يدفع حب المغامرة وإثبات الذات بعض الشباب إلى خوض المراهنات ما بينهم، وأشدها وقعاً المراهنات الخطيرة، لأنها قد تكون مؤذية وقاتلة، ما يفرض التعرف إلى أنواع الرهانات فيما بينهم، والفئة العمرية الأكثر تأثراً بها، والأسباب التي تقودهم إليها ونتائجها . وهذا لا يمنع وجود مراهنات أقل خطورة وأخرى يعتقد أصحابها أنها إيجابية ولكنها في حقيقة الأمر ضارة عند استخدامها بطريقة خاطئة .

يوضح أمين حيدر، مهندس مدني في دبي، أنه مرّ بالكثير من التجارب في هذا الإطار، منها تجارب كانت إيجابية وحقق منها فائدة في صقل شخصيته وزادته ثقة بالنفس وأخرى لم يجن منها سوى المتاعب والمشاق . يقول: عندما كنت في المرحلة الثانوية قادني الغرور بنفسي إلى أن أتباهى أمام زملائي بأني أستطيع قيادة السيارة بشكل جيد، فلم يصدقني أصدقائي في المدرسة وطلبوا مني أن أثبت لهم صحة كلامي فقام أحد الأصدقاء بإحضار مفتاح سيارة والده وأمرني أن أقودها أمام منزلهم، فصعدت السيارة وبعد أن قدتها ارتطمت بها في الجدار فانهار على واجهة السيارة وأصبت بجروح ورضوض في جسدي . ويؤكد أنه بعد الحادث أصبح عاجزاً عن الحركة والتفوه بأية كلمة ويقول: لحسن الحظ فأن والد صديقي حضر بسرعة وأسعفني، ثم اتفق مع والدي على تقاسم النفقات لصيانة السيارة والضرر الذي ألحق بالجدار، وبعد فترة قصيرة تحسن وضعي الصحي، إلا أن الأثر النفسي البالغ الذي ظل يلازمني إلى الآن يشعرني بأنني قمت بتصرف خاطئ لن أكرره في حياتي .

ومن وحي تجربته تلك يقول: المراهنة تحدث ما بين الشباب في عمر 15 سنة وما فوق لإثبات قدرتهم على خوض المغامرة التي تظهر بأشكال مختلفة، يسيطر عليها الطيش والخروج عن المألوف والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، لذا نجدهم يصنعون عالماً خاصاً بهم وأجواء لا تروق لأحد سواهم، وهذا لا يعني أنهم يستمرون طويلاً على النهج نفسه، إذ إنهم غالباً يستفيدون من تجاربهم ويتعظوا منها فيتركونها من غير عودة .

ويوضح عبدالعزيز أحمد، أعمال حرة في رأس الخيمة، أن أيام العطل والإجازات، تكون فرصة أمام الناس للخروج إلى الطبيعة وإحياء هواياتهم واستغلالها في إبداع أفكار جديدة، إلا أن بعض الشباب يظهرون فيها طاقاتهم بصورة سلبية بالتعبير عن مواهبهم في قيادة السيارة عبر سباقات تحصل ما بين الشباب في بعض المناطق الرملية .

ويقول: مع أنني لست من النوع الذي يحب المنافسة، إلا أن هذا لا يعني أن أقود نفسي إلى التهور كما يفعل بعض الشباب في المراهنات الشرسة التي نسمع بين الفترة والأخرى وقوع حوادث بسببها .

ويوضح رامي خياط، طالب جامعي في عجمان، أنه وأصدقاءه يقومون بالبحث عن المراهنات والعادات الغريبة والجديدة، وأنهم مثلاً كانوا في المطعم ودار نقاش حول التهام أكبر كمية من الطعام بعد أن ادعى أحد أصدقاءه أنه على استعداد قبول التحدي لتناول كمية كبيرة من الأكل واشترط في حال فوزه أن يدفع الطرف الثاني قيمة الفاتورة .

