في حي مصر القديمة وسط القاهرة، تتعانق الأديان السماوية الثلاثة، في مساحة لا تزيد على كيلو متر واحد، حيث ترتفع مئذنة أول مسجد في مصر وإفريقيا كلها إلى جانب "كنيس بن عزرا"، وهو أقدم وأكبر المعابد اليهودية الباقية في مصر، وبالقرب منهما تطل الكنيسة المعلقة، وهي أول الآثار المسيحية في مصر التي يرجع تاريخها إلى أكثر من ألفي عام، حينما لجأت العائلة المقدسة إلى مصر، هرباً من بطش هيرودوس في بيت لحم في فلسطين، ووجدت العذراء وطفلها الأمن والأمان في مغارة "أبي سرجة" التي أقيمت أعلاها الآن تابعة الكنيسة المعلقة .
تعكف محافظة القاهرة على تنفيذ مشروع إعادة تطوير منطقة مجمع الأديان بغرض وضعها على الخريطة السياحية خلال الفترة المقبلة، مع العمل على رفع كفاءة الخدمات بالمنطقة المحيطة، من إنارة ورصف ونظافة، ورفع الإشغالات حول الكنائس والمساجد لجذب السائحين .
ومن أقدم الآثار الموجودة في مُجمع الأديان، المعبد اليهودي الذي كان في الأصل كنيسة ثم تحول إلى معبد في عهد أحمد بن طولون بعد أن اشترته الطائفة اليهودية وزعيمها في ذلك الوقت "إبراهام بن عزرا"، ولهذا يطلق عليه "معبد بن عزرا" .
ويعود تمسك اليهود بالاستحواذ على المعبد لاعتقادهم أن الصندوق الذي رمي فيه النبي موسى عليه السلام وهو طفل انتشل في هذه المنطقة . ويعد المعبد أحد أهم المعالم اليهودية في مصر، لأنه كان مركز حياة اليهود الثقافية والدينية في العصور الوسطى، إضافة إلى اكتشاف مجموعة "الجنيزا" في آواخر القرن التاسع عشر، وهي وثائق يهودية تغطي فترة العصور الوسطى، وتكشف مدى اندماج اليهود في الحياة العامة، عكس الاضطهاد الذي أنزله بهم الأوروبيون .
أما الكنيسة المعلقة فهي أحد أهم آثار مجمع الأديان وتُعرف بهذا الاسم، لأنها شيدت فوق حصن بابليون الروماني على ارتفاع 13 متراً فوق سطح الأرض وبذلك تصبح أعلى مباني المنطقة .
وتعد الكنيسة المعلقة، التي يرجع تاريخ إنشائها للقرن الخامس الميلادي، أقدم كنائس مصر وكانت في الأصل معبداً فرعونياً . وفي عام 80 ميلادية أنشأ الإمبراطور الروماني (تراجان) حصن بابليون الروماني على أجزاء من المعبد لاستخدامه في العبادة الوثنية، وعندما انتشرت المسيحية وتحول الرومان للدين الجديد تحول المعبد الوثني إلى أقدم كنيسة رومانية في مصر، وتقام فيها الشعائر الدينية حتى اليوم بانتظام .
وقد نُقل مقر الكرسي البابوي الرسولي المرقسي من مقره في الإسكندرية إلى "الكنيسة المعلقة" في مصر القديمة في عهد البابا خريستوذولوس 66 (1047 1077م) أي في القرن الحادي عشر، ليتنقل بعدها المقرّ البابوي في أكثر من مكان .
ومن مميزات الكنيسة أيضاً أنها تحتوي على 120 أيقونة موزعة على جدرانها وتحتوي بداخلها على كنيسة أخرى يصعد إليها من سلم خشبي وهي كنيسة مار مرقس، كما تضم الكنيسة المتحف القبطي الذي تأسس عام 1910 على يد مرقس سميكة باشا، وذلك لأهمية وجود مكان يتسع لضم مجموعات أثرية من العصر المسيحي، التي تم تخزينها في إحدى القاعات القريبة من الكنيسة المعلقة ولتسهيل دراسة تاريخ المسيحية في مصر .
تبلغ مساحة المتحف القبطي الكلية، الذي يرصد تاريخ المسيحية في مصر، نحو 8 آلاف م كما يبلغ عدد مقتنياته نحو 16 ألف أثر رتبت تبعاً لنوعياتها إلى اثني عشر قسماً، عرضت عرضاً علمياً روعي فيه الترتيب الزمني، وأهم هذه المعروضات كتاب "مزامير داود"، الذي خصصت له قاعة منفصلة .
