رجل يعتز كثيراً بعلاقته القوية مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، ويحمد الله أنه جاء في عصره، وتدرج في مراحل مدرسته وجامعته، حتى أصبح من تلامذته وممن أخذوا من منهجه، ومن ثم أوكل إليه العديد من الأعمال التي كان كفؤا لتحمل أعبائها لأنه بكل بساطة يقول: إن الشيخ زايد رحمه الله لا يضع ثقته بمن لا يستحقها، لأنه رجل صادق يحب الصدق ويخبر الرجال ويغوص في أعماقهم ويعلم كل شخص وما ينفع له من أعمال ومهام، إنه ضيفنا الكريم محمد بن حمد بن سالم بن ركاض العامري الذي يبكي قلبه ويعتصر ألما وحسرة كلما تذكر القائد والمؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه ولحظة فراقه التي ألمت بالعالم كله وليس بأبناء الشيخ زايد وشعب الإمارات وحدهم .

أنا ولدت ونشأت في مدينة العين التي تشتهر بواحاتها وأفلاجها ونخيلها وأهلها الكرام، وكانت حياتنا بسيطة كل البساطة، فقد كنا نعتمد في حياتنا ومعيشتنا على النخيل والإبل والماشية، وكان الإنسان منا يكتفي بلقمة لتسد جوعه وشربة لتسد رمقه . كان أكلنا معتدلاً وأحياناً كثيرة مرت على المنطقة قاسية، فلم يجد الناس ما يسد جوعهم، ولكن الله رحمنا وصبرنا على كل تلك الظروف القاسية وكل تلك الصعاب وعشنا حياتنا في رضا الله ونشكره على كل حال، وكنا مع كل تلك الظروف والأحوال الصعبة سعيدين وهانئي البال، ما أن نصلي العشاء حتى ننام قريري العيون حتى الفجر حيث نقوم للصلاة ومن بعدها العمل، وكل شخص يذهب لعمله، فصاحب الحلال يذهب إلى حلاله ويرعاها وصاحب المال والنخيل يذهب لنخيله ويرعاها ويسقيها، الكل يعمل الرجل والمرأة وحتى الطفل يعمل ويساعد والديه وأسرته، وكان المجتمع قديماً متماسكاً ومتقارباً والكل يحب بعضه بعضاً، وكانت الأمراض ولله الحمد قليلة، وكنا نمتلك كنوزاً من القناعة والصبر والمحبة، وكنا لا نشكو من شيء حتى إن مرض شخص اتجه إلى عيادة ومستشفى الطبيعة حتى النباتات والأشجار الطبية المحيطة بنا في بيئتنا مثل الحرمل والمر والصبر والزعتر وغيرها من أدوية شعبية كنا نشتريها من أقرب سوق لنا أو تأتينا من مناطق مجاورة وقريبة منا مثل اللبان وغيره من أدوية شعبية وطبيعية، وكنا نسكن في بيوت متواضعة، فالحضر يسكنون في بيوت الطين واللبن والعريش، والبدو يسكنون في بيوت الشعر والبيوت المبنية من اليواني (القياش) وكانت بالنسبة إلينا قصوراً واسعة ما دامت مملوءة بالأجواء الأسرية لدى اجتماع الأهل والجيران وقت العشاء أو الغداء، وإن حل ضيف على المنطقة سارع الجميع إلى إكرامه وظهر التلاحم بين الناس فكل يأتي وبيده شيء، فهذا يأتي حاملاً دلة القهوة وذاك قليلاً من الرطب أو التمر، وذاك يحضر القرص أو شيئاً من الحلوى أو البثيث أو أي شيء تطيب به نفسه ويفرح به ضيوفه وقومه، نعم كانت هذه حياتنا ولله الحمد لا نزال نعيش في وسط هذه الأجواء رغم تطور الحياة وتباعد المسافات، تبقى القلوب قريبة من بعضها بعضاً ولا تزال الدنيا بخير ولا تزال أرض الإمارات التي غرسها الشيخ زايد بالحب والرحمة تزخر بالمعاني الأصيلة والجميلة .

المجالس مدارس

توفي والدي وأنا طفل صغير فربتني والدتي وأحسنت تربيتي ونشأت رجلا وأنا لا أزال في سن الصبا وقضيت طفولتي وصباي مع أقراني من أبناء القبيلة وأبناء العين، وكنت كثيرا ما أصحب الرجال في سيرهم إلى مجالس الشيوخ وإلى رؤوس القوم والعرب الأحشام . وتعلمت الكثير من هذه المجالس، فكما يقولون: المجالس مدارس، ولما بلغت سن الشباب التحقت بركب الشيخ زايد ولزمته في رحلات الصيد والقنص في البلاد وخارجها مثل باكستان وغيرها من بلاد كنا نقنص فيها مع الشيوخ، وأصبحت أحد أبنائه وتلاميذه، لأن الشيخ زايد لا يعامل المحيطين به إلا كأخوة وأبناء وأصدقاء، ولا يعاملك كموظف أو عامل لديه، كان يحترم الكبير ويعطف على الصغير ولا يشعرك أنه أكبر منك أو أنه شيخ وزعيم أمة، كان رحمه الله في منتهى التواضع ومع الجميع، كنا نذهب معه في رحلات القنص في باكستان وغيرها ونبقى معه مدة شهرين تقريباً، وكنا لا نحس معه بالتعب والإرهاق ولا نحس بالبعد عن الأهل والأوطان لأنه كان وطننا الكبير وبيتنا الدفيء وكان لنا الأهل والعزوة والصحبة، كنا نستأنس بقربه ونسعد بصحبته، كان مجلسه عالماً فيه الدفء والمحبة والعلم والمعرفة، كل ساعة فيه درس من دروس الحياة في الأخلاق وفي الجد والعمل والمثابرة، وكنا نتعلم منه كل الإنسانية وعلوم السياسة والحياة وكل شيء، كان مدرساً ومعلماً قديراً يلقي عليك دروسه دونما طلب منك أو تعمد أو تكلف، كان يعلم على السليقة لأن كل أفعاله كانت دروساً، فإذا أردت أن تتعلم فنون الشعر والأدب فتعال إلى الشيخ زايد ليعلمك، وإن أرت أن تتعلم فنون الصيد والقنص فعندك الشيخ زايد، وكان رحمه الله مدرسة في علوم الطير المتوارثة من العرب منذ القدم، كذلك كان لا يخطئ رمية بالبندقية، وكان يجد في المقانيص فرصة للراحة بعد عناء سنة كاملة يصل فيها الليل بالنهار، وكان مجلسه مكاناً يتجمع فيه مع من يحبه ويحبونه وبعيداً عن ضغوط العمل والحياة العملية، وإذا كنت تريد أن تتعلم فنون الحديث واللباقة والأدب فتعال إلى مجلس الشيخ زايد واستمع إليه كيف يكلم كل شخص بما يناسبه من كلام ويناسب مستواه ومركزه، وكذلك في الزراعة والإبل والطيور والخيل وكل شيء تجد عنده العلم الوافر والذي اكتسبه من آبائه وأجداده وأهله الكرام آل نهيان، وكذلك لما حباه الله من بصيرة ثاقبة ربانية ولدت ونشأت معه من صغره وظلت معه حتى وفاته رحمه الله .

كان الشيخ زايد ينزل الرجال منازلهم، ويعرف الرجال بعقولهم قبل قلوبهم، ولا يغتر ويغش بمعسول حديثهم وتصنع أفعالهم، كان رحمه الله يخبر الرجال ويعرف معادنهم من أول وهلة تقع عينه في أعينهم، ومن أول تعامل يتعامل معهم ومن أول حديث يسمعه منهم، كان يثمن الرجال الحقيقيين ولهذا لا تجد أنه يحيط به إلا الرجال الأكفاء الذين أوكلهم إليهم مهمات جسيمة وأعمالاً عظيمة كانت في مصلحة البلاد والعباد، وقد كنت محظوظا حيث نلت تلك الثقة التي جعلت لي مكاناً عنده، حيث عينني عضواً في عديد من المهام والأعمال ابتدأها بتعييني في دائرة الزراعة في مدينة العين ثم المجلس البلدي، في مدينة العين وكنت نائباً لمدير البلدية، ومن ثم رئيساً لمجلس إدارة صندوق الزواج بمدينة العين، وبعدها عضواً في المجلس الاستشاري لإمارة أبوظبي، والعمل مع الشيخ زايد ليس بالعمل السهل مع ما فيه متعة، لأنك في عملك مع الشيخ زايد تعرف أن أي عمل يعمله الشيخ زايد تتجلى فيه نيته الصادقة وحكمته ومعرفته وحبه لهذا الوطن وشعبه وللناس أجمعين، وأنه لا يعمل عملاً إلا ويرى نصب عينه ثماره ونتائجه، فمشروع صندوق الزواج مثلاً يأتي تجسيداً لمحبته شباب هذا الوطن وحرصه على بناء مستقبله، فعندما وصلت إلى مسامعه تكاليف الزواج التي تزيد يوما بعد يوما تحرك سريعا ووضع ضوابط الزواج، حيث شرع بقانون تحديد المهور على ألا تتجاوز عشرين ألف درهم وشجع زواج المواطنين من المواطنات، وأمر ببناء صالات الأفراح في مختلف أرجاء البلاد، وصرف منحة مالية قدرها سبعون ألف درهم لمساعدة العريس على تكاليف الزواج من مهر وحفل وغيرها، كما أمر بتسريع توزيع المساكن الشعبية على المتزوجين حديثا وزيادة العلاوة الاجتماعية للمواطنين، كل هذه الإجراءات وغيرها الكثير من الأعمال كانت نابعة من حبه الصادق للجميع ولخير ومصلحة هذه البلاد وهؤلاء العباد، نعم كان رحمه الله إنسانا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني المحبة والوفاء والإخلاص، وقد شهدنا الكثير من أعماله وفعاله الحميدة، والعالم بصدق نية هذا الرجل العظيم الذي أخلص لله ولوطنه ولشعبه وللبشرية حتى رفع الله من مقامه بين سائر الشعوب والأمم .

واحات وجنان

عاش الشيخ زايد طفولته وصباه وأكثر سني شبابه في مدينة العين، وتنقل بين واحاتها وقراها وعرف أهلها وناسها فرداً فرداً، وكان، عهد ذلك حاكماً في مدينة العين، وكان نعم الحاكم ونعم الأمير وقد تحلقت حوله القبائل والعشائر والأسر، ومن كل طائفة وقوم وشيوخ يحضرون مجلسه اليومي، وكيف أنه جعل من العين مدينة الحدائق والجنان وكيف زرعها بمختلف الزروع والأشجار والثمار، وكيف شق فيها الأفلاج وقسم مياهها حصصا بين أصحاب المزارع والنخيل، وسن القوانين المختلفة فيها لينظم الحياة والعمل فيها، ومن تلك الأيام وأهلنا والناس جميعا عرفت أن للشيخ زايد شأناً عظيماً وأنه يذكرهم بجده الشيخ زايد بن خليفة الكبير الشيخ زايد الأول، اهتم بالبلاد والعباد وسن القوانين الخاصة بالزراعة والتجارة وطور الزراعة وحفر الأفلاج وبنى السوق في مدينة العين وشجع التجار على جلب تجارتهم إلى العين وفتح الدكاكين فيها وعم الخير على العين وما حولها من قرى وبلدان وذاع صيته بين العربان، ولما حكم أبوظبي ومن بعدها كان رئيس دولة الإمارات سار في نهجه وطريقته وعم الخير كل أرجاء البلاد ولم يكتف بأن عمّر الإمارات كلها بل مد يده إلى بلاد العالم من أخوة عرب ومسلمين وحتى الغرب والأجانب مد لهم يد العون في إفريقيا وآسيا وكل بلاد العالم، ولا تجد بقعة في العالم وإلا وفيها مشروع مدعوم وممول من الشيخ زايد ودولة الإمارات، وأذكر أنه في مؤتمر عالمي عقد في أبوظبي وحضره وزراء كبار ألقى فيه الشيخ زايد كلمة قال فيها للحضور إن الخير الذي وهبه الله لنا في الإمارات ليس لنا فقط بل هو للمسلمين وللعالم أجمع وإننا مستخلفون فيه ومسؤولون عنه في أي شيء نصرفه وإذا كانت هناك أي دولة محتاجة إلى أي دعم مالي فإننا مستعدون لتقديم المساعدة لها فوراً، فحار الجميع ولم يصدقوا انفسهم وتساءلوا إن كانوا في حلم أو علم، فأدركوا أنهم أمام إنسان بمعنى الكلمة يعرف قيمة المال وأين يصرف وأنه مسؤول عنه أمام الله وأمام شعبه وناسه، ولقد صدق ما وعد به شعبه وأنفق المال في خدمتهم ورفاهيتهم فأصبحت البلاد بفضل الله عامرة من شمالها إلى جنوبها وفيها المباني والعمارات والمساكن والمستشفيات والمدارس والمرافق الحيوية والخدمية والشوارع التي صارت مثل الشرايين تمتد إلى أبعد نقطة في البلاد في أسرع وقت وفي أرقى مستوى وراحة بدلا عن المشقة التي كنا نتكبدها قديما لنتحرك من مكان إلى آخر لا يبعد عنا سوى عدة كيلو مترات .

