ولد المفكر واللغوي، والمؤرخ، والناقد الأدبي محمد كرد علي في دمشق عام 1876 ، وتقلد مناصب عدة أبرزها كان أول وزير للمعارف والتربية في سوريا، وترأس مجمع اللغة العربية في دمشق منذ تأسيسه 1919 م.
نشأ محمد كرد علي في أسرة كريمة، لأب كردي وأم شركسية، وقد تعلم في الكُتّاب القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ودرس المرحلة الإعدادية في المدرسة الرشدية، ثم أتمّ تعليمه الثانوي في المدرسة العازرية للراهبات بدمشق. أتقن اللغتين التركية والفرنسية، وكان نهماً في مطالعة الكتب، وفي فترة شبابه اتصل بعدد من علماء دمشق المعروفين ينهل من علمهم وأدبهم ومنهم: الشيخ سليم البخاري، والشيخ محمد المبارك، والشيخ طاهر الجزائري، وقرأ عليهم كتب الأدب واللغة والبلاغة وعلم الاجتماع والتاريخ والفقه والتفسير والفلسفة.
حطت به الرحال في القاهرة، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ولبث فيها عشرة شهور تولى خلالها تحرير جريدة «الرائد المصري» عاد بعدها إلى دمشق، ثم بعد أربع سنين في 1905 عاد مرة ثانية إلى القاهرة، فأنشأ مجلة «المقتبس» الشهرية في 1906 ونشر فيها البحوث العلمية والأدبية والتاريخية. وتولى إلى جانب ذلك تحرير جريدة «الظاهر» اليومية، ولما أغلقت دعاه الشيخ علي يوسف صاحب جريدة «المؤيد»، وهي يومئذٍ كبرى الجرائد في العالم الإسلامي، إلى التحرير فيها؛ فعمل بها إلى سنة (1908م) حيث غادر القاهرة إلى دمشق وتوفي عام 1953.
كتب محمد كرد علي نحو 22 مؤلفاً، أبرزها: «خطط الشام» وطبع سنة 1925 في 3 أجزاء، ويعتبر من أهم كتبه، وله أيضاً «الإسلام والحضارة العربية» وطبع في القاهرة في مجلدين سنة 1934م، و«تاريخ الحضارة» ترجمة عن الفرنسية، و«غرائب الغرب» في مجلدين، و«أقوالنا وأفعالنا» وهو كتاب في الإصلاح 1946م. وتعددت مؤلفات محمد كرد علي عن دمشق والأندلس وأمراء البيان، كما كتب مستعرضاً سير بعض الأعلام.
حقق كرد علي كتباً من عيون التراث العربي،: «سيرة أحمد بن طولون» للبلوي 1939م، و«المستجاد من فعلات الأجواد» للتنوخي 1946م، و«تاريخ حكماء الإسلام» للبيهقي 1946م، و«كتاب الأشربة» لابن قتيبة 1947م.
ردود بليغة
في كتابه «الإسلام والحضارة العربية» يعتمد محمد كُرد علي، على جملة من الاقتباسات «الاستشراقية» عن علماء الغرب، ليرد بها على كل من يحاول الانتقاص أو النيل من الإسلام وحضارته، من بينها ما نقله عن غوستاف لوبون، المؤرخ الفرنسي الشهير، صاحب كتابي «حضارة العرب»، و«سيكولوجية الجماهير»، والذي انتصر كثيراً للعرب والمسلمين بقوله «وذلك أنه كان للمدينة الإسلامية تأثير عظيم في العالم، وتم لها هذا التأثير بفضل العرب.. وبنفوذهم الأدبي هذبوا الشعوب البربرية التي قضت على الإمبراطورية الرومانية، وبتأثيرهم العقلي فتحوا لأوروبا عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية».
في هذا الكتاب يدافع محمد كرد علي عن العرب ضد الهجمة العنصرية الغربية التي اتهمتهم بحرق مكتبة الإسكندرية أثناء دخولهم مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.
