يقول الفنان د . محمد يوسف في موقعه الشخصي على الإنترنت: رغم التجربة، فإن هناك خوفاً من الخطوة الأولى، أبحث عنها في كل مكان، أين وكيف سأقف ومن سيساعدني على السير، قدمي اليمنى أم قدمي اليسرى، كيف أتعلم المشي بالخطوة تلو الخطوة، أنا مشدود بالبداية، قلقي يدفعني إلى الأسئلة السرابية، ولا توجد لها أجوبة أو ربما يتأخر الجواب، ولكني سأستمر بالبحث عن الخطوة ولا أحلم بالوصول إليها حتى أكمل الاستمتاع بالبحث عنها .
وفي مقابلة أجريتها معه ونحن نأكل الرمان في حديقة بيته العامر، قال لي: الخروج إلى الداخل هي حالة خاصة أتنفس بها ما بداخل نفسي بعد تجربة طويلة بين الرفض والقبول . لذلك قررت العودة إلى داخل النفس بعد أن اكتشفت أن التقدم خطوة إلى الخلف أو الرجوع خطوة إلى الأمام قد أصابني بالشلل واللاوعي، لذلك سأخرج إلى تجربتي الخاصة داخل النفس، أي داخل بيتي لعلي أجد ضالتي وحريتي في حوار متجدد مع الطبيعة، هناك أشياء أحبها: الرمل، الأخضر، الأزرق، السماء، الشمس، الريح، البذور، وتراكمات السنين، أحيي زواري كأصدقاء، وأرحب بالحوار والتحليل للخروج إلى الداخل، فهي حالة الرفض التي أعيشها، أنا أولاً، والحرية للآخرين . أنا في بيتي داخل نفسي . . وهو نفسه ما أعلنه د . محمد يوسف من خلال كتيب معرضه الشخصي الذي أقامه في بيته بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية، التي نال فيها الماجستير في الفنون عام ،2002 ولكن سنتحدث عن هذا لاحقاً كي لا نستبق الأحداث، لذا يجب علينا، أولاً أن نعود إلى البدايات .
إذا تحدثنا عن الحركة التشكيلية في الإمارات، يجب علينا أن نتحدث عن ظروف نشأتها، والشباب الذي عمل بجد ونشاط وعزيمة صادقة، مدفوعاً بحب وطنه من ناحية، ومن ناحية أخرى حب الفن ومستوعباً لدوره في بناء الأمة وفاهماً دلالاته الحضارية والثقافية، وهذا يقودنا بالتالي إلى الحديث عن الرواد، وإذا تحدثنا عن الرواد فسنجدهم قد ذكروا جهده الواضح في هذا المجال، لذا، يجب أن يذكر الفنان الذي كان له الدور الكبير والفعال في هذه الحركة الفنية، إنه محمد يوسف .
ليكن حديثنا من البداية، المرحلة الثانوية في الكويت حيث كان يقيم مع عائلته وحيث يعمل والده في شركة النفط أمن أويل وكان نوخذة ومن الذين يعتمدون على أنفسهم في ما يحتاجون إليه، فقد كان يقوم بالتجهيزات المنزلية من أعمال نجارة وخلافه ولا يحب الاستعانة بالحرفيين، وحيث كان متعلقاً بابنه محمد، الذي كان غالباً ما يراقبه، أو حتى يساعده، كذلك عشقه للبحر والرمل والسماء، تلك المرحلة الطفولية، وشقاوته المحببة خصوصاً في درس الرسم والأشغال، وما صاحبها من حب الفنون بصورة عامة وتعلقه بالتمثيل بصورة خاصة، لما يملكه من ملكة التقليد وخفة الحركة والملامح البارزة لكنه يستقر على الفن التشكيلي كدراسة ومستقبل ولنتركه يحدثنا عن هذا بنفسه .
بعد التخرج في الثانوية كنت أنوي الدراسة في معهد الفنون المسرحية في القاهرة، ولكن ما حدث أن فاتني امتحان القدرات على مدى سنتين، بعدها تقدمت إلى كلية الآداب في جامعة القاهرة وقضيت فيها سنة دراسية، ثم تحولت من كلية الآداب إلى كلية الفنون الجميلة، وفي تلك الفترة لم يكن لي الخبرة أو الرغبة الكبيرة إلا شيئاً من الميل . بعد تأدية امتحان القدرات واجتيازه بنجاح، التحقت بالكلية وتخصصت في قسم النحت . وقد تتلمذ على أيدي مجموعة من الأساتذة الكبار، مثل محمد سهيل، صلاح عليوة، صبحي قرقر، مصطفى متولي من جامعة حلوان كذلك الدكتور أحمد نوار الذي درسه الرسم .
من الحديث السابق نجد أن الفن التشكيلي بالنسبة للفنان محمد يوسف كان قدراً، وقدراً جميلاً في الوقت نفسه، فقد كان من أوائل الفنانين المواطنين الذين درسوا الفن التشكيلي أكاديمياً وتخرج في عام 1978 وبذلك يكون من مؤسسي الحركة التشكيلية المحلية . ليعود إلى الإمارات وكله أمل أن يقدم فناً معبراً عن بيئته وعاداته وتقاليده، لذا يكون أول عمل ينفذه هنا كان من حق الله وحق الليلة وهي عبارة عن عادة يستقبل فيها الأطفال ليلة منتصف شعبان، والعمل كان عبارة عن تمثال لطفلة ذات قوام طويل، تنظر إلى أعلى وفي رقبتها الكيس الذي تضع فيه الحلاوة، كان من الأعمال المميزة في ذلك الوقت، فنياً وتقنياً، كما أنه يمثل موضوعاً محلياً، ولقد تم نشر صورة للعمل في الصفحة الأولى لجريدة الخليج، مما لفت إليه الأنظار بين معجب وكاره .
في بداياته، كانت أعماله يغلب عليها حماس الشباب واندفاعاتهم، فرغم انشغاله في الإعداد لإقامة فرقة الفنون الشعبية وتأسيس مسرح الشارقة الوطني ومحاولة إشهار جمعية الفنون التشكيلية بالدولة، رغم كل هذا، كان محمد يوسف ينتج أعمالاً نحتية منفذة بالخشب غالباً والجبس أحياناً، يغلب عليها الأسلوب التعبيري الواضح ورغم دراسته في القاهرة فإننا لا نلمس في هذه الأعمال أي تأثير بالنحت المصري القديم أو النحت الحديث رغم حبه لأعمال مختار، كانت أعماله هذه تمتاز بانسيابيتها العمودية وجمال انحناءاتها لدرجة أن أعماله هذه قد أهلته للفوز بالجائزة الأولى في معرض الشباب الذي أقيم في عام 1979م .
بحماسه المستمر، واصل محمد يوسف المشوار مركزاً على المواضيع الشعبية والبيئية والتراث بشكل عام، كما أنه بدأ بالتركيز على الفراغ في عمله النحتي، وبدأت تظهر الفراغات بشكل مترابط مع توزيع الكتل وعلاقتها بالفراغ، إضافة على علاقتها بالمكان، وبدأت الأعمال الانسيابية الطويلة بالاتجاه أفقياً مع مزيد من الاختزال الضروري ما أبرز الفراغ بشكل أوضح لدرجة أنه قد سمي أحد أعمال هذه المرحلة فراغ .
ويستمر محمد يوسف في العمل الجاد والبحث المتواصل للوصول إلى شيء جديد يضيفه إلى إنتاجه المتعدد، باحثاً عن الشكل الذي عن طريقه يصل البيئة، حبه الأول والأخير - بالمعاصرة، حيث اتجه إلى الخزف من خلال القوقعة وهي من المراحل الناضجة التي مر بها الفنان فهي متكاملة شكلاً وتقنية وموضوعاً، إضافة إلى ما تحتويه من مضامين فكرية واجتماعية، يقول عنها الفنان محمد يوسف: القوقعة ارتبطت بأعمالي لأنني مرتبط بالأرض والبحر وتدوير القوقعة وحلزونها استهوتني ومنها، كما، شاهدت، توسع أفقي لتحويرها وتطويرها نحو أفق شامل لوعي متواصل لموقعي كفنان . . . .
ويبقى محمد يوسف مرتبطاً بالأرض والبحر والتراث، ولا يكتفي بأن ينتج أعمالاً تمثل البيئة، ولكنه أحضر - أؤكد على أحضر - البيئة نفسها إلى أعماله الفنية لتصبح هي وحدها أعماله، حيث نشاهد الأبواب والشبابيك القديمة بما تحويه من آثار للزمن وذلك عبر إضافته لبعض الرتوش الخفيفة بما يتناسب والعمل نفسه، ثم أحضر أدوات الطبخ القديمة من قدور وصحون ومغارف ضخمة . كذلك وضع البرقع الذي تلبسه النساء في الدولة لتغطية الملامح . كل هذا شكله محمد يوسف في أعمال فنية جميلة يغلب عليها الحس العاطفي والوجداني موحية بمواضيع تعبير عن الإنسان بمعاناته اليومية والحياتية .
خلال تلك الفترة، لم ينقطع محمد يوسف عن النحت، فأنتج أعمالاً منفذة بالخشب ولكن ككتل نصبية تعبر عن مواضيع فكرية وتراثية . وتمضي السنون بمحمد يوسف ممثلاً وكاتباً وينقطع فترة ليست قصيرة عن الفن التشكيلي نتيجة لظروف نفسية خاصة، ويأتي المعرض العام الثاني عشر لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية في المركز الثقافي بالشارقة عام ،1992 ليحضر محمد يوسف، ويعلن عن وجوده بأعمال جديدة تماماً شكلاً ومضموناً عن كل أعماله السابق، اتجه هنا إلى شكل مختلف، النحت البارز (الريليف) دامجاً الرسم بالنحت بتقنية عالية، فقد أحضر قماش الرسم المشدود على شكل لوحة مهيأة للرسم، ولكن بدلاً من استخدامه الفرشاة والألوان، أحضر مادة حبيسة وأخذ يشكل منها، (بيده أو بخشبة أو أي أداة أخرى . مواضيع مستوحاة من رسوم الأطفال وبأسلوبهم، مستغلاً خبرته في هذا المجال بحكم عمله في وزارة التربية . وأدخل اللون في بعض هذه الأعمال، ما أعطاها حساً جمالياً وبعداً واقعياً، وأعتقد أن الفنان محمد يوسف سيستمر في هذه التجربة، ما يعطيها مزيداً من النضج الفني والبعد العاطفي .
بعد ذلك يذهب محمد يوسف إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسات العليا في جامعة ديبستر - ميسوري، وبحكم وجوده هناك وزياراته للمتاحف والمعارض المختلفة ولاختلاف الجو العام وزيادة النشاط التشكيلي يكتسب محمد يوسف العديد من الخبرات التي سترفد تجربته بعد تخرجه، ولكن بعد معاناة كبيرة في البداية، خصوصاً مع الدكتورة التي تشرف عليه، إذ كان يعمل بجهد عضلي كبير، مستخدماً الحجر الصلد والأزاميل المختلفة، ليصدم بهذه المشرفة تسأله ماذا يريد أن يفعل ولماذا حضر إلى الولايات المتحدة، فيخبرها بأنه حضر للتعلم، فترى ما أنجزه لتقول له ربش أي تحط من قيمة العمل، أحبط في البداية وقال في نفسه إنه أحد رواد الفن في الإمارات وهي تعامله بهذه الفوقية، وقد كانت تخبره بأنها تعرف كل شيء عن بلده ودينه ولكن لا تعرف لماذا حضر إلى هنا . أخيراً وصل إلى قناعة تامة بأنه يجب أن يغير من طريقة عمله، فهذه الأعمال كلها مطروقة ولا جديد فيها، لذا يجب أن يعمل بعقله وليس بعواطفه، أولاً وقبل كل شيء .
أتت الفكرة حين رأى بعض الكتب والمجلات التي تأتي للسفارة هناك، وجد شكل الخيمة، فعاد إلى المشغل وأحضر بعض الخشب وبعض القماش، وأحضر طاولة تتحرك من مكان لآخر، ولقد أعجبت المشرفة بالعمل أخيراً مما زاد قناعته بأنه يجب أن يعمل بعقله . هنا، يقول محمد يوسف عن هذه المرحلة بأنه يشتغل على الثابت والمتحرك، ويشتغل على الطبيعة، المدرسة التلقائية، البدو والصحراء، يشتغل على الصوت، على الريح .
كانت شهادة الماجستير بالنسبة لمحمد يوسف، ليس فقط إضافة أكاديمية للفن التشكيلي في دولة الإمارات، بل أيضاً نقطة تحول مهمة في تجربته الفنية الغنية . هنا نعود إلى ما كنا بدأنا به حديثنا عن الفنان، إلى معرض الخروج إلى الداخل نقول إنه كان نقطة تحول لأن محمد يوسف، في هذا المعرض قدم أعمالاً تختلف اختلافاً كبيراً عما كان يقدمه خلال تجاربه السابقة، فنياً، تقنياً وفكرياً .
ماذا يعني الخروج إلى الداخل؟ كما أفهمه أنا من خلال متابعتي لتلك الأعمال أرى أن محمد يوسف قد غاص في أعماقه وأخرج ما كان مخزوناً فيها من أفكار، ذكريات ومشاهدات، إضافة لروايات الوالد عن الفترة التي سبقت ولادته، ولج محمد يوسف داخل ذلك السرداب المظلم وحاول إلقاء الضوء عليه، ثم صقله وتنظيفه من الشوائب التي علقت به من خلال الزمن، ثم تقديمه للمتلقي بصورة معاصرة .
اللوحات من أعمال محمد يوسف