بعد أن صدر المرسوم السامي من الشيخ خليفة بن زايد ولي العهد آنذاك بانضمامي إلى المجلس الاستشاري لإمارة أبوظبي عام ،1994 ذهبت إلى الشيخ زايد لأسلم عليه وأشكره على ثقته وثقة الشيخ خليفة الغالية بي، فسألني: ما أخبار العين يا محمد؟ فأجبته بأنه بفضل الله ومن ثم من فضلك أصبحت جنة من جنان الله في الأرض، وأصبحنا بفضل الله ومن ثم من فضلك نعيش في جنة، وإن الأمر تتطور من حسن إلى أحسن، وشكرته على مكرمته بإطلاق سراح الكثير من المساجين ومنهم عدد من أهل العين، فقال لي: تألمت كثيراً حينما علمت أن أحد المساجين سجن وحكم عليه بالسجن لأنه جز عذق نخلة، ولما وقفت على قضيته وسألت عنها وجدت أن هذا الشخص ضاع من عمره ثلاث سنوات ونصف السنة وضاع حلاله وماله بعيداً عن أسرته وأولاده مما جعلني انظر في بقية القضايا والمساجين ووجدت أنه تحل بطرق ووسائل أفضل ولهذا عفوت عنهم وأطلقت سراحهم وعوضتهم عما خسروه في سجنهم وها هم الآن وقد عادوا إلى أهلهم وأعمالهم ليخدموا ناسهم ووطنهم من جديد، أفضل من بقائهم في السجون بلا فائدة ترجى منهم، انظر إلى قلب الشيخ زايد ما أكبر، وكيف أنه يسع كل شيء وكيف بحكمة وعقلانية يحل أصعب الأمور .

لقد اختار الله الشيخ زايد لدار قربه، وعوضنا عن غيابه بأولاده الكرام حفظهم الله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وإخوانه الشيوخ سلطان ومحمد وحمدان وهزاع وسيف ومنصور والبقية حفظهم الله، تراهم جميعاً يسدون مكان والدهم طيب الله ثراه، وكذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وإخوانه حكام الإمارات فهم أبناء الشيخ زايد وتلاميذه ونهلوا من علمه وطيبته وحكمته، فكلهم فيهم الخير، وهم سائرون جميعا على نهجه وخطواته وإن شاء الله ستبقى الإمارات رائد في ساحات الخير وسباقة في ميادين التقدم والتطور وستبقى أولى البلاد بحول الله .