يركز المجتمع الموريتاني على التعليم الأهلي ويعطيه أهمية تكاد في بعض الأحيان تتجاوز درجة الاهتمام بالتعليم الرسمي ولهذا لاهتمام ما يبرره حيث كانت المحظرة هي القلعة الصامدة في وجه الاستعمار وكل حركات الاستلاب الفكرية التي مر بها التاريخ الثقافي الموريتاني وكذلك ميزة البساطة وعدم التكلف فيما بين الطلاب والأساتذة وعدم ارتفاع التكاليف المادية لها إنها مميزات تميز المحظرة الموريتانية وتجعلها تقف سامقة كنخيل شنقيط الذي كان ظله للفاتحين مقيلا أيام كانت المحظرة الموريتانية موئلا لطلاب العلم من مختلف المناطق الموريتانية باعتبارها تجمع كل الفنون المعرفية من لغة ونحو وفقه وتسمح بحرية التخصص لطلابها واختيار الطالب لأوقات الدراسة المناسبة له.. كلها مميزات أعطت للمحظرة الموريتانية نوعا من الاستمرار في ظل زحف العولمة بمدارسها الحديثة على الريف الموريتاني ومحاولاتها اجتثاث التعليم الأهلي الذي يعود له الفضل الأكبر في الحفاظ على هوية البلاد العربية والإسلامية.
المحظرة لفظ يطلقه الموريتانيون على المدرسة الدينية التقليدية، وهي لا تتطلب أكثر من وجود عالم متبحر متفرغ للتدريس بغض النظر عن مكان إقامته أو ملاءمته للسكن والعيش.
ولهذا وجدت المحاظر تحت الخيام في الصحراء أو تحت الأعرشة، أو أي مكان قابل للعيش بأي طريقة. المهم أن يكون الزاد العلمي الذي يقدمه للطلاب عند المبتغى.
ومن بين هذه المحاظر التي ما زالت تقف رغم عوادي الزمن محظرة الإمام بداه ولد البصيري.
الإمام الأكبر
ولد البصيري، المعروف ب الإمام الأكبر، هو أحد أشهر العلماء الموريتانيين في هذا العصر، واشتهر بغزارة علمه وتواضعه وخدمته للمجتمع، وكان أول مفت للبلاد بعد استقلالها سنة ،1960 إلى أن أقعده المرض في السنوات الأخيرة، وقد ظل ولد البصيري مرجعا لكل العلماء الموريتانيين وكل الاتجاهات الدينية في البلاد، ولم يجرؤ أي عالم موريتاني على المس بمكانة ولد البصيري العلمية، كما كان ولد البصيري العالم الوحيد في البلاد الذي لا يجرؤ أي نظام موريتاني على معارضة فتاويه أو تدخله في الأمور العامة أو إسكات صوته عن الحق. وتميز ولد البصيري بكونه عالما متسامحا، فقد بدأ الفتوى بعدة مذاهب عكس سابقيه الذين اقتصروا على الفتوى بمذهب واحد.
في الستينات أسس بداه ولد البصيري محظرته التي تقف اليوم شامخة في الجزء الشمالي من العاصمة نواكشوط، وبالتحديد على تلة مقاطعة لكصر، وسارع طلاب العلم والتبحر في دراسة الشريعة وعلومها، واللغة، إلى محظرة بداه ينهلون من معينها الفياض. وساهم في ذلك تسامح الرجل وكرمه وابتعاده عن الشبهات والتزامه التام بدور العالم المصلح.
هكذا كانت المحظرة بمثابة جامعة لتدريس العلماء والأساتذة وأهل التخصص، وفي الوقت نفسه كانت مدرسة للأجيال المبتدئة من تلاميذ صغار وشبان، قصدوها لحفظ القرآن وتعلم الفقه والنحو والشعر والمنطق.
كما كانت مدرسة لتعلم تطبيق أركان الدين وليس معرفة الأحكام فحسب، وقد تميز أسلوب بداه في التدريس بمزج النظري والتطبيقي، فكان مثلا حين يدرس الطالب الصلاة يقول له اذهب إلى تلميذي فلان وانظر كيف يصلي..
مع دخول عقده الرابع، أقعد المرض الشيخ بداه ولد البصيري عن التدريس في المحظرة، لكن ذلك لم يمنع هذه المدرسة من مواصلة عطائها على يد علماء ومدرسين أجلاء، انبروا لمواصلة الدور الذي كان يقوم به رائد هذه المدرسة.
