د.محمد برادة روائي وناقد وأكاديمي مغربي ومترجم أيضا، لكن شهرته كناقد طغت على شهرته الأدبية رغم أنه كتب خمس روايات هي: لعبة النسيان، والضوء الهارب، وامرأة النسيان، ومثل صيف لم يتكرر، وحيوات متجاورة. ومن كتبه النقدية: محمد مندور وتنظير النقد العربي، والرواية ذاكرة مفتوحة، وفضاءات روائية. ومن ترجماته: الدرجة الصفر للكتابة لرولان بارت، والخطاب الروائي عند باختين وغيرهما.
د.محمد برادة يقيم حاليا في بلجيكا، وقد التقته الخليج أثناء زيارته إلى القاهرة.
كيف تصنف نفسك في حالتك هذه خارج الوطن؟ هل أنت منفي أم مهاجر أم مغترب؟
أنا لا أعاني صعوبات المنفى على الإطلاق وإقامتي في بلجيكا نابعة من قناعة واختيار لأن زوجتي تعمل هناك، وأنا متفرغ للكتابة والنقد والترجمة، كما أنني دائم المشاركة بفاعلية في المناسبات والملتقيات والمؤتمرات الثقافية والعربية ولا يكاد يمر شهر أو شهران حتى أكون ضيفاً على أية عاصمة عربية.
هل تعتقد أن النقد في المغرب استطاع الارتقاء بالمنجز الأدبي أم تخلف عنه؟
هذه معادلة لا تصح لأن مجال الإبداع يختلف عن مجال النقد، ولكن النقد يستطيع أن يفسر وأن يضيء ويؤول الأعمال الإبداعية على اعتبار أن القراءة مكملة للنص الإبداعي.
وفي المغرب كما في بقية الأقطار العربية نلاحظ أن حجم الإبداع تضخم عما كان عليه من قبل، ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يتابع وأن يقيم ويحلل جميع الإبداعات ومع ذلك نجد أن الأعمال الجديرة بالمتابعة تحظى بالاهتمام لدى النقاد في المغرب، وكثيرا ما تطرح قضايا تتعلق بتحليل وتقييم للأشكال التعبيرية المختلفة.
رغم أنك روائي إلا أن صفة الناقد تغلب عليك.. لماذا؟
لا يمكن أن نفرض على مبدع أو كاتب مجالا واحدا للإنتاج، ولذلك فالمقياس الوحيد هو جودة ما ينتجه الناقد أو المبدع في كتاباته بغض النظر عن اشتغاله بمجال دون آخر، وأنا في تجربتي ألجأ إلى الإبداع عندما أحس بأن الكتابة النقدية لا تستجيب تماما لما أريد التعبير عنه من قضايا وإشكاليات ملحة وأكتب النقد عندما أريد أن أحلل نصوصا تشتمل على إضافات إبداعية وتستجيب لأسئلة تراودني فأسعى الى العثور على إجابات من خلال تحليلها.
ما رأيك في الخطاب الروائي العربي اليوم ومدى تمثيله للخصائص الثقافية والسياسية؟
ربما كانت الرواية من الأجناس الأدبية الأساسية التي تحاول ملاحقة التبديلات المتسارعة داخل المجتمعات العربية، والرواية أصبحت هي أيضا الملجأ للشباب والشابات من الكتاب العرب لكي يعبروا عن أزمتهم وأزمة مجتمعهم ومن ثم نجد أن هذه النصوص تجد صدى عند القراء لأنها لا تقف عند حدود المقولات والأفكار الجاهزة بل تحاول أن تستنطق الأفكار العميقة الثاوية في أعماق النفس، وتحاول أيضا أن تكتب في كل الموضوعات من دون مراعاة للمحرمات وللرقابة التي تريد أن تفرض سقفا على المبدعين لا يتعدونه.
الناقد د.عبد الملك مرتاض يقول: لدينا نقاد وليس لدينا نقد ونقادنا عالة على الغرب.. هل توافق؟
هذا الطرح لا أوافق عليه بالمرة لأن الاعتماد على الغرب كان حجة التقليديين والمحافظين الذين لا يأنسون في أنفسهم القدرة على محاورة الآخرين، وإذا كنا في مطلع القرن العشرين نجد أن الثقافة العربية تتأثر بالثقافة الغربية فإن ذلك كان مرحلة عابرة بدأت تتلاشى عندما ظهر نقاد عرب يتمثلون جيدا التراث النقدي الغربي، وكذلك التراث الإبداعي العربي وهو أتاح ظهور نقاد عرب معترف لهم اليوم بقدراتهم التنظيرية والتحليلية.
كيف ترى الدعوات التي تطالب بضرورة وجود نظرية نقدية عربية؟
هذا الطرح لا يخلو من مغالطة، فالأمر لا يتعلق بوضع نظرية تستجيب لخصوصية متوهمة وثابتة.
ما سؤال النقد اليوم؟
سؤال النقد اليوم هو سؤال مشترك بينه وبين الإبداع الأدبي، أي إنتاج معرفة لا تتوافر في بقية الخطابات الأخرى سواء كانت خطابات اقتصادية، وسوسيولوجية أو سياسية أو أيديولوجية.