ويقول: التهم صديقي ثلاث وجبات ونصف وجبة وعلبة مشروب غازي صغيرة، وذلك بعد تناوله وجبة سابقة وبموجبه فاز بالرهان، والمضحك أنه بعد فوزه شعر بألم فظيع في بطنه وبقى على تلك الحالة إلى منتصف الليل حيث خف الألم وأخذناه إلى منزله .

ورغم تلك التجربة القاسية التي مرّ بها صديقه، يؤكد خياط أنهم ما زالوا مواظبين على عادتهم ويبحثون عن أي موقف يصنعون منه سبباً للرهان فيما بينهم وأنهم لم يستفيدوا من تجاربهم .

ويقول أنيس علاء الدين، كاتب ملفات في شركة العالم الأخضر في دبي، لا يشترط أن تكون المراهنات خطيرة، فمثلاً عندما نتابع مباراة يراهن كل مشجع على فوز فريقه وغالباً ما يكون الرهان على تنفيذ شرط صعب، كأن يظهر مشجع الفريق الخاسر في موقف مضحك أمام الناس في الشارع أو دفع قيمة فاتورة المطعم أو الكافيتيريا التي يشاهدون فيها المباراة، ويشجع أصحاب الكافيتيريات ذلك لضمان تردد الشباب عليها باستمرار .

ويشير محسن عبد ربه، مدير مطعم في دبي، إلى أن أجواء الصخب والفوضى لدى الشباب جعلته ينعزل عن أصدقائه ويفكر بحياته بشكل جدي، إذ إنه سابقاً كان لا يعير العلاقات العائلية وأهله أية أهمية وينعزل عنهم وأصبح الآن يتقبل حياته الجديدة شيئاً فشيئاً .

ويحدثنا عن أجواء الصخب والفوضى تلك قائلاً: المراهنات بيننا سابقاً كانت تحدث إثر نقاش حول قضية ما، حيث يتمسك الأول برأيه وكذلك الثاني، وتبدأ المشادات الكلامية بينهما إلى أن تصل للتحدي، وغالباً ما يتم أخذ الإجابة الصحيحة من شخص صاحب خبرة في مجال الخلاف الذي نجم، كأن يكون الخلاف على معلومة طبية، فيتم الاتصال بأحد الأطباء لأخذ الإجابة الصحيحة .

ويؤكد انتشار مثل هذه الخلافات في الأوساط غير المثقفة، مع فقدان المعلومات الصحيحة أو مصادر الوصول إليها بالاعتماد على النفس عبر الكتاب أو الانترنت . ويرى أن تقبل الآخر ورحابة الصدر والتحلي بالأخلاق الإسلامية تمنع هذه المراهنات .

وفي حالات أخرى قد تكون النتيجة أخطر من ذلك عندما يصاب أحدهم نتيجة لحادث سير مروع بسبب المنافسة على سرعة قيادة السيارة، أو يخسر حياته . ويقول عبدالله الهوتي (19 سنة): يقوم بعض الشباب بالمراهنة على سباق السيارات مقابل فوز أحدهم بمبلغ من المال يتم الاتفاق عليه مسبقاً، إذ يضع كل منهم المبلغ المحدد ويتم السباق والذي يفوز يحمل المبلغ كاملاً، ومنهم من يراهنون على نوع خاص من المخالفات المرورية التي يقومون بها عبر قيادة السيارة بسرعة جنونية ، ويخيل إليهم أن الشارع أو الطريق حلبة سباق لإثبات أنفسهم .

ويضيف الهوتي أنواعاً أخرى من المراهنات التي تتم بين الشباب، منها مبارزات الديكة والكلاب، ويقول: أدخل في مبارزات الديكة ولكن من دون المراهنة على المال، بل لمجرد المتعة والتسلية فقط وإثبات أن ديكي الأقوى .

