تتبدى نصوص الشاعر السعودي ناصر الفراعنة، كوشيج من التعالقات النصية الكثيرة، تخفي في طياتها كماً هائلاً من النصوص الغائبة التي تبدو كأنما هي الزاد العضوي الذي يمد شعره بالقوة والألق.

ناصر الفراعنة واحد من الأسماء القديرة والكبيرة التي تثري الساحة الشعبية والفصيحة معاً بمنجزات نصية تستحق أن تحترم، وتستحق أن يتوقف عندها بكثير من الأناة، ولعل ظاهرة التواشج النصي هذه، جعلتني أفكر في أن أكتب عن التناص في شعر ناصر الفراعنة، مع بعض التردد

والحذر كون الظاهرة، ظاهرة التناص هذه، تم الاهتمام بها في الأدب العربي الرسمي منذ وقت قصير نسبياً، وكونها في حد ذاتها كياناً نقدياً معقداً، قد يحتاج إلى مساحة أكبر من هذه المتاحة في هذا المقام، وكون النصوص التي أردت التطبيق عليها هي نصوص شعبية. لذلك كله سأضع في هذه الفسحة مفاتيح التناصية لقراءة شعر الفراعنة، علها تكون تنبيهاً للجهود البحثية كي تتجه صوب هذا النوع من الدراسات القليلة في الأدب الرسمي والنادرة إلى معدومة في الأدب الشعبي.

لعل البدايات الأولى التي أخذت على عاتقها تقديم مفهوم التناص كإجراء نقدي، كانت مع الروسي ميخائيل باختين في كتابه (فلسفة اللغة) وقصد بمصطلح التناص: الوقوف على حقيقة التفاعل الواقع في النصوص، في استعادتها أو محاكاتها لنصوص أو أجزاء من نصوص سابقة عليها. هذا الطرح أفاد منه عدد غير قليل من الباحثين، حتى ظهر مفهوم التناص بالمعالم التي هو عليها اليوم مع تلميذه باختين وصاحبة علم النص جوليا كرستيفا. التي ترى أن كل نص يتشكل من تركيبة فسيفسائية من الاستشهادات، وكل نص هو امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى.

تعتمد تقنية التناص على إذابة الحدود بين النص قيد الكتابة، والنصوص أو الوقائع أو الشخصيات أو الموروثات التي يشتغل عليها الشاعر كإرفادات لنصه؛ حيث تأتي هذه النصوص متسقة اتساقاً كاملاً لا يستشعر أبداً بأنها مبتورة من بيئات نصية أخرى وطالعة كجسد غريب ينمو داخل المنجز الجديد. نقرأ لناصر الفراعنة جزءا من قصيدته الشهيرة: ناقتي ذات المطلع:

ناقتي ياناقتي لارباع ولاسديس

وصليني لابتي من ورا هاك الطعوس

ينهض هذا الاستهلال مسترفداً لإرث شعري عربي كامل احتفى بوصف الراحلة التي هي في نص الفراعنة لا رباع ولا سديس، كواحد من المقدمات التي شاعت في الشعر الجاهلي، مبينا عن انتماء عرقي أولا، وصفت فيه علاقة العربي بناقته، ومبيناً عن انتماء ثقافي أيضاً يعكس خصوصية المساقات الثقافية التي يطلع منها ويتكئ عليها شعر الفراعنة، إذ تتراءى لدى المتلقي وهو يستقبل هذا المثير الشعري استجابة تلامس آلافاً من أسلاك الذاكرة التي تختزن نصوصا من مثل قول الصمة القشيري:

وحنت قلوصي بعد هدء صبابةً

فيا روعة ما راع قلبي حنينها

أو قول المتلمس الضبعي:

حَنت قَلوصِي بِها وَاللَيلُ مُطرِقٌ

بَعدَ الهُدُو وَشاقَتها النَواقيسُ

لا يشعر المتلقي بغربة هذا الموتيف الشعري (الناقة) عن النص، مجسداً وعيا جماليا بالقيمة التناصية، ونائيا بها عن أن تكون مجرد استحضارات استعراضية لا غير، إذ يمكننا أن نسمي هذا النوع من التناص تناصا لا شعوريا، أو (تناص الخفاء) ويكون فيه وعي الشاعر غائباً عن حضور نص في النص الذي ينتجه، ذلك أنه ينطلق من مرجعيات سوسيوثقافية تحكم الشعر وتصبغه دونما أن تتزيا بزي الاستعراض.

في شعر ناصر الفراعنة نوع آخر من التناص وهو الواعي المقصود، الذي يعمد الشاعر من خلاله إلى خلق حوارية لنصه مع نصوص تقع في ماضي الثقافة أو مع وقائع تقع في رقعة ما من رقع التاريخ أو الأسطورة. من مثل ذلك قوله:

في عيوني يكفخ الطير ويطيح الفريس

وانتهض جساس من دون خالته البسوس

في خفوقي فرخ جنية (ن) يضرس ضريس

يوم اوردها هجوس واصدرها هجوس

تتبدى في هذا المقطع شخصيتان تاريخيتان، تأسطرتا بفعل الرواية الشفوية وهما جساس بن مرة البكري، وخالته سعاد المكناة بالبسوس، اثنان من أبطال حرب البسوس، يمثل جساس بن مرة فيها عنصر الثورة والشجاعة والرفض، وتمثل البسوس عنصر التحريض والخبث والمكر الذي استحث جساس على الثورة، فيحاول ناصر الفراعنة تنزيه ثورة جساس عن عنصر التغرير وإسقاطه على الذات الشاعرة نموذجاً رافضاً حراً وشجاعاً ومنزهاً عن كيد المغررين. فينفتح المقطع إضافة إلى الآفاق الأدبية والتاريخية على آفاق أسطورية تظهر في قوله: وفي خفوقي فرخ جنية(ن) يضرس ضريس، ما يجعل عناصر الشجاعة والرفض تتعزز بعناصر أخرى أسطورية قادرة وخارقة تحقق للذات كينونتها، وتبسط نفوذها على عالمها المتخيل.

