الشارقة «الخليج»:

منذ البدايات سعت مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية إلى تغيير الواقع نحو الأفضل، وبذلت كل ما بإمكانها كي يسمع الجميع صوت الأشخاص من ذوي الإعاقة المطالب بحقوقهم، فكانت علامة فارقة وشعلة مضيئة أنارت الدرب أمام الكثيرين، ونشرت الوعي بين مختلف أبناء المجتمع، انطلاقاً من دورها الريادي في مناصرة واحتواء وتمكين ذوي الإعاقة في دولة الإمارات العربية المتحدة والوطن العربي، وحرصاً منها على تحقيق رسالتها في الحد من أسباب الإعاقة بالتدخل المبكر والتوعية المجتمعية، وصولاً إلى تحقيق الأهداف النبيلة والمساهمة في نشر القيم الإنسانية القائمة على احترام وتقدير أبناء هذه الفئة وتحقيق المساواة العادلة قدر الإمكان.
لأنها تعي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، إلى جانب العديد من الخدمات التي قدمتها ولا تزال، كