يثير موضوع المجلات والمطبوعات الأدبية والثقافية الكثير من الشجون والأسئلة، حيث ان سجل هذه المجلات عرف حالات من المد والجزر تبعاً لعوامل مختلفة، كان لها أثر واضح في وجود تلك المجلات، والتي كان لها في بعض المراحل التاريخية دور كبير في الحراك الثقافي، بل تجاوزه إلى الحراك الفكري والمجتمعي في بعض الأحيان، وهذا ما يدعو الى التوقف عند هذه المجلات ليس بوصفها ظاهرة تطفو على السطح حينا وتخبو أحياناً أخرى، انما بوصفها جزءاً من حراك الأمة ككل نحو مجتمع الحداثة، وهذا ما يفسر الى حد كبير الدور المهم الذي لعبته المطبوعات الأدبية في ستينات القرن الماضي، في اوج المد القومي العربي الساعي الى بناء الدولة الحديثة والقيام بنهضة اجتماعية ثقافية ومجابهة إسرائيل.

لقد كان لتلك المطبوعات الأدبية دور بارز في إنتاج نسيج ثقافي عربي بما حملته من سمات تجديدية لامست القضايا الاشكالية التي كانت تعانيها الثقافة العربية، وهي تبحث عن بوصلة نظرية تتكئ عليها، وهكذا فإن التفاعل بين المبدع والمثقف والمفكر كان هو الحصيلة الطبيعية للمناخ العام، فلم يكن المبدع بعيداً عما يطرحه المفكرون، وكذلك فإن المفكرين كانوا قريبين جداً من ساحة النتاج الابداعي، ومن يعد إلى سجلات المطبوعات الأدبية العربية الشهيرة في تلك الفترة كمجلة شعر والآداب والهلال والطليعة وغيرها سيجد ذلك الجدل بين الابداع والفكر، وسيجد انعكاس الحركة الفكرية واضحاً في آثار المبدعين، فأفكار كالتنوير والعقل النقدي وتجديد التراث كانت بمثابة الملهم لكثير من المبدعين الذين قدموا اضافات مهمة في ذلك الوقت، وترسخت مع الزمن وجعلت منهم فيما بعد رواداً للتجديد الابداعي العربي في القرن العشرين.

واليوم وبعد مرور ما يقارب 4 عقود على تلك البدايات الملتهبة فإن المطبوعات الأدبية تعاني من تراجع واضح في حضورها في المشهد الثقافي او في تأثيرها على الحراك المجتمعي العربي، حتى ان الكثير من البلدان العربية تفتقد اليوم مطبوعة ادبية تكون بمثابة ساحة لحوار الابداع والفكر، أو رئة يتنفس من خلالها المبدعون ويقدمون جديدهم، وفي الوقت نفسه فإن بلداناً عربية أخرى اخذت تشهد مداً ثقافياً واضحاً واهتماماً ملحوظاً بالتنمية الثقافية كدولة الإمارات، حيث يتواجد فيها اكثر من مطبوعة ادبية منها الرافد وشؤون ثقافية وبيت السرد. وقد صدرت مؤخراً أسبوعية ادبية جديدة تحت عنوان هماليل وفي هذا التحقيق يرصد ملف الخليج آراء مجموعة من المبدعين والمسؤولين عن بعض تلك المجلات للتعرف الى واقعها من حيث الدور الذي تلعبه في المشهد الثقافي ومدى تفاعل تلك المطبوعات مع التغيرات التي اثرت على حركة النشر الأدبي وابرز الاشكاليات التي تعاني منها:

يرى الدكتور صالح هويدي ان تحولاً كبيراً حصل في عالم المطبوعات الأدبية خلال العقود الأخيرة، وان ذلك التحول يطال الواقع الثقافي برمته فيقول:

* الحديث عن المجلات الثقافية ومسيرتها ودورها في العالم العربي حديث يثير الشجن لدى المثقف العربي، لما يشهده الواقع الثقافي العربي اليوم من انحسار لهذا الدور المضيء الذي التمع على مدى عقود، ثم ما لبث أن تضاءل كاشفاً عن بدائل ضعيفة تتقنع بدواع ومبررات شتى، ليس آخرها مقولة (الجمهور عاوز كده).

أين منا الزاد الثقافي والمحصلة المعرفية لدى الجيل السابق علينا وجيلنا الذي أدرك جانباً منها ووقف عليها، في مجلات كالهلال أو المختار أو الكاتب المصري؟ بل أين الدور الثقافي والطليعي الذي نهضت به مجلات مثل الآداب والأديب اللبنانيتين أو الأقلام وآفاق عربية العراقيتين؟

إن المتلفت حوله اليوم لن يجد من قبس هذه الهالة المضيئة سوى عدد من المجلات المحدودة للأسف الشديد، منها على سبيل المثال لا الحصر: مجلة فصول وألف وعلامات في النقد والبحرين الثقافية وثقافات وفكر ونقد والرافد وعمّان، إلى جانب الدوريات المتخصصة الأخرى في التراث أو الثقافة الأجنبية.

إلى جانب هذه المجلات ثمة مجلات أخرى حاولت إيجاد صيغة وسطية تحقق لها شروط الموازنة وتفاوتت حظوظها منها، أو ربما إيجاد موازنة للاستمرار والبقاء فقط، وهو أمر يبقى من حق أصحاب مشاريع كهذه، إذ من غير العدل أن نطالبهم بالتضحية، في وقت رفعت فيه كثير من المؤسسات الثقافية الحكومية أيديها من دعم الثقافة والإنفاق عليها، وتحمّل مسؤولياتها، لتقديم مطبوع معرفي وثقافي مع تحمّل تبعاته. ويمكن عدّ مجلة دبي الثقافية نموذجاً للنجاح في المعادلة المشار إليها، بعد أن حاولت الجمع بين ما هو ثقافي وفني منوّع في معادلة متوازنة وصعبة فشلت فيها مجلات سابقة عليها، ربما لوجود مشرفين محترفين وممتلكين للبعد الثقافي الضروري في هذه المطبوعة.

ويجد هويدي أن أهمية المطبوعات الأدبية لدى المسؤولين عن الواقع الثقافي قد تراجعت لأسباب لها علاقة بالواقع العربي نفسه فيقول:

ترى طائفة من مثقفينا ومعها رهط من المسؤولين الحكوميين أن المطبوع الثقافي أصبح يشكل عبئاً وخسارة مادية على الدولة، وقد يرونها بضاعة بائرة، لا يقدم عليها إلا نفر قليل، جلّهم ممن يسهمون في إنتاج مواده ويتداولونها، وسط حالة العزوف عن القراءة وانتشار الأمية في مجتمعاتنا العربية.

ولا ريب في أن ما يقوله هؤلاء صحيح ويمثل كلمة حق، لكن من حقنا أن نسأل هؤلاء المسؤولين عمن يقف وراء هذه الأمية المستشرية والعزوف عن القراءة اليوم، وأين هي المسؤولية الثقافية والوطنية التي ينبغي للحكومات أن تتحملها؟ بل أين هي الاستراتيجيات التي خططنا لها، لتخليص مجتمعاتنا من غول الأمية الألفبائية، ناهيك عن الأمية الثقافية في حاضرنا ومستقبلنا المنشود؟

وإذا كانت الدولة غير مستعدة لتقديم نموذجها الثقافي الريادي الساعي إلى إحداث تغييرات معرفية وحالة تنوير حقيقية بقليل من التضحيات، فمن غيرها يمكنه تحقيق ذلك؟

إن للتقهقر المعرفي لصالح المادي في مجتمعاتنا العربية نتائج خطيرة، من شأنها أن تنعكس في المدى المتوسط والبعيد على عموم الحالة الثقافية والحضارية للأمة. وإن على دولنا إعادة النظر في مسؤولياتها والدور المطلوب منها لعبه بنفسها أو بطريق خلق شراكة مؤسساتية أو إشاعة مبادرات للنهوض المجتمعي بالواقع العربي؛ لأن أي استثمار في مجال الثقافة سيكون استثماراً لخدمة الإنسان والمجتمع والتنمية المستقبلية في آن معاً.

وتعزو الشاعرة الهنوف محمد نجاح المطبوعة الأدبية الى مجموعة من العوامل التي يجب ان تتوافر لها كي تتمكن المطبوعة من الاستمرار والتواصل مع المتلقي فتقول: يرتكز نجاح أي مجلة أدبية أو ثقافية على عقلية القائمين عليها، والاستراتيجية المتبعة لاختيار النصوص المبدعة والاخراج اللائق للمجلة.

فجودة النصوص المنشورة هي التي تجذب القارئ، بالاضافة الى الإخراج الفني، وأما التنظير المبالغ به، والمصطلحات الرنانة التي يستخدمها بعض النقاد فهي تنفر القارئ ولا تجذبه، خاصة المتعطش للثقافة، لذلك تبقى المجلات المتخصصة متوجهة للنخبة بل لنخبة النخبة.

هذا بالنسبة للمجلات الورقية والمطبوعة، أما في الوقت الراهن فكفة المجلات الالكترونية هي الفائزة، فالمجلة الثقافية الالكترونية تجذب القارئ بصرياً من حيث الاخراج الفني ومن حيث امكانية التنقل بين الصفحات والانتشار اللامحدود، والوصول الى أكبر شريحة مثقفة عربياً وعالمياً، والمواقع الأدبية خير دليل وخير شاهد على ذلك.

ومع ميل الهنوف للمجلات الالكترونية بما يواكب تطورات العصر الحالي وثورته الرقمية إلا أنها لا تنكر في الوقت نفسه أهمية المطبوعة الورقية فتقول: يبقى للكتاب المطبوع والمجلة الأدبية نكهتها والأرفف المزدحمة تشهد بذلك، ولا أنسى أول نشرة أدبية شاركت فيها مع مسعود أمر الله وابراهيم الملا، ومسعود وهو خريج إعلام متمرس ومتمكن ويمسك المادة الأدبية الجيدة، ولم يكن يرضى بالنصوص الركيكة، وأذكر انه كان يستفزني كثيراً حتى أكتب، لأنني كنت وما زلت مزاجية في الكتابة، وكان توّاقاً إلى إصدار المجلة بتميز، دون التنازل عن حقه أو أفكاره.

وعربياً هناك العديد من المجلات الأدبية المشرفة خليجياً مثل مجلة البحرين أما محلياً فمجلة الرافد، لها دور ريادي ومشكور لما تقدمه من مواد ابداعية لائقة، ولا ننسى مجلة شؤون أدبية فهي تصارع كثيراً للوصول الى مبتغاها.

وتختم الهنوف رأيها بالإشارة الى صعوبات النشر التي يواجهها الجيل الجديد من المبدعين فتقول: تعاني الأسماء الجديدة من مشكلة النشر، والمفارقة تكمن في جدلية المحرر والمبدع الجديد، فالمحرر يبتغي جودة النص المقدم، أما المبدع فيصارع من أجل بداياته والفرصة الأولى التي تقدم له، لذلك فالنص هنا هو الفيصل بينهما، وهو الذي يفرض نفسه سواء بالنفي او القبول.

أما الدكتور عمر عبدالعزيز مدير تحرير مجلة الرافد فيرى ان المطبوعة الأدبية هي جزء من حركة النشر العامة، وبالتالي فإن رؤية المؤسسات الثقافية هي التي تحدد اليوم مضمون المطبوعة الأدبية او الثقافية وتوجهها العام، وهذا الرأي للدكتور عبدالعزيز ينطلق من قراءة تجربة مجلة الرافد بكونها إحدى المطبوعات الصادرة عن دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة فيقول: إن حركة النشر في إمارة الشارقة ترافقت مع كامل التطورات الاقتصادية والاجتماعية للدولة خلال العقود الثلاثة الماضية، كما أنها تصدر من حيث الأساس من ذات المرجعيات العامة المترافقة مع المشروع الثقافي المحلي والعربي مع استثناء أساسي يتعلق بحجم الاحتضان المؤسسي لتلك الإصدارات.

