولوجية المرضية في جدار الأوعية الدموية خاصة تؤدي هذه الى تصلب الأوعية في الجسم خاصة في حالة وجود عوامل مرضية أخرى تساعد على ذلك كارتفاع في نسبة الدهون أو ارتفاع السكر في الدم، ولهذا فإن الهدف الأساسي والوقائي لأجسامنا يجب ان يكون خفض السعرات الحرارية المستهلكة وتأثيراتها الضارة، وكما ذكر سابقاً فإن ارتفاع نسبة السكريات ذات السعرات الحرارية العالية في هذه الأطعمة وكذلك ارتفاع نسبة الشحوم الضارة في الدم يضر الجسم عامة والأوعية الدموية ويؤدي الى تصلبها وتضيقها وانسدادها خاصة.
وعند تناول الأطعمة الغنية بالسكر (الكربوهيدرات) يستجيب الجسم لها بإنتاج الأنسولين ( INSULIN) والذي من واجبه تحويل هذا السكر الى خلايا دهنية وعضلية لتخزينها، بيد ان المتلازمة الأيضية من جراء البدانة خاصة بدانة الشحوم الحشوية البطنية عند الرجل (الكرش).
ونتيجة البدانة (من جراء الإفراط في الأغذية ذات السعرات الحرارية العالية خاصة السكرية منها واللحمية والشحمية) تبدأ خلايا الجسم مع مرور الوقت بمقاومة الأنسولين، وبالتالي تحدث التغيرات الباثولوجية المرضية بنقص الهرمون الذكري عند الرجل مع تقدم العمر بعد الاربعين عاما والمسمى كما ذكر في الجزء الاول (بمتلازمة نقص وقصور التستسترون الذكري) خاصة مرض السكري والمعروف بأضراره الوعائية لأعضاء الجسم المهمة كالقلب والكليتين والأعضاء الجنسية وهذه بدورها تؤدي الى اعراض مرضية وشيخوخية للجسم عامة كالضعف الجنسي وتلف في النظر وقصور في وظائف القلب والكليتين.
وتبدأ أمراض الشيخوخة المبكرة او الباثولوجية من جراء ذلك (مرض تصلب وتضيق الاوعية الدموية عامة والقلبية التاجية خاصة مرض السكري وارتفاع ضغط الدم ومرض ارتفاع الدهون في الدم).
وقد اثبتت التجارب البحثية عالميا بأن الحيوانات الأكبر عمراً والتي خضعت لبرنامج غذائي منخفض السعرات الحرارية كانت لها حساسية عالية ومستمرة للأنسولين، ومعدلات السكر كانت منخفضة في الدم، وكان العكس عند الحيوانات التي خضعت إلى تغذية منخفضة السعرات حرارية.
اما الهرمونات فإنها تلعب دوراً هاماً كذلك في فسيولوجية وباثولوجية الشيخوخة الطبيعية والمبكرة حيث ان هرمون النمو (GROWTH HORMONE) هو احد الهرمونات التي ينقص إنتاجها في الجسم مع تقدم العمر. وتشير البحوث العلمية الى أن انتاج وافراز هرمون النمو (GH) ينخفض تدريجياً بنسبة 14% خلال عشر سنوات اثناء عمر الرجل أو المرأة بعد بلوغ سن الرشد، وكذلك هرمون الذكورة (TESTOSTERON) عند الرجل وهرمون الأنوثة (ESTROGEN) عند المرأة ولكن بنسبة مئوية تختلف في الانخفاض عن هرمون النمو. والحصيلة العلمية السريعة حول فيسيولوجية التغيرات الهرمونية عند الرجال بعد سن الأربعين وما يحدث من تغيرات باثولوجية (اكثرها انتشارا امراض الضعف الجنسي عند الرجال) ادت إلى الوصول إلى الاجابة عن هذا المرض المتعدد الأسباب، وفي نفس الوقت ادت إلى استراتيجية متعددة الأطراف لعلاج هذا المرض.
وهنالك ايضاً أمراض نفسية وأمراض عضوية عديدة وكذالك أمراض ايضية تصيب هؤلاء الرجال علاوة إلى المشاكل الجنسية عند تجاوز سن الاربعين واكثرها انتشاراً هو داء السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم والسمنة وكذلك تغيرات المزاج النفسية.
ويلعب الضعف الجنسي دوراً رئيسياً في حياة الرجل حيث تكون العلاقة بين الجنسين سلبية وتتأثر الحياة ونمطها عند الشخص المصاب بذلك، وقد اظهرت الإحصائيات الأخيرة بأن 30 مليون رجل يعانون من ذلك في الولايات المتحدة الامريكية فقط، حيث تكون نسبة الإصابة بالضعف الجنسي 12% عند الرجال ما تحت 59 سنة عمرا و بنسبة 22% ما بين 60 و 69 سنة من العمر وبنسبة 30% ما فوق 69 سنة من العمر.