ويشير مهند أمين، طالب ثانوي في الشارقة، إلى أن المراهنة أنهت علاقته بصديقه لأنهما تنافسا في السنة الماضية على حل مسألة رياضية بعد خلاف استغرق نحو ساعة أثناء خروجهم من الامتحان، واشترطا أن من يخسر سيعترف أنه أخطأ في الجواب وينشر الخبر على الفيس بوك كي يعلم الكل بذلك .

ويقول: بعد أن أثبت صحة طريقة حلي للمسألة طلبت من صديقي أن ينفذ الشرط، إلا أنه ماطل وتهرب مني، فألححت عليه وقلت إن لم تفعل ذلك فلست رجلاً، ولم يرق له هذا الكلام، فنشب بيننا خلاف انتهى بانتهاء علاقة الصداقة التي ربطتنا طويلاً .

ويبدي أمين أسفه لأنه قد خسر صديقه لهذا السبب، إلا أنه لم يكن يجد أمامه حلاً آخر، خاصة أن صديقه كان متزمتاً برأيه ولم يكن يتنازل عنه ويستخف برأيه .

ويرى مصطفى ثابت، طالب جامعي سنة أولى إدارة أعمال في الشارقة، في هذه التجارب بعض الفوائد، فرغم فشله في بناء علاقات صداقة على أساس حب المغامرة والدخول في المراهنات فقد أدرك أخيراً أنها لا تفيدهم، لذلك صبّ اهتمامه على دراسته وبناء علاقات ناجحة أساسها حب العلم واكتساب الصفات الجيدة .

ويقول: هناك من يحولون منحى الأحداث نحو ما يفيدهم ويحقق لهم الفائدة، بدليل أن الغيرة الإيجابية في الدراسة ما بيني وزملائي عامل إيجابي نحو تحقيق النجاح والمنافسة على الدرجات الأولى، وهو أيضاً يندرج ضمن الرهان، لكنه يستند إلى النجاح والتفوق، شرط ألا يكون سبباً في ظهور خلافات بيننا .

وتقول فاطمة السجواني، اختصاصية نفسية في منطقة الشارقة التعليمية،: الحديث عن المراهنة مقترن بفترة الشباب لدى الذكور أكثر من الإناث وتبدأ في سن 12 وتشتد طوال فترة المراهقة، لأنهم في هذه الفترة يدركون معنى المنافسات والتحديات، وبموجبها يتوقعون حدوث أمور ما استناداً إلى آرائهم ويدخلون في تحديات ومنها ما يؤدي إلى وقوعهم في التهلكة، خاصة إن كان الموضوع متعلقاً بخسارة حاجة ثمينة، وبالتالي تكون أضرارها سلبية على أصحابها والمجتمع .

وتؤكد السجواني أنه في بعض الأحيان يكون التحدي بين المراهقين أو الشباب مطلوباً، خاصة إن كان من أجل الدراسة، كي يثبتوا أنهم مهتمون بدراستهم وواثقون من أنفسهم، لأنه كلما زاد التحدي بينهم زادت فرصة النجاح والتفوق .

ويؤكد أشرف صحصاح، اختصاصي اجتماعي، أن المراهنة سلبية في كل الأحوال ولا بدّ من التفريق ما بينها والمنافسة الشريفة التي تحصل ما بين الطلاب مثلاً من أجل النجاح والتفوق، كما أن المراهنات مرفوضة في الإسلام، لأنها قد تؤدي إلى الحقد والغيرة والغضب وإثارة النفوس وحدوث مشكلات والتهور وتهديد الصحة وقد تكون سبباً في الموت إن كان الأمر متعلقاً بممارسة خطرة كالتي تحصل في سباق السيارات .

ويقول: علينا أن نزيد وعي الشباب بالمنافسة الشريفة ونوجههم نحو الأفكار الإبداعية لرفع أسهمهم في المجتمع، لا أن يعرقلوا حركته .