إن هذه الرؤية التي أسعفت هذا الحضور السخي للتفعيل الثقافي انعكست على المطبوعات الصادرة من دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، والتي تستمد رؤيتها من توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وهي رؤية تماهي بين التراث والمعاصرة وتقرأ الشواهد التاريخية والمعاصرة في أفق للتثاقف والتكامل لا التعارضات الفجة والتباعد، وهذا ما ينعكس في توجهات مجلة الرافد حيث نتوخى تمثل هذه الفكرة الأساسية على مستوى التعاطي مع الابداع الانساني، اذ نسعى إلى ايجاد تكاملية وتواصل مع المشروع الثقافي العربي من حيث الخطاب والتحديات والأسئلة الوجودية والمعرفية التي تتناسخ يوما عن آخر.

ولقد ترجمت مطبوعات الدائرة هذه الآفاق من خلال السلاسل الماثلة في النشر المنتظم والتي تعبر بدقة العبارة عن هذه المحددات والخيارات.

ونستطيع القول بثقة ان الدائرة حققت التراكم الكمي المطلوب وهيأت البيئة الاساسية للاشتغال مهنياً على المطبوعات، غير ان العمل في تركيز وترسيخ البعد النوعي مازال مفتوحا على آفاق واسعة حيث اننا نرى اهمية الفصل الاجرائي بين المطبوعات المترافقة مع المناسبات وتلك التي تتسم بالثبات والتواتر، كما ان من الأهمية بمكان تبادل الخبرات مع مؤسسات النشر المحلية والعربية والتوقف أمام الإنجازات الماثلة بغرض تقييمها والانطلاق بها صوب آفاق اكثر رحابة وحيوية.

الشاعر عبدالله السبب يجد ان ضرورة المطبوعة الأدبية تنبع مما تخلقه من تراكم بحيث انها تتحول مع مرور الوقت الى ارشيف مهم لدراسة التطور الابداعي، وبالتالي إلى مرجع مهم للبحث والنقد والدراسة فيقول: حين نتحدث عن المجلات الأدبية كمشروع له ضرورته في المكتبة الثقافية، فإننا نؤكد اولا على اهميتها اذا ما قورنت بالملاحق او الصفحات الثقافية في الصحف اليومية أو الأسبوعية وكذلك فيما يخص مثيلاتها من الأوراق الثقافية في المجلات المنوعة، ذلك ان المجلات الادبية، وبفعل ديمومتها وتراكماتها النوعية تصبح مرجعيات ثقافية وادبية وتاريخية للباحثين في الشأن الثقافي الأدبي، وعلى العكس من ذلك بالنسبة للملاحق الثقافية، التي وإن كانت اوسع انتشارا واسرع اقتحاماً على كافة الشرائح والمنازل على مختلف اشكالها المادية او دواخلها المعنوية، الا انه لا يمكن لها ان تكون مرجعا ادبيا وثقافيا الا لمن اراد الاحتفاط بها في مكتبته الخاصة، اما لمادة بحثية او ابداعية قد شارك بها او تناولت ابداعه بشكل نقدي او ما إلى ذلك، ولعلنا ندلل على ذلك بمثال حي في الساحة الثقافية الادبية في دولة الإمارات حيث كتاب قهوة وتمر Coffee @ Dates الصادر العام الماضي ،2007 عن اتحاد كتاب وادباء الامارات ووزارة الثقافة وتنمية المجتمع باللغة الانجليزية للشاعر د. شهاب غانم الذي ترجم من خلاله لمجموعة من الشعراء والقاصين الاماراتيين والذي قد اعتمد في بعض مرجعياته على العدد 23 من مجلة شؤون ادبية الصادرة عن اتحاد الكتاب في العام 1992 والذي كان قد خصص عن الأدب في الامارات، مما يعني ان الملفات الأدبية النوعية لها ضروراتها التوعوية والمعرفية بالنسبة للمتلقي الآخر الراغب في الاطلاع على مدى التطور الابداعي والثقافي للشعوب في مختلف الساحات الثقافية العالمية، وعلى ذلك فإن الالتفات الى الملفات الادبية النوعية بات ضروريا في ظل العولمة التي تشير الى ان العالم قرية كبيرة تتشارك فيها الشعوب وتتقاطع العادات والتقاليد والثقافات فيما يؤكد على ان للملفات الأدبية الجادة لها ما يبررها في هذه التراكمات الثقافية العالمية، ولعلني في هذا السياق، اعود الى الذاكرة قليلا لاستحضار بعض من المجلات الادبية في الامارات، حيث العدد المزدوج ،29 30 من مجلة شؤون ادبية الصادر في العام 1994 والذي كان مخصصاً عن الادب العربي في الخليج، وكذلك العدد 2 والأخير من مجلة شعر الصادر في يناير/كانون الثاني 1992 عن مؤسسة الثقافة والفنون المجمع الثقافي في أبوظبي، ولعلنا هنا نشير او نثير اسئلة ملحة وحقيقية تجاه ظاهرة اختفاء المجلات الادبية - العامة منها والمتخصصة - بعد اعداد تعد على اصابع اليد الواحدة؟ فعلى الرغم من النجاح الذي حققته تلك المجلات، الا انها اخفقت في المسير الى الامام دون معرفة الاسباب الحقيقية والمقنعة ازاء ذلك! فمن تلك المجلات مثلا مجلة المجمع التي كانت تصدر عن المجمع الثقافي والتي كان لها بروز وأثر واضح وجاد في المشهد الثقافي الاماراتي، وكذلك مجلة الملتقى الأدبي التي كانت تصدر عن مسرح رأس الخيمة الوطني، لتتوقف ردحاً من الزمن ليعاد اصدارها مع تغيير اسمها الذي صار شؤون ثقافية مستمدة هذا الاسم من النجاح الذي لاقته مجلة شؤون ادبية التي تصدر عن اتحاد كتاب وادباء الإمارات بالشارقة، لتتعرض المجلة شؤون ثقافية الى توقف آخر ليس له مبرراته ولا مسوغاته! ولعلنا هنا نشد على يد مجلة الرافد التي تصدر عن دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة، والتي اكدت على قوة عزيمتها في استمرارية الصدور بآليات ورؤى تطويرية، وكذلك على صدق توجهها نحو ترسيخ مفهوم الثقافة الشاملة، محليا وعربيا وعالميا، إلا اننا هنا نسجل نقطة نظام نضعها على طاولتها المستديرة فيما يخص عدم مخاطبتها للمبدعين الإماراتيين من أجل المشاركة في الملفات الادبية والثقافية التي تخصصها بين فينة وأخرى، فما مشاركات المبدع الإماراتي في تلك الملفات الا من خلال الصداقات الشخصية او من قبيل المصادفة التي تقود للمشاركة حين تتوافر لديه المادة الابداعية التي تتناسب والملف المعني آنذاك!

إذن؛ نؤكد في محور حديثنا عن المجلات الادبية، أنها بما تحتويه من قصائد وقصص ودراسات نقدية ومتابعات ثقافية تشكل رافداً من روافد الثقافة على مر التاريخ، وعلى ذلك، من الممكن او من الضروري في شيء، ان تقوم المؤسسة الثقافية الصادرة عنها المجلة الأدبية بغربلة العديد من المواد الأدبية والثقافية ليصار الى اصدار مجموعات شعرية وقصصية وروايات ومسرحيات وكتب نقدية عديدة لتضاف الى المكتبة الثقافية ولترسم صورة حية وحيوية عن المشهد الثقافي الإماراتي بشكل خاص والعربي على وجه العموم.

أما القاصة نجيبة الرفاعي فترى أن القائمين على المجلات الأدبية يجب أن يطوروا من مضمون المادة المبثوثة ومن شكل المطبوعة ذاته، وأن يكون لديهم الرغبة والإرادة للوصول الى أكبر شريحة من المتلقين فتقول: في البداية لابد أن نؤكد على أهمية المجلات الأدبية في إعطاء المجتمع صورة عن الواقع الثقافي والأدبي، وإبراز الطاقات الأدبية والنتاج الأدبي المختلف سواء من داخل الدولة أو خارجها، والمجلات الأدبية كغيرها من المجلات المتخصصة، عليها مسؤولية تطوير ذاتها، والخروج من القالب التقليدي الذي لا يجذب سوى فئة معينة من القراء، إلى القالب العصري الذي يخاطب كل المستويات وكل الأعمار، فنحن لا نريد للمجلات الأدبية أن تكون فقط موجهة للأديب والكاتب، بل أن تجذب كل إنسان مهما كانت ثقافته، وتوصل إليه الرسالة بشكل سلس ومحبب، وهذا لن يتأتى إلا من خلال كادر إعلامي متخصص ومتجدد في طرحه.

وحين ننظر إلى المجلات الأدبية نجد بعضها يحرص على إثراء القارئ بنصوص أدبية قوية، ويلحقها بقراءة نقدية لتلك النصوص ما يكسب القارئ خبرة وثقافة، ولكن يعيب تلك المجلات التكدس المبالغ فيه للنصوص، حتى تتحول إلى ما يشبه الجريدة، ناهيك عن استخدامها لمصطلحات نقدية قد تكون صعبة الفهم على القارئ العادي.

وبعض المجلات الأدبية نجد أنها تتحدث عن تجارب أدبية عربية وعالمية بشكل مكثف ودائم، وتغفل عن الأدب المحلي، مما يوجد عزلة نفسية بينها وبين المتلقي الموجود في الدولة سواء كان مواطنا أو مقيما، وقد سمعت العديد من الملاحظات ممن يتابع المجلات والملاحق الأدبية بأنها أصبحت مملة، وتتحدث عن شخصيات بعيدة عن عالمنا ولم نسمع عنها من قبل، وأنها تطرح موضوعات وعناوين بصيغة مبالغة في التعقيد ولا يفهمها إلا كاتبها، حتى إن البعض منهم يقول إنه لم يعد ينجذب إلى تلك المجلات والملاحق، لأنها أصبحت ثقيلة على القارئ في زمن يبحث فيه الإنسان عن قراءة تزيح عنه بعضا من الهم والضغط النفسي.

وتستطيع المجلات الأدبية أن تعبّر عن حاجات المبدعين حين يكون لها تأثير في الساحة الثقافية وفي الرأي الثقافي، أما أن تكون فقط مستودعا للنتاج الأدبي، دون أن يفعّل هذا النتاج بشيء من المناقشة والنقد والتعقيب، ومواصلة التعامل مع ذلك الأديب، واحتضان الناشئ المبدع، فإن تلك المجلات لن تحقق النجاح ولا الانتشار المطلوب، يجب أن تكون النصوص المختارة في المجلات تعبّر عن رأي وموقف، وأن تكون مساحة الحرية للتعبير فيها واسعة، حتى لا تصبح الصفحات الثقافية مجرد تكرار واستنساخ لبعضها بعضاً، والسؤال الذي نطرحه هو ما مدى الحرية المسموح بها للكاتب في تلك المجلات؟ وهل يستطيع أن يعبر عن رأيه بكل صراحة حول ما يجري من حوله من أحداث؟ وهل تملك تلك المجلات القدرة على المحافظة أو الدفاع عن ذلك الأديب والكاتب وأن تقف معه موقف الداعم والمساند؟

وحول تجربتها مع المطبوعات الأدبية تقول: بالنسبة لتجربتي مع المجلات الأدبية وجدت أن بعض المجلات التي تصنف بأنها أدبية، ومن باب تحقيق الانتشار أصبحت تقحم فيها أخبار الفنانين وصورهم، وتفتعل الأحداث المثيرة لتجذب القارئ، وأنا أرى أنها بهذه الطريقة قد حادت عن هدفها الأساسي وهو الارتقاء بالذوق الأدبي للقارئ، وبعض المجلات الأدبية أصبحت متكررة في تحقيقاتها المطروحة، وأصبحت المواضيع التي تعالجها سطحية لا تفيد القارئ، وفي تجربتي مع بعض الصحافيين وجدتهم يطلبون رأيي في مواضيع سطحية، أشعر أنها مجرد حشو لملء الصفحات ليس إلا، وبكل صراحة أقول إنه يجب أن نخرج من قضايا مثل ماذا يفعل الأديب في الصيف، وما طقوسه في الكتابة، وكيف كوّن مكتبته الخاصة وغيرها من تلك التحقيقات المكررة إلى مواضيع تحترم خبرة الكاتب، وتحترم رأيه وموقعه في المجتمع.