وقد ثبت ان العلاقة بين الزيادة بوزن الجسم والضعف الجنسي تكون طردية، حيث تكون نسبة الإصابة بالضعف الجنسي عند الرجال ب 30% عندما يكون ال BMI ما فوق 7,28 (Body Mass Index) حيث ان ال (BMI) الطبيعي هو ما تحت ال ،25 مع العلم بأن أعراض الضعف الجنسي عند الرجال المصابين بالسمنة تكون ما فوق ال 79%، حيث ان عوامل التغيرات الباثولوجية على الاوعية الدموية كتصلب الأوعية الدموية (Atherosclerosis) وغيرها تكون دائماً متواجدة في حالة السمنة عامة والمفرطة خاصة، وهذه تلعب دوراً هاما في أمراض الضعف الجنسي.
اما السمنة المفرطة فهي عامل اساسي وخطر رئيسي لأمراض القلب والاوعية الدموية، حيث أن التغيرات الباثولوجية في بطانة الأوعية الدموية في حالة السمنة تأتي من جراء حدوث خلل في انتاج أوكسيد النتروجين لهذه الخلايا المبطنة للأوعية الدموية حيث يكبت إنتاج هذا الأوكسيد في حالة السمنة المفرطة وكذلك في حالة التغيرات الباثولوجية للجسم من جراء الافراط في أكل اللحوم وقلة الحركة، وهذا يؤدي إلى ارتفاع الكولسترول والدهون الثلاثية في الدم عند هؤلاء الرجال حيث تؤدي هذه بدورها الى تغيرات باثولوجية تصلبية وتضيقية في الأوعية الدموية من جراء ارتفاع نسبة ترسبات الخلايا الشحمية والصفيحات الدموية على هذه الأوعية وتتصلب والتي تسمى بالتصلب الوعائي (Atherosclerosis).
ومن الجدير بالذكر انه في حالة تقدم العمر عند الرجال ما بعد الاربعين عامة وما بعد الخمسين خاصة تحدث فسيولوجياً انخفاضات في نسبة الهرمون الذكري التستستيرون والمسماة بمتلازمة نقص الهرمون الذكري (TDS) وكذلك في نسبة هرمون النمو (GH)، وفي هرمون الغدة الدرقية في الدم، وهذا نجده عند المسنين حيث ترتفع نسبة الهرمون المحفز الدرقي (TSH) والذي يدل على انخفاض في انتاج هرمون التيروكسين في خلايا الغدة الدرقية ويكون هذا القصور في الغدة بنسبة 9% تقريبا عند هؤلاء. وتشخص هذه الحالات عن طريق الصدفة أثناء الفحوص العامة للشخص، وهذه التغيرات الهرمونية تؤدي ايضاً الى أعراض أمراض الشيخوخة المبكرة وأكثرها انتشاراً هو الزيادة في الكتلة الشحمية في الجسم والضعف الجنسي والضعف العام للجسم، وهذا يكون بداية لأمراض المتلازمة الايضية عند الرجل التي اشرنا اليها في الجزء الاول وذلك بسبب التغيرات الباثولوجية السلبية على الوظائف الانتاجية والهرمونية والاخصابية في الخصيتين، حيث انه اثبت علمياً وإكلينيكياً بأن إنقاص الوزن وزيادة الفعالية الجسدية تقلل كذلك من خطورة الإصابة بالضعف الجنسي، وفي نفس الوقت تقلل هذه من الإصابة بخلل خلايا الجدار الوعائي والتي إذا حصلت فانها ستؤدي إلى تضييق او انسداد الأوعية الدموية الشريانية للقضيب، وكذلك الأوعية التاجية في القلب، لذلك فإن الخضوع للفحوص الدورية التشخيصية المختبرية للهرمونات الذكرية منها خاصة والصماء عامة في الدم وكذلك الدهون في الدم وتشخيص حجم أو تضخم البروستاتا وقياس الدوران الدموي الشرياني في القضيب من الفحوصات الدورية والاساسية لتشخيص أمراض الشيخوخة المبكرة عند الرجال. كما ان علاجها المبكر والمتميز بواسطة أخصائي علاج وجراحة أمراض المسالك البولية والتناسلية والجنسية والذكورة والعقم يحقق نتيجة ايجابية للمريض او المتقدم بالعمر والمصاب بأحد هذه الأمراض.
وتدل البحوث العلمية الحديثة على تأثير دوائي ووقائي ايجابي ضد العوامل المرضيه الايضية والخصيوية عند الرجل خاصة في تقدم العمر. وما تؤدي اليه هذه التغيرات الباثولوجية الهرمونية أو العضوية أو الايضية كالسمنة والضعف الجنسي وارتفاع ضغط الدم وارتفاع نسبة الدهون الثلاثية والكولسترول في الدم واضطرابات النوم وتغيرات المزاج النفسية وسرعة التهيج، فإنها كلها يستطاع الآن علاجها مبكراً بعلاجات معترف بها من قبل منظمة الصحة العالمية، وينصح بإعطائها لهؤلاء المرضى للتخلص من هذه الأمراض وأعراضها.
أما العلاج بواسطة هرمون النمو (GH) فإن البحوث العلمية الإكلينيكية تنصح بالتحفظ من هذا العلاج وذلك بسبب وجود أعراض جانبية خطرة وبنسبة 46% عند استعماله كعلاج ضد أمراض وأعراض الشيخوخة والكبر في السن.
اخصائي المسالك البولية والتناسلية
وأمراض الذكورة والعقم - مدينة دبي الطبية