من كتبه أيضاً «أقوالنا وأفعالنا»، وفيه يكرس محمد كرد علي قلمه لرصد ظواهرَ اجتماعية وثقافية سادت المجتمعات العربية خلال بدايات القرن العشرين، فرأى أنها تعيق التطور، فكان لزاماً تسليط الضوء على هذه الظواهر وحل المشكلات التي سببتها، ويعقد المقارنات بين تلك العادات والطباع المرفوضة وبين مثيلاتها الأوروبية المستحسنة، فلا يرى غضاضة في الأخذ ببعضٍ من سلوكياتهم وطباعهم التي حققت لهم التقدم، فكانت دافعاً لا عائقاً. كذلك يقدم رؤيته لعدة قضايا اجتماعية كانت مجالاًًً لسِجَالاتٌ فكرية في تلك الآونة كقضية حقوق المرأة، والوحدة العربية، والجامعة الإسلامية.
في كتابه «خطط الشام» وهي سلسلة أصدرها في عام 1925، واستغرق العمل على جمعها وتنقيحها 25 عاماً، يرصد في ستة مجلدات تاريخ الشام منذ فجر التاريخ حتى الحروب الصليبية وبقايا السلجوقيين، وصولاً إلى المرحلة المتأخرة من العهد العثماني.
في كتابه «غرائب الغرب»، الذي صدر عام 1923 يتحدث محمد كرد علي عن رحلاته إلى أوروبا، ويضع أمام القارئ دراسة دقيقة عن واقع الغرب الأوروبي في تلك المرحلة المبكرة من القرن العشرين.
أما كتابه «كنوز الأجداد» فتحدث عن أعلام الثقافة الإسلامية، كالأشعري، والأصبهاني، والتنوخي، والغزالي، والحريري وغيرهم، في رصد جميل لأكثر من 50 من هؤلاء الأعلام.
نجح كرد علي في توضيح أثر العرب في الثقافة العالمية، ونقل اقتباساً عن أحد علماء الغرب قال فيه «إنه لو حُذف العرب من التاريخ لتأخرت نهضة الآداب قروناً عدة في الغرب»، وعقد الرجل فصلاً ممتعاً عن أثر اللغة ك «قوة ناعمة» ووسيلة ناجعة في التواصل الحضاري.
عرّب محمد كرد علي روايات فرنسية مثل «قبعة اليهودي ليفمان» التي أثارت ضجة بين النقاد عام 1894، وفي مصر ترجم «الفضيلة والرذيلة» لجورج أونيه، وأيضاً «تاريخ الحضارة» لشارل سنيوبوس.
في مجال تحقيق الكتب، صدر له: «رسائل البلغاء»، و«سيرة أحمد بن طولون»، و«المستجاد من فعلات الأجواد» الذي ضمنه أخبار الكرماء في الجاهلية والإسلام، ثم «تاريخ حكماء الإسلام»، وكتاب «الأشربة» لابن قتيبة الذي يجمع بين الأدب والفقه، وأخيراً كتاب (البيزرة) في الصيد وآلاته والحيوانات، وما قيل فيها من الأدب والطرف والشعر اللطيف.
مذكرات ضخمة
في ما كتب محمد كرد علي، تحتل المذكرات جانباً مهماً من أعماله، وبهذا الخصوص نشير إلى كتابه «المذكرات» بأجزائه الأربعة، بما يتضمنه من نشاط أدبي وعلمي وتاريخي وسياسي، كما يتضمن هذا الكتاب علاقته مع شخصيات عصره على كافة المستويات.
وعن هذه المذكرات يقول «أصور طائفة ممن عشت بينهم وأدون كل حق عرفته، ليشاركني أبناء هذا الجيل، والذي بعده في الأفكار في مَن أضجروني بقصورهم وآلموني بغرورهم».
ويمثل كتاب المذكرات في مضمونه تجربة حياة عاشها محمد كرد علي وهي تجسد بدايات عصر النهضة، واحتكاك الثقافتين الشرقية والغربية، ورد الفعل ما بين القبول والرفض لدى العامة والحكام والمفكرين بشكل عام.
ارتبطت حياة محمد كرد علي، بعلاقات قوية مع علماء دمشق المعروفين، وقد اشتملت مذكراته على عدة عناوين منها: ذكريات الطفولة، أخلاق بعض القضاة، ناظم باشا والمقتبس، كيف وضعت تآليفي، مشيخة الأزهر، الإسماعيليون وإمامهم، العربية عند المسلمين، الحكومة التاجية، لباس الرأس والبدن، ساسة الشرق، أرباب الاستبداد، وغيرها من العناوين.