تجربتي مع مجلة أشرعة التي تصدرها رابطة أديبات الإمارات تجربة جديدة لم تتجاوز السنتين تقريبا، وأنا أجد أن هذه المجلة تحتاج إلى الدعم المجتمعي، لأنها ترصد الإبداع الأدبي عند المرأة والفتاة، وهذه المجلة تجتهد كي يكون لها مكانها في الساحة الأدبية، ولكنها بحاجة إلى كادر متخصص في مجال الصف والإخراج، بالإضافة إلى أن المجلة أحيانا تجد صعوبة في الوصول إلى الأديبات اللاتي ترغب في تسليط الضوء على كتاباتهن، فالبعض يؤثر الاختباء، والبعض تشغله الحياة فيقل نتاجه الأدبي، ولذلك فهي دعوة مفتوحة لكل أديبة أن ترفد المجلة بكتاباتها حتى يصل صوتها إلى الآخرين.

وأحياناً نسمع من بعض المسؤولين عن المجلات الأدبية نقدا لمجلة أشرعة، ونحن نرحب بالنقد ولكن على ألا يتجاوز الأمر إلى التجريح والتقليل من قيمة المجلة، وأتمنى أن نتجاوز مسألة المقارنات والمنافسات إلى التعاون بين المجلات الأدبية داخل الدولة بالذات في سبيل رعاية المبدع وإيصال صوت ورسالة الأدب إلى الآخرين.

أما محمد الرمضاني سكرتير تحرير مجلة هماليل فيرى أن هناك تطوراً نوعياً يشهده الواقع الثقافي في الإمارات ما يدفع الى إعادة تقييم للمطبوعات الأدبية الموجودة على الساحة، ومن جهة أخرى فإن الحراك الثقافي كان الدافع الرئيسي وراء إصدار مجلة هماليل، ويقول: رغم تعدد المطبوعات التي تتناول الجانب الأدبي إلا أننا لم نر منها ما هو متخصص بنسب كبيرة فأغلب المطبوعات تمارس دور الناسخ للمادة التحريرية من دون أن توجد آلية تأثيرية تضيف للأدب وللثقافة قيمة مثلى لذلك نرى أن الأدب والثقافة سواء من خلال المجلات أو الصحف ليسا سوى عملية نشر وإبراز ووضع للنص تحت إضاءة خافتة جدا، ويساهم في هذا الأمر للأسف الكاتب الصحافي وكذلك الأديب والمثقف المزاجي!

عدا ذلك هناك قضية جوهرية ألا وهي أن الفترة الزمنية التي تظهر فيها المطبوعة وتختفي غير كافية ما يجعل القارئ والمتابع في منأى وفي بعد غير متعمد عن المتابعة، فأغلب المطبوعات إما أنها شهرية أو دورية ونادراً ما تكون يومية أو حتى أسبوعية، وبشكل عام ومن خلال رؤية شخصية أرى أن هناك شرخا بين المطبوعات والصحف التي تعنى بالثقافة وبين المثقفين على مختلف توجهاتهم وانتماءاتهم.

وبالنسبة لتجربتنا الوليدة هماليل فنحن بلا شك نسعى إلى تقديم رؤية جديدة تتماشى مع ما نطمح إليه في أن يصبح الأدب والشعر يمثلان الخبز والهم اليومي لرجل الشارع وللانسان العادي، لذلك جاءت هماليل كأول صحيفة أدبية أسبوعية في الإمارات تعنى بالثقافة والأدب، وقد جاءت كامتداد طبيعي للطفرة الثقافية التي تحرص قيادتنا الرشيدة على تكريسها في المجتمع إيمانا منها بدور الأدب والثقافة في تعزيز النهج الجديد في التنمية على مختلف الأصعدة تحت قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة حفظه الله، ولعل ما يميزنا في صحيفة هماليل الأدبية أننا حريصون فيها على تقديم رؤية جديدة تتماشى مع ما تشهده الدولة من حراك في الجانب الثقافي ولعل الفعاليات الكثيرة التي نراها ماثلة أمام أعين الجميع أكبر دليل على ذلك من مهرجانات وفعاليات في مختلف إمارات الدولة كشاعر المليون وأمير الشعراء وجائزة الشيخ زايد للكتاب ومعارض الكتب ومهرجان أفلام من الإمارات والملتقيات الشعرية ومهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبوظبي ومعارض الفن التشكيلي ومهرجان السيمفونيات العالمية، وكذلك تأسيس مجموعة متاحف وقرى ثقافية كمتحف اللوفر أبوظبي - متحف جوجنهايم - متحف الشيخ زايد- خور دبي الثقافي الذي يضم مجموعة مؤسسات ثقافية عدا عن المؤسسات الثقافية الجديدة التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى في تنافس جميل بناء يدل على أن الدولة مقبلة على مرحلة مزدهرة في هذا الاتجاه سواء محليا أو حتى عالميا، أما عن الشرائح المستهدفة ف هماليل موجهة لكل من يؤمن بدور الكلمة الإماراتية وتأثيرها وقد حرصت إدارة التحرير على التواصل مع مختلف شرائح المجتمع من خلال استحداث صفحات تعنى بالمبدعين والشعراء والنخب المثقفة من أدباء وفنانين تشكيليين ومسرحيين، وكذلك الهواة ومن هم على طريق الإبداع وأيضا موجهة إلى طلبة الجامعات من خلال ملف إبداعات من الجامعات الذي سنحرص فيه على إبراز إبداعات الطلبة والطالبات وصفحات أخرى تعنى بالرياضة كملف خاص أطلقنا عليه شعرياضي على سبيل المثال لا الحصر ينسجم مع الدوري المحلي في تفاعل شعري جميل ضمن إطار الأدب والثقافة، والهدف بشكل عام إقحام الثقافة في كل الميادين الحيوية، عدا عن صحفات أخرى تهتم بالتراث والموروث بأسلوب يخرج عن الإطار التقليدي البحت، وهناك صفحات أخرى عدة، تخرج عن الإطار التقليدي للصفحات الأدبية ألا وهي صفحة مواهب وراء القضبان التي نتناول من خلالها ما يسمى بأدب السجون في محاولة لتسليط الضوء على هذا النوع من الأدب الذي غالبا ما يكون مغيبا لاعتبارات معروفة ومعلومة.

وبشكل عام نحن في هماليل ننتصر للابداع الإماراتي بشكل عام بعيدا عن الشللية وننتصر لكل قلم إماراتي مؤمن بالعمل الوطني في الجانب الثقافي بحس وطني مرتفع.

آفات قيمية

لا شك في أن المجلات الثقافية والأدبية في عالمنا العربي تعاني في معظمها- إن لم يكن كلها- من آفات اجتماعية وقيمية تنال من صدقيتها وموضوعيتها، وهي آفات ومثالب تنخر في الجسد العربي منذ عقود. فرأسمال أية مجلة وبوابتها الأساسية ليس المادة الجادة أو السوية، بقدر ما هي المعرفة والصداقة والشهرة الأدبية أو الثقافية، ثم تتبعها المعايير الأخرى، بغض النظر عن الدلالة الحقيقية لهذه الشهرة وصدقيتها، وإن تفاوت حجم استشراء هذه الآفة بين المجلات درجات. ولو أن دورياتنا ومؤسساتنا وحياتنا الثقافية وصروحنا الأكاديمية ومؤتمراتنا العلمية ومهرجاناتنا الثقافية اعتمدت الموضوعية الحقة والسوية المعرفية في الاختيار لتغير حالنا وتبدل مآلنا، وتلك لعمري قيمة لن تقوم لمجتمع قائمة ما لم ينجح في إرساء دعائمها.