إن هذا العالم الشعري المتخيل لناصر الفراعنة الذي يعج بأسلاك حوارية كثيرة مع عوالم أسطورية استدعاها في نصوصه الفصيحة والنبطية لنموذج خالص وصاف للتجريب على التناصية مع مواد أسطورية واقعة في حقب مظلمة من تاريخ الأدب. يقول في قصيدته الفصيحة ملوك الجن:

عَرَفَتْ ملوك الجن ريحَ عِمامتي

ونَكَحْتُ منهم سبعةً وثمانيَةْ

ودفنتٌ قُرْطاً في صفيحةِ قرْمَدٍ

وشرِبْتُ من دمِ ذي الصواعِ بآنِيَةْ

كم حُكْتُ لي من مقتلٍ بيدي ! فلم

أُقْتَلْ! فقلت:أحُوكُهُ بلسانيَهْ

يتلبس هذا النص بالأسطرة في جوه العام ويتشابك مع العديد من النصوص الشعبية والرسمية الغائبة التي اعتبرت الكلام، أو اللغة سحرا، وبالتالي سلطة بإمكانها أن تهزم أية سلطة أخرى منافسة، هذا ما يجعل ناصر الفراعنة في هذا المقطع يدخل عالم الجن متعمما باللغة، يحيك حتفه بلسانه، فيجعل من النص ملتقى لأكثر من زمن وأكثر من حدث وأكثر من دلالة، غنياً حافلاً بالتناصات؛ إذ إن القصيدة باعتبارها عملاً فنياً تجسد لحظة فردية خاصة وهي في أوج توترها وغناها، هذه اللحظة تتصل على رغم تفردها بتيار من اللحظات الفردية المتراكمة الأخرى. فالنص في النهاية هو ما تنكتب فيه القراءة، ما تنكتب فيه المعرفة والهواجس والهلوسات.

يتصاعد التناص عند الفراعنة إلى غاية تقمص شخصيات تقع في تاريخ الشعر كتقمصه للشاعر لبيد العامري، الذي نعته بأنه جده في إحدى قصائده النبطية في قوله:جت بي امي في رماده وارضعتني في حماده يا نمير بن عباده جدي الشاعر لبيد.

يتصعد هذا الانتساب إلى التقمص في قصيدة ملوك الجن إذ يقول:

أولم تكن تدري سناءُ بأنّني

مطلوبُ أوّلَةٍ ومطْلَبُ ثانيَةْ

مولودُ تاسعةٍ ووالد تاسعٍ

قطّاع قفرٍ لا يلينُ جَنانِيَهْ

يتناص هذا المقطع مع قول لبيد العامري:

أَوَلَم تَكُن تَدري نَوارُ بِأَنني

وَصّالُ عَقدِ حَبائِلٍ جَذّامُها

تَرّاكُ أَمكِنَةٍ إِذا لَم أَرضَها

أو يَعتَلِق بَعضَ النُفوسِ حِمامُها

وبرأيي أن التناص هنا سقط في القولبة، إذ لم يأت على الاحترافية التي جاء بها في مواضع سابقة، لا يبرره غير تأثر الفراعنة بشاعره الجد لبيد العامري وبالتالي شيوع أن يقع الحافران بالموضع نفسه.

إن هذه الأمثلة التي حاولت استقصاءها لهي غيض من فيض الفراعنة التناصي الذي يتراوح بين الشعري والتاريخي والأسطوري وحتى الديني إذ نعثر له على تناصات كثيرة مع النص القرآني منها ما جاء في قصيدته ذات المطلع:

بسمك اللهم منزل سورة الاحقاف والاعراف منزل نون قاف كاف هاء ياء عين صادعالم سر العباد مهلك فرعون ذو الاوتاد عاد هل ارم ذات من بنوا صخرن بواد

إذ تعج قصائده باستدعاء الأساليب القرآنية وتوظيف موتيفات سردية قوامها الأقوام البائدة التي جاء ذكرها في القصص القرآني وغيرها. تعكس في ما تعكس تنوع المصادر التناصية لهذا الشاعر والتي منها: المصادر الضرورية: ويكون فيها التأثير طبيعياً وتلقائياً وهو ما يسمى بالذاكرة أو الموروث العام ، مثل مقدمة وصف الناقة التي وردت في أسطر سابقة، والمصادر اللازمة : وهي مصادر داخلية تتعلق بالتناص الواقع في نتاج الشاعر نفسه كما في النموذج المعروض حول لبيد العامري، والمصادر الطوعية: وهي اختيارية وتشير إلى ما يطلبه الشاعر عمداً في نصوص متزامنة أو سابقة عليه وهي مطلوبة لذاتها، كتلك التي وظفت حرب البسوس ونصوص أخرى وظف فيها الشاعر السيرة الهلالية وغيرها مما لا يتسع له المقام هنا.

إن هذا التنوع في مصادر التناص والتنوع في كيفية استغلال المساحات النصية حتى تتعايش فيها نصوص أخرى سابقة بتسامح جم، وبكفالة عليا لمهارة الإنتاج الدلالي لهو داع ملح كما أسلفت إلى أن يلتفت بكثير من الجد إلى قراءة نصوص الفراعنة قراءة خلافية.

*أكاديمية وباحثة في التراث الشعبي الجزائر