النظام التربوي والإداري
وهكذا بقيت محظرة بداه شاخصة عصية على الذوبان وذلك من خلال تدريسها لمختلف العلوم الشرعية لعشرات الطلاب المقيمين بها تتقاسمهم مختلف التخصصات المحظرية من لغة ونحو وفقه وتقوم هذه المحظرة على نظام تربوي وإداري خاص من أجل تكوين شخصية علمية محظرية تتوافر على أكبر مميزات علمية في مختلف العلوم الشرعية ومن أهم خصائص هذا النظام التربوي الاتفاق العرفي بين الطلاب والأساتذة على هذا المنهج الدراسي حيث يبدأ الطالب بدراسة القرآن وإتقان حفظه ورسمه ثم بعد ذلك تبدأ مراحل دراسة التخصص حيث يختار الطالب تخصص الفقه أو النحو أو اللغة، وكل هذه التخصصات لها كتب تعتبر دراستها مدخلا لمعرفتها والتعمق في فهمها، فدراسة النحو تحتاج لدراسة كتاب الأجرومية ومختصرات كتب النحو الأخرى ولا يمكن لأي طالب قراءة أمهات كتب النحو دون المرور بهذه الكتب وكذلك الفنون الأخرى، وعندما يقرأ الطالب الكتب المحيطة بواحد من هذه الفنون يعتبر قد حاز شهادة التخصص في هذا الفن مما يعطيه شهادة العبور إلى الفنون الأخرى.
ويأتي طلاب المحظرة من جهات متباعدة فيما بينها جغرافيا وأعراق مختلفة لكنهم يعيشون في انسجام، فهم قوم ألف طلب العلم بينهم فالزائر لهم لا يكاد يلاحظ الفوارق فيما بينهم فهم يقومون بأمورهم عن طريق التناوب والحياة المفتوحة حيث يخدمون أنفسهم، فكل مجموعة عليها أن تعد لبقية الطلاب طعامهم عن طريق التناوب وهكذا دواليك أيام الأسبوع، ونفقة الطلاب يتحملها شيخ المحظرة بمساعدة بعض المحسنين من جيران المحظرة فالطلاب لا يتحملون أية تكاليف في معيشتهم، أما النظام الإداري الذي يحكم المحظرة فهو السلطة المطلقة لشيخها على الطلاب حيث يتحكم في مختلف تصرفاتهم إذ لا يمكن لأحدهم أن يذهب إلى خارج محيط المحظرة من دون مشورته وتعد أيام الخميس والجمعة أيام راحة بالنسبة للطلاب يذهبون فيها إلي أهاليهم للسلام والتزود بما ينفعهم من زاد وملابس حسب المتوفر عند الأهل، أما باقي أيام الأسبوع فلا يمكن لهم أن يذهبوا فيها من المحظرة حيث نظام المحظرة يقتضي عدم السماح للطلاب بالذهاب ولو كان هذا الذهاب مؤقتا فطلب العلم يحتاج للصرامة والتكيف مع واقع المحظرة ورغم هذا النظام الإجباري للدراسة فإن هذا لم يمنع من وجود دارسين فيها يقرؤون في المؤسسات التعليمية النظامية سواء كانت معاهد أو جامعات أو في مراحل الثانوية.
والطلبة المقيمون في هذه المحظرة كلهم من الشباب إذ يحظر على البنات الإقامة خارج منازلهن حتى لطلب العلم وذلك حفاظاً على عفافهن.
مكانة خاصة
وبنظر المجتمع الموريتاني، بازدراء مبطن إلى الذين لم يمروا بمرحلة المحظرة، ويعتبر تحصيلهم العلمي ناقصا حتى لو كانوا من خريجي أكبر الجامعات الإسلامية وبالتالي، يتحلى خريجو محظرة بداه بمكانة خاصة في الأوساط الاجتماعية والعلمية نظرا لمكانة طاقم تدريس هذه المحظرة علميا وكذلك صحبة الإمام بداه ولد البصيري الذي يعتبر مضرب المثل في العلوم الشرعية عند الموريتانيين.
تبدأ الدراسة في هذه المحظرة في الساعات الأولى للفجر حيث على الطالب أن يحفظ ما كتبه في لوحه (لوح من الخشب يصنع بطريقة مسطحة) على مسامع شيخه، وعندما يتأكد الشيخ من حفظ التلميذ لدرسه ويراجعه فيه، يبدأ الطالب بكتابة درس جديد ثم يحفظه وبعد ذلك يعود إلى الشيخ ليشرحه له ويوسع في الشرح قبل أن يترك بين الطالب وبين درسه اليومي ما شاء من الوقت مراجعة وتمحيصا عدة مرات في اليوم إضافة إلى مراجعته لدروسه الماضية قبل أن يكون جاهزاً لوجبة علمية في صباح الغد.
وللطالب في هذه المحظرة وقت مفتوح لمراجعة دروسه والاستفسار عما لم يفهمه على أن وقت النوم يكون غالباً بين منتصف الليل وأذان الفجر، كما تتيح الإقامة الجماعية للطلاب فرصة كبيرة للمراجعة والنقاش، ما يجعل الطالب في جو دراسي شبه دائم.