ينتمي الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة إلى جيل الستينيات الشعري، قصائده تعبر عن مشكلات الواقع الذاتي والموضوعي ومصدر هذا الشعور الدائم بالقلق والوجع والبحث عن الخلاص، القصيدة لديه متحررة من مكان يأسر وزمان يفيض، أصدر أكثر من عشرة دواوين شعرية منها: قلبي وغزالة الثوب الأزرق، البحر موعدنا، تأملات في المدن الحجرية، شجر الكلام، موسيقا الأحلام، كما كتب المسرحية الشعرية مثل: حمزة العرب وحصار القلعة .

حصلت مؤخرًا على جائزة الدولة التقديرية في الشعر، كيف تقيم هذا الفوز؟

- هذه الجائزة تمثل تتويجا لمسيرة شعرية طويلة تمتد لأكثر من خمسين عاماً، وهذا يعطي دلالة مهمة على أن هذه المسيرة قد استمرت إبداعا شعريا يستحق التقدير والالتفات خصوصا من جانب الدولة، وأنا أنتمي إلى جيل الستينيات الذي استطاع الانتقال بالقصيدة الشعرية إلى حركة الشعر الحديث واستطاع تشكيل إضافة إلى ما قدمه الرواد في فترة الخمسينيات، واستمر في تطوير تجربته الشعرية وسط صراعات المدارس الشعرية المختلفة، خصوصا المدارس التي توافرت على الساحة الشعرية والثقافية بعد الستينيات، هذا الجيل الذي بدأ يتوارى إما بالصمت أو الموت يستحق أفراده التكريم نظرا لما قدموه للساحة الشعرية .

لمن تهدي الجائزة؟

- أهدي الجائزة إلى الشعراء الشباب الذين قد يصابون بالإحباط في بداية حياتهم، إذ وجدوا انصراف القراء عن أشعارهم وربما تستطيع الجائزة أن تشكل لهم أملا في المستقبل، وهذا الجيل الجديد من الشعراء هم امتداد لنا وهم الذين يبقون حركة الشعر على قيد الحياة بعد أن يولي زماننا .

بعد مرور أكثر من نصف قرن من الانغماس في كتابة الشعر، إلى أين وصلت تجربة الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة؟

- لقد وصلت تجربتي الشعرية إلى المزيد من التعمق في الرؤية والأداء، أما من حيث الرؤية فقد اتسعت حيث ارتبطت بالمشروع القومي الذي كان سائداً في حقبة الستينات من القرن الماضي، لكنها تطورت بعد ذلك لتلتحم بالواقع المصري والعربي والإنساني، لكي تنتقل من الواقعية واتجهت إلى التجديد في البنية والأسلوب وفي ابتكار جماليات جديدة للقصيدة، هذه التجربة لم تكن بعيدة عن الحدث الوطني والسياسي، ولا عن التطور الاجتماعي للشخصية العربية، ولا عن مفردات الرؤية الجمالية لحركة الحداثة، بمعنى أن هذه التجربة ظلت منفتحة على ما يستجد من تطور في بنية القصيدة الشعرية على مستوى تجربة الشعر الحديث والعطاء المتجدد لدى الأجيال المختلفة، وربما كانت هذه التجربة تحافظ على ثوابتها وعناصرها الأساسية من حيث الاعتماد على الإيقاع كركيزة أساسية للشعر، وكذلك الاهتمام بفكرة الالتزام تجاه المجتمع وتجاه الإنسان العربي في كل مكان، هذا الالتزام كان يتوازى مع الانفتاح على معطيات التجربة الشعرية في جوانبها الجمالية المختلفة، خاصة أن انفجارا شعريا قد وقع مع بداية القرن الجديد .

نعرف أن العديد من القصائد التي اعتمدت على المناسبات انتهت بانتهاء هذه المناسبات، لكن قصائدك ظلت تحمل وهجاً خاصاً، كيف تنظر إلى تلك التجارب مقارنة بتجربتك؟

في واقع الأمر التجربة الشعرية ليست انعكاسا مباشرا للحدث، ولكنها تأمل عميق لهذا الحدث والإمساك بما يبقى منه ويستمر، ليست مجرد تسجيل واقعي في أعماق الذاكرة، لكنه تشكيل جديد للحدث في العمل الشعري نفسه، بمعنى القدرة على أن تتجاوز فكرة الانغماس المباشر في الحدث، وتجعل من هذا الحدث وجوداً فنياً متشعباً يستطيع أن يتجاوز الحاضر إلى المستقبل، والتحدي الأكبر أمام الشعراء هو كيف يمكن أن تنشئ وجوداً شعرياً موازياً لحركة الحياة، بحيث يكون هذا الوجود الشعري قابلاً للبقاء بعد أن ينقضي زمن الحدث، لتعطي دلالة أبعد وأعمق من مجرد تسجيل الحدث، أو التأثر به إلى محاورة القيم الكبرى في الوجود، قيم الجمال والحق والخير، فالفن في حد ذاته هو وجود دائم، لكن الحدث اليومي الواقعي هو وجود منقضٍ ينتهي بزمنه ومكانه وشخوصه والحدث الشعري له وجود مستمر بسبب عناصره الجمالية، وهي عناصر تنعش الحواس وتجدد الأفكار وتشعل الوجدان، ومع كل قراءة جديدة لهذا العمل الشعري أتمنى أن تكون قصائدي قد انطلقت من هذه الرؤية، رؤية بناء شعري دائم الإمساك بوهج الحياة الإنسانية التي تتمثل في المكان والزمان لكننا نلجأ إلى الفن لكي تبقى هذه التجربة الإنسانية حية في وجدان الجميع .

كتبت المسرحية الشعرية، كيف تنظر إلى المسرح الشعري في عالم ابتعد عن متابعة الشعر، فما بالك بالمسرح الشعري؟

- المسرح الجاد يعاني من مأزق كبير الآن، التلفزيون قد سحق المسرح الجاد، وأصبحت ثقافة الصورة مسيطرة على وجدان المتلقي، خصوصا أن فن السينما استطاع أن يرتقي إلى مستوى من السمو، بحيث ابتلع معطيات المسرح والفن التشكيلي والشعر والموسيقا، وأصبح المسرح أقرب إلى المونولوج والنجوى الذاتية، ولهذا لا نكاد نجد مسرحاً كبيراً في هذه المرحلة، المسرح مهدد في واقع الأمر رغم أنه فن رفيع القيمة، لأنه يعتمد على الحضور الطاغي لشخصية النص والممثل والمخرج، لكن المجتمع العربي للأسف الشديد هو مجتمع منقسم على نفسه تدهور ثقافياً حتى على مستوى اللغة وتلقي جماليات الأعمال الفنية، المسرح يحتاج إلى جمهور له ثقافة خاصة وراقية ويستطيع أن يتعامل مع الأعمال المسرحية بكثير من الخشوع والوعي والفهم والثقافة .

برأيك هل الشاعر ناقد فاشل؟

- الشاعر له موهبته الخاصة التي تمكنه من الكتابة الشعرية وإبداع قصائده، أما الناقد فهو الذي يتلقى العمل ويقدر على تحليل عناصره، وإعادة تركيبة بنائه من زاوية الرؤية العلمية أو النقدية التي ترتكز على ثقافته، ومن أبرز مبادئ النقد الأدبي أنه لابد أن يتمتع الناقد بذوق فني رفيع، هذا الذوق يتمثل في الحساسية الخاصة تجاه عناصر العمل الشعري واللغة والثقافة التي تكمن وراء العمل الشعري، لأن الشعر لا ينطلق من الفراغ وإنما ينطلق من الموهبة والثقافة، لكي يتمكن من الكشف عن ثقافة المشاعر اللغوية والواقعية والإنسانية .

وهناك بعض النقاد بدأوا شعراء، ثم انصرفوا عن الإبداع الشعري عندما وجدوا أن النقد يشبع حاجتهم من خلال الاتحاد بالعمل الفني والالتصاق به، كأنهم يقومون من جديد بإبداع نص شعري، هؤلاء هم الذين انصرفوا عن الإبداع المباشر إلى ما يسمى الإبداع غير المباشر ''النقد''، لأنه يقوم على تحليل وتفكيك العمل الفني وإعادة بنائه من جديد والغوص وراء مكوناته خاصة مكوناته الثقافية .

هل كتبت القصيدة التي تحلم بها؟

- لو كتبت القصيدة التي أحلم بها بشكل مطلق لتوقفت عن الكتابة، واستمراري في الكتابة يعني أنني لدي ما أقوله، وأن القصيدة التي أحلم بها لا تزال بعيدة لأن محيط الوجود الإنساني هو محيط لا ينتهي إلا بالموت، فالشاعر مشغول بالحياة وهذه الحياة تلهمه مزيدا من الإبداع وتشجعه على الاستمرار في الإبداع وإقبال القراء على شعره وعمله وأسلوب التلقي لأعماله، فكلما وجد الشاعر تشجيعا، واهتماما بإبداعه وطلبا لمزيد من هذا الإبداع، فجر في نفسه طاقات جديدة وتطوير قصيدته حتى لا يكرر نفسه .