كانت بادرة حسنة من ندوة الثقافة والعلوم، أن تقيم أمسية للحديث عن «الأدب والأدباء وقراءة عامة في الأدب»، وكنا نود أن يثار حديث عن الصالونات الأدبية أو شبيهها من المجالس والديوانيات في الإمارات، وخاصة في دبي والشارقة، في الربع الأول من القرن الماضي وحتى أواخره.. ولعل ما أشير إليه من وجود صالون للأدب الروسي أقامه أحد المشاركين في الأمسية كان العنوان الرئيسي للحديث، ولكن ذلك في رأيي لا يشكل حدثاً ثقافياً مهماً استفاد منه الحضور، وإن كان التنوع الثقافي الذي يقارب بين الشعوب أصبح ديدن العصر الحاضر ومن الضروريات التي يفرضها هذا التقارب.. وفي رأيي أنه من الخير أن تتخلل جلسات هذا الصالون، صالون الأدب الروسي، أحاديث عامة عن أدب الأمم الأخرى كالأدب العربي الممثل لثقافة مجتمعنا، ثم آداب الأمم الأخرى وتراثها الثقافي خاصة تلك الأمم التي تحتل حيزاً واسعاً في ثقافتنا ومسيرة شؤوننا العامة، وهي ذات الثقافة الأنجلوسكسونية أو الأمم التي تتحدث باللغة الانجليزية التي أصبحت لغة المعرفة العامة من علوم وآداب في كل مكان..
ولم يكن الصالون الأدبي بمعناه المركز على الشأن الأدبي المحض، معروفاً في الإمارات وما زال مكانه خالياً إلى حد ما حتى كتابة هذه السطور، وإن وجد شيء قريب منه في الماضي فإن أخباره لم تصلنا، وأكون من الشاكرين لمن يدلني على وجوده في الإمارات.. لكن الإماراتيين في الماضي وحتى يومنا هذا عرفوا الديوانيات والمجالس التي تجمعهم في شكل اجتماعي في بيوت الأعيان وذوي اليسار من الناس، حيث لم يكن الأمر يقتصر في بعض هذه المجالس على تبادل الأحاديث العامة، بل الأمر كان يتعدى ذلك إلى الشعر وروايته وشعراء الفصيح والعامية وقصص تاريخية وروايات تراثية، وكان كل ذلك يتوقف على صاحب المجلس أو الديوانية ومدى تذوقه لروايات الأدب والشعر.. وفي دبي، عرف مجلس مبارك العقيلي، الشاعر المعروف، منذ العشرينات من القرن الماضي وحتى منتصفه، خلف سوق العرصة في ديرة، بأنه ملتقى للأدباء والشعراء والشيوخ كالشيخ مانع بن راشد الذي كان يتذوق الأدب، وراشد بن بطي وأحمد بن سليم وراشد بن حريز والشيخ صقر بن سلطان وأحمد أمين المدني وسالم بن علي العويس والسيد هاشم الهاشمي.. وفي الشارقة كان مجلس الشيخ صقر بن سلطان عامراً يرتاده بجانب العامة أرباب الأدب والشعر ومحبوهما، وفيه ملتقى لهؤلاء الأدباء ومنهم مدرسون جاؤوا ضمن البعثات التعليمية.. وقد كنت كاتب هذه السطور حضرت أكثر من مرة في المساء بصحبة صديق للشيخ صقر هو المرحوم الأستاذ حسن فرامرزي الأديب والضليع في اللغتين العربية والفارسية وآدابهما.. وأذكر أن الأستاذ فرامرزي كان يتحدث في إحدى الأمسيات عن الشاعر الفارسي الملحمي الكبير أبي القاسم الفردوسي فاستشهد ببيت للفردوسي في «شاه نامته»، يصف فيها معركة التحمت فيها الجيوش المتحاربة، بحيث غطى الغبار المتطاير من حوافر الخيول سماء المعركة فكأن طبقة اقتطعت من الأرض وأوجدت سماء ثامنة..
(زمين شُد شِشُ واسمان كَشتْ هشتْ)
فاعجب الحاضرون بهذه الدقة في الوصف.. وانبرى الشيخ صقر بن سلطان رحمه الله، وأتى على ذكر بشار بن برد ووصفه المتناهي في الروعة والدقة، وهو أعمى غير بصير، يصف معركة مماثلة والفرسان المتلاحمون يحفرون بسنابك خيولهم الأرض حفراً، فيثيرون النقع والغبار ويحولون ضياء النهار إلى الليل والسيوف المتشابكة وسط الغبار تلمع كأنها نجوم تتساقط من السماء !
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه!
وفي النهاية فإن ما ذكرته من شواهد تدل على مساهمات حضرية للأولين من أهل الإمارات في الحياة الثقافية العربية..
مجالس الأعيان والصالونات الأدبية في الإمارات
29 مايو 2018 04:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
29 مايو 04:18 2018
شارك
بقلم: عبدالغفار حسين