كذلك تضم الكنيسة "دير الراهبات البنات" حيث يتردد الكثير من المسيحيين إلى هذا المكان تبركا بالشهيد صاحب الدير لاسيما المصابين بأمراض عصبية وعقلية، ويتميز الدير بتصميمه الرائع، ويتصدر مدخله تمثال محفور على الحجر لمار جرجس وهو يقتل التنين بحربته، ويضم كنيسة "أبو سرجة"، وتم تشريف هذا المكان بنزول نبي الله عيسى عليه السلام ووالدته به خلال رحلة الهروب من بطش الملك (هيردوس)، وذلك بالمغارة المقدسة داخل الكنيسة، ومن هذه المغارة انطلق عيسى عليه السلام مع أمه ليبدأ نشر رسالة ربه، ولذا يقصدها الزائرون من جميع الطوائف المسيحية في العالم .
وكذلك توجد كنيسة "مار جرجس"، حيث كانت هذه الكنيسة من أجمل كنائس الحصن الروماني، شيدها الكاتب الثري أثناسيوس عام 684 ميلادية، ولكنها لسوء الحظ التهمتها النيران منذ ثمانين سنة، ولم يبق منها سوى قاعة استقبال بخارجها تعرف "بقاعة العرسان"، يرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر .
وعلى مقربة من الكنيسة والمعبد يوجد مسجد "عمرو بن العاص"، أقدم مسجد في مصر وإفريقيا، ويعتبر الرابع في الإسلام بعد مساجد المدينة والبصرة والكوفة .
وقد استوحيت هندسته من الجامع النبوي في المدينة المنورة ليتوسط مدينة الفسطاط أول عاصمة إسلامية لمصر التي أسسها المسلمون بعد فتحهم لها، وقد شارك عدد من الصحابة في تصميمه أهمهم الصحابي الجليل "أبو ذر الغفاري" .
ويسمى المسجد ب "مسجد الفتح" و"المسجد العتيق" و"تاج الجوامع"، حيث تزامن إنشاؤه مع انتهاء عمليات الفتح الإسلامي لمصر وبناء مدينة الفسطاط عام 642 ميلادية التي كانت مقراً لعاصمة مصر الإسلامية، ويتكون جامع عمرو بن العاص من بهو كبير تتوسطه ميضأة أقيمت فوق بئر قديمة تم ردمها، تعلوه قبة كبيرة، ويتكون المسجد من مدخل رئيسي بارز يقع في الجهة الغربية للجامع الذي يتكون من صحن كبير مكشوف تحيط به أربعة أروقة ذات سقوف خشبية بسيطة، أكبر هذه الأروقة هو رواق القبلة ويتكون من إحدى وعشرين بائكة، تتكون كل منها من ستة عقود مدببة مرتكزة على أعمدة رخامية، وبصدر رواق القبلة محرابان مجوفان يجاور كل منهما منبر خشبي، أحدهما منبر الدكتور محمد عبد السميع جاد، والآخر منبر الدكتور عبد الصبور شاهين، ويوجد بجدار القبلة لوحتان ترجعان إلى عصر مراد بك . أما المحراب الرئيسي فتعلوه لوحة كتب عليها بماء الذهب أبيات شعر تعطي معنى ترميم المسجد وصاحب هذا الترميم، وسنة بناء الإيوان وافتتاحه عام 1212م .
ولم يقتصر النشاط في جامع عمرو بن العاص على أداء الصلاة فقط بل كان مسجداً جامعاً لأمور الدنيا والدين، حيث كانت فيه محكمة لفض المُنازعات الدينية، وبيت للمال، فقد كان جامع عمرو بن العاص استناداً إلى روايات المؤرخين من أقدم الجامعات، كما كانت تعقد فيه حلقات دروس لكبار العُلماء أمثال الإمام الشافعي والليث بن سعد، والعز بن عبد السلام، وكانت الحلقات متصلة ويزيد عدد المتلقين فيها أحياناً على 5 آلاف طالب .
يضم أول مسجد في إفريقيا وأقدم معابد وكنائس مصر
مجمع الأديان موضع عناق الحضارات
14 مارس 2014 02:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 مارس 02:19 2014
شارك
القاهرة - "الخليج":