حفل الشعر المعاصر غربا وشرقا بتوظيف تقنية التناص في مختلف أشكاله ومصادره لتعميق دلالات القصيدة وتجديد عناصرها وتقنياتها وتعزيز رؤية الشاعر في قضيته أو فكرته التي يطرحها. وشكّل التناص ظاهرة عامة في الشعر الحديث، فكثر توظيفه حتى انك لا تكاد تجد شاعرا قد تجاوزه أو أهمله، لا من الشعراء التقليديين ولا من شعراء الحداثة على تفاوت في ما بينهم في مستوى التوظيف ودلالته وعمقه ومدى انسجامه وضرورته في النص الشعري. فجاء التناص عميقا منسجما مقنعا في القصيدة حينا، وديكورا مسطحا استعراضيا فقيرا حينا آخر. وسنقصر دراستنا في هذا المجال على نماذج التناص الناضجة المتسقة الموظفة بعمق وإقناع في النصوص الشعرية.

كان محمود درويش من أكثر الشعراء غزارة واستيعابا وتوظيفا لتقنية التناص بشكل عميق منسجم مؤثر في القصيدة الحديثة. وغدت تقنية جوهرية في نصه الشعري لازمته أو لازمها منذ البدايات، ثم تطورت وتزايدت وتنوعت في دواوينه الأخيرة. فمنذ انطلاقته الأولى في بداية الستينات استحضر درويش تناصات تراثية كثيرة لإغناء نصه الشعري وتعزيز موقفه الفكري في مسألة الاحتلال ومواجهته، فمن ديوان وقصيدة عاشق من فلسطين، حيث أشار إلى الاحتلال رمزا تناصيا خيول الروم اعرفها... وان تبدل الميدان إلى قوله المغني على صليب الألم جرحه ساطع كنجم... هكذا مت واقفا.... مت كالشجر ثم مروراً بديوانه احبك أول لا احبك في قصيدة سرحان: حيث يوظف أسطورة العنقاء في كل يوم نولد لنقتل ثانية... كعنقاء ناقصة.. إلى ديوانه أعراس حيث يوظف في قصيدة (الأرض) أسطورة تموز وعشتار والخصوبة، ويتناص مع إليوت في الأرض الخراب حيث يقول آذار أقسى الشهور إلى التناصات المكثفة العميقة في ديوانه أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي الذي تنوعت فيه تناصاته واتسعت وغدت جزءا من بناء قصيدته وأقنعتها ونسيجها الرمزي الدلالي، وسنتوقف قليلا عند قصيدة على حجر كنعاني في البحر الميت التي التحمت فيها التناصات القديمة بنص قصيدته الحاضر بشكل إبداعي منسجم موح.

فالتناصات التاريخية والدينية والأسلوبية في قصيدة على حجر كنعاني.... إشارات وإحالات إلى قضايا وحالات ورؤى يجسدها الشاعر ويطرحها في قصيدته. فمن التناصات التاريخية والدينية المستحضرة والموظفة في قصيدته لتجسيد موقف الشاعر من قضية الصراع الطويل مع المحتل، قوله:

.... هذا البحر لا

يحتله أحد. أتى كسرى وفرعون وقيصر والنجاشي

والآخرون. ليكتبوا أسماءهم بيدي على ألواحه

فكتبت : لاسمي الأرض واسم الأرض آلهة تشاركني مقامي

في المقعد الحجري

فالتناصات السابقة أو قصص (كسرى وفرعون...) إشارات تحيل إلى قضية الاحتلال وإلى موقف الشاعر منها ورؤيته لها، حيث إن زوال الاحتلال لهذه الأرض حتميّ مؤكد، ومن يشك في هذا فليرجع إلى التاريخ وليقرأ مراحل الغزو والاحتلال المتعاقبة في التاريخ القديم.. وهذا يعني أن احتلال يهود اليوم لفلسطين، مهما طال، سائر نحو زوال كما زال احتلال الآخرين من قبل، وهو موقف يؤمن به الشاعر ويستحضر أحداث التاريخ أو التناصات ليدعم رؤيته ويعمق القضية التى يطرحها.

كما يوظف درويش تناصات أخرى في القصيدة تأخذ بعدا تاريخيا فضلا عن أبعادها الدينية المختلفة لتكون إشارات وإحالات إلى مواقف فكرية وفلسفية يتبناها الشاعر ويراها في أثناء قراءته لتاريخ الصراع مع الغازي والمحتل، يقول :

... رأيت الحرب بعد الحرب، تلك قبيلة

دالت، وتلك قبيلة قالت لهولاكو المعاصر، نحن لك...

... وأنا أنا، ولو انكسرت على الهواء المعدني... وأسلمتني

حرب الصليبي الجديد إلى إله الانتقام..

وإلى المغولي المرابط خلف أقنعه الإمام..

فهذه التناصات التاريخية هولاكو والمغول والصليبيون إشارات تحيل إلى شكل من أشكال إعادة التاريخ لنفسه في العصر الحاضر. فاحتلال إليوم مثل احتلال الأمس، وضياع فلسطين وهوية الأمة وأمجادها في عصر الانكسارات والهزائم إليوم، مثل ضياعها في زمن الصليبيين والتتار قديما. لكن هذا الضياع وهذا الانكسار وهذا السقوط يحمل في طياته بذور زواله ونهايته وانكساره، مثلما حملها في الزمن الماضي.