بعبارة أخرى النقد يستطيع أن ينتج معرفة، وهو يحلل ويستنطق ويستكشف ما تنطوي عليه النصوص الأدبية، فتنتج معرفة تتصل بمجال السلوك النفسي والأسئلة الميتافيزيقية والسياسية من منظور يجعل ذات الكاتب وذات الأنا المتلقي هي منطق السؤال، بعبارة أخرى هذه المعرفة التي ينتجها النقد هي المعرفة الملتصقة بأنا الفرد الذي يوجد دائما في حالة صراع ومجابهة مع مؤسسات المجتمع.
برأيك كيف يمكن تصحيح العلاقة الملتبسة بين المشارقة والمغاربة؟
لا توجد علاقة ملتبسة بين الجناحين المشرقي والمغربي، وكل ما هنالك هو قصور إعلامي في سبيل تعرف الجناحين على بعضهما البعض، وللأسف نحن في المغرب نعرف الكثير عن الحركة الأدبية في المشرق والتي لا يقابلها اهتمام موازٍ وإذا كان هناك في المشرق قدر من التفوق النسبي فهذا يرجع إلى التراكم التاريخي والمعرفي حيث كانت مصر والشام أسبق إلى الاتصال بأوروبا من دول المغرب العربي.
رغم الحضور القوي للثقافتين الأنجلوفونية والفرانكفونية في الوطن العربي منذ فترة طويلة إلا أنه يلاحظ الانتشار القوي لأدب أمريكا اللاتينية في العقود الأخيرة.. برأيك ما سر هذا الولع بأدب أمريكا اللاتينية؟
السبب هو أن هذا العالم أصبح اليوم مترابط الحلقات، وأصبحت مسألة الكونية في جميع المجالات تطرح نفسها بقوة، ومن ثم فإن الإبداع الجيد لم يعد مقتصرا على أوروبا وأمريكا كما كانت المركزية الأوروبية تحاول أن تقدم نفسها على أنها ذات الشأن الكبير في مجال الثقافة، بل أثبتت الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية أن الثقافات تتساوى عبر أقطار العالم سواء كانت بلدانا نامية أم قوية، ومن ثم فتجربة الرواية في أمريكا اللاتينية أثارت الانتباه لأنها توظف عناصر من الثقافة الشعبية والأساطير الموروثة وتمزج بين العقل والإحساس ولا تضع حدودا مصطنعة بين العقل وبين بقية المجالات، هذه التجربة عناصرها موجودة أيضا في الثقافة العربية وثقافة كثير من الشعوب، ولذلك سنجد أن الرواية اللاتينية وسعت أفق الإبداع وأشرفت على مناطق جديدة للكتابة في كل ذلك ما يؤكد أن الأشكال التعبيرية والإبداعية ليست ملكا للثقافة بعينها، بل هي مستودع لذخيرة الإبداع الكوني، وكل ثقافة بوسعها أن تستوعب هذه الأشكال وأن تضيف إليها.
ترجمت أعمالاً لرولان بارت وباختين ولوكليزيو وغيرهم، ما معايير اختيارك لهذه الترجمات؟
عندما اخترت هذه النصوص لترجمتها كنت أتوخى أن تكون حاملة لسمات نظرية ومنهجية قابلة لأن تطبق خارج نطاق ثقافتها، فأنا أختار النصوص التي تتوفر على قضايا تنظيرية وعلى اجتهاد في تحليل النصوص بغض النظر عن الثقافة التي تنتمي إليها.
من هذه الزاوية أقول إن رولان بارت في كتابه الدرجة الصفر للكتابة قدم تحليلا يسعف الناقد العربي على أن يميز بين الأساليب واللغات والأشكال. كما أن ميخائيل باختين في كتابه الخطاب الروائي طرح مسألة على جانب كبير من الأهمية وهي مسألة تعدد اللغات والأصوات والمبادئ الحوارية الذي تقوم عليه كل رواية في بنائها، وهذه خصائص لها نماذجها ونجدها في نصوص الرواية العربية الحديثة، باختصار عندما نقدم على ترجمة الكتابات النقدية العالمية فإننا لا نفعل ذلك بحثا عن مفاتيح تفتح أبواب النصوص بكيفية سحرية، وإنما نفعل ذلك أساسا لكي نستفيد من مجهودات نظرية وفكرية تلتقي مع الأسئلة نفسها التي سيطرحها المبدعون والنقاد في الثقافة العربية.
كيف ترى واقع الأدب العربي في الغرب؟
واقع الأدب العربي في الغرب بدأ يتحسن بفضل بعض الترجمات، لكن هذه الترجمات لا تستطيع أن تستوعب مجموع الإبداعات الجيدة في الوطن العربي وهو ما يستدعي منا جهودا منتظمة وحثيثة لتوسيع التعريف بإبداعنا، ذلك لأن الإبداع هو الذي ينقل الوجه الحقيقي والمشرق لمجتمعاتنا العربية، على عكس الخطابات الأصولية التي تضع علاقات ملتبسة مع الآخر.