الغسل (بضم الغين) يعرفه الفقهاء بأنه إيصال الماء لجميع الجسد بنية استباحة الصلاة مع الدلك، أو يعرف بأنه إفاضة الماء الطهور على جميع الجسم على وجه مخصوص، أو أنه سيلان الماء على جميع البدن مع النية.

وهذا التعميم مأخوذ من قوله تعالى: وإن كنتم جنباً فاطّهروا (الآية 6 من سورة المائدة).

أما موجبات الغسل فهي ما يطلق عليها الفقهاء الحدث الأكبر، إذ ان الحدث الأصغر يكفيه الوضوء.

والحدث الأكبر أو موجبات الغسل سبعة عند الحنفية، وأربعة عند المالكية، وخمسة عند الشافعية، وستة عند الحنابلة.

فالسبعة التي عدها الأحناف موجبات للغسل هي كما ذكرها الزحيلي نقلاً عن كتب الأحناف: خروج المني، وتواري الحشفة في قبل أو دبر آدمي حي، وإنزال المني بوطء ميتة أو بهيمة، ووجود ماء رقيق بعد النوم، ووجود بلل ظنه منياً بعد إفاقته من سكر أو إغماء، وحيض ونفاس، وموت.

والأربعة التي قال بها المالكية هي: خروج المني، ومغيب الحشفة، والحيض، والنفاس.

والخمسة التي قال بها الشافعية هي: الموت، والحيض، والنفاس والولادة بلا بلل، والجنابة بدخول الحشفة في فرج، وخروج المني من طريقه المعتاد.

والستة التي قال بها الحنابلة هي: خروج المني، والتقاء الختانين، والحيض، والنفاس، وموت المسلم غير الشهيد، وإسلام الكافر.

وموجبات الغسل عند الزيدية كما يذكر الشوكاني في السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار هي الحيض، والنفاس، والإمناء لشهوة، أو المني وظن الشهوة لا العكس، وتواري الحشفة في أي فرج.

ولو وقفنا عند قول الحنابلة: التقاء الختانين، لعلمنا أن هذا الالتقاء مطلق غير مقيد، فبمجرد مغيب الحشفة في فرج مطيق للجماع، قبلاً كان أو دبراً، من ذكر أو أنثى، طائع أو مكره، نائم أو يقظان، يجب الغسل كما بينه الدكتور الزحيلي في موسوعته نقلاً عن فقهاء الحنابلة، لعموم دلالة الحديث إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل (رواه مسلم).

ووجوب الغسل لمجرد الالتقاء حتى لو كان من غير إنزال، لأن حديث إنما الماء من الماء منسوخ بالإجماع.

لكن الحنفية والحنابلة اشترطوا الإنزال إذا لف ذكره بخرقة، لأن التقاء الختانين حصل مع وجود حائل.

وفي هذه الأيام فإن الواقي الذي يباع في الصيدليات إذا استخدمه بعض الرجال بدلاً عن العزل، أخذ حكم هذه الخرقة التي ذكرها الفقهاء.

كما أن الحنابلة والشافعية يشترطون لوجود الغسل أن يكون الإيلاج في فرج أصلي، أما لو أولج الرجل في قبل الخنثى، أو أولج الخنثى في قبل أو دبر فلا غسل إذا لم ينزل، لأن الفرج غير متيقن منه.

ورغم أن موجبات الحد في الزنا، باب آخر ليس له علاقة بباب الغسل، إلا أننا نجد تقارباً بينهما في وجود الاختلاف بين الفقهاء في مفهوم الالتقاء.

فالحنفية كما ورد في البدائع ص 33 ج 7 قالوا إن الزنا الموجب للحد هو الوطء الحرام في قبل المرأة الحية المشتهاة في حالة الاختيار في دار العدل، ممن التزم أحكام الإسلام، الخالي عن حقيقة الملك وحقيقة النكاح وعن شبهة الملك وعن شبهة النكاح، وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح جميعاً.

ونخرج من هذه الاختلافات الفقهية الموجودة في كتب الفقهاء المعتمدة والمعتبرة، أن الاختلاف قد يفتح أبواب حلول أمام المشرعين في مختلف العصور، فيكفي من فقهائنا جزاهم الله خيراً أن وضعوا تلك القواعد والأطر الجميلة في زمن الندرة، ويا ترى هل خطر ببالهم الواقي مثلاً الذي تبيعه الصيدليات اليوم؟ كلا ولكن مع ذلك فإنهم تخيلوا فقرأوا المستقبل بنور بصيرتهم، فذكروا الخرقة التي اعتبرناها قاعدة اليوم للقياس عليها.

وقس على هذا أموراً كثيرة، من واجب المسلمين اليوم ألا يتحجروا عند نصوص قد يظنون أنها جامدة وهي ليست كذلك، والجمود هو جمود فهوم الناس الذين عرفوا دقائق المال وما عرفوا دقائق الحال.

moc.enilnoferA.www