ودرويش يوظف تناصاته تلك لتشير إلى حالة الأمة العربية اليوم التي تشبه حالتها في الأمس البعيد أو القريب، فهذه الحالة متردية منهارة ممزقة مثلما كان الوضع قديما من ناحية، ولكن هذه الأمة لابد أن تقف ثانية وتمحو آثار المحتل والمعتدي في الأراضي المقدسة وغيرها من ناحية أخرى. ودروس التاريخ، يرى الشاعر، حاضرة حية يجب الاستفادة منها والإيمان بها والعمل على تحقيق حتميتها واستثمار عبرها ومعانيها وأبعادها ونتائجها.

وتتناص كذلك قصة الطوفان وانقسام قوم نوح بين مصدق وغير مصدق وبين مؤمن وكافر، والمصير الذي آلت إليه فيما بعد، فهناك بابان مختلفان يقول درويش، فمن آمن بالحق وطلب النجاة فلينضم إلى نوح وقومه وسفينته، ومن شك واحتج وكفر فعليه اللعنة والغرق والموت.

وقوم نوح ينقسمون اليوم ويتصارعون ويتحاربون بعضهم سينجو من الطوفان وهم أصحاب الحق وأهل الإيمان وبعضهم الآخر وهم المحتلون والخائفون والمتقاعسون فسيغرقون ويتلاشون في صخب الطوفان وأمواجه وانتقامه، وهي إشارة من الشاعر إلى المصير المحتوم الذي ينتظر دولة المحتل القائمة على الظلم والكفر وسلب حقوق الآخرين. فطوفان الثورة أو الانتقام أو التحرير وعد قادم ومصير محتوم، يرى الشاعر، كي يزيل أثر المحتل ويرد الحق إلى أصحابه وتبدأ الحياة ثانية بعد النصر والتحرير.

كما يتناص في القصيدة قول ابن خلدون المعروف إن المغلوب مغرم بتقليد الغالب، وكذلك قوله إن العرب أمة تبني بيد وتهدم باليد الأخرى. ويوظف درويش هذا التناص ليشير إلى حالة التمزق التي تمر بها الأمة العربية اليوم لكنه على رغم من كل ذلك متفائل بمستقبل هذه الأمة وقادم أيامها، يقول :

.... تلك قبيلة

دالت وتلك قبيلة قالت لهولاكو المعاصر، نحن لك

وأقول : لسنا أمّة أمة وابعث لابن خلدون احترامي

فدرويش يتألم من انقلاب أحوال هذه الأمة وتمزقها بحيث انضم كثيرون فيها إلى جانب المعتدي والمحتل أو إلى جانب هولاكو المعاصر، فقالوا له نحن لك، وهذا يعزز قول ابن خلدون عن التقليد والتبعية للغرب الغالب الآن، وعن الهدم والبناء في حاضر هذه الأمة. لكن درويش يعتذر لابن خلدون ويعارض فرضيته تلك مع احترامه لمواقفه. وتنطوي هذه الإشارات والتناصات على محاورة فكرية بين الشاعر والآخرين، وبين الواقع والحلم وبين الكائن والذي سيكون. إذ يرى درويش أن انهيار أمة اليوم لا يعني موتا أبديا، وأن ضياع الوطن المحتل الآن لا يعني ضياعا نهائيا إذ لابد أن تتحول الموازين كما تحولت في السابق، ولابد أن يندحر المحتل كما اندحر في السابق ولابد أخيرا أن يهزم هولاكو المعاصر كما انهزم سلفه هولاكو القديم.

كما تتناص في قصيدة على حجر كنعاني... مرجعيات وإشارات أسطورية من مثل الإشارة إلى ذكر الحمام أو الهديل إذ تقول الأساطير القديمة إن الهديل أو ذكر الحمام بعدما مات حزنت عليه الحمائم ولبست ثياب الحداد حتى يومنا هذا. وتوظيف هذه القصة وتناصها في القصيدة إشارة إلى حالة الحزن التي يعيشها الشاعر وأبناء وطنه ندما وحسرة على فقدان الوطن وضياعه واحتلاله، يقول درويش.

ورأيت ريشتها تطرز طائرتين : لشالها، ولشال أختي

وفراشة لم تحترق بفراشة من اجلنا ورأيت لا سمي

جدا، أنا ذكر الحمام يئن في أنثى الحمام... لكن تناص الأسطورة هنا يوظف توظيفا مختلفا عن فكرته الأصلية وإن كان يتضمنها ويحيل إليها. فدرويش يشير إلى العلاقة بين الحب والمحبوبة أو بين الشاعر والوطن أو بين ذكر الحمام وأنثاه حيث فرق بينهما الموت أو الاحتلال أو الهجران، ولكنه يتجاوز الحزن الأبدي الذي يعانيه الحمام/ الشاعر على هديله أو وطنه، ويقيم حالة توحد وامتزاج والتحام ما بين الوطن والإنسان ما بين ذكر الحمام وأنثاه ومابين المحب والحبيبة. فالشاعر هنا وهو ذكر الحمام وهو الوطن الضائع الذي يئن حزناً وانتظاراً لعودة أنثاه أو حمامته أو حبيبته أو ابنه المهاجر المنفي المبعد عنه. فعلاقة الوجد والحزن والحداد علاقة مزدوجة متبادلة قائمة بين الأرض والشاعر بين ذكر الحمام وانثاه، فكل منهما بشوق إلى الآخر، وكل منهما بانتظار الآخر، ولابد يرى الشاعر، أن يتحد الحبيبان وأن يلتقيا ويستبدلا أنين الفراق والنفي والحداد بنشيد الحب والعناق والحرية والتوحد في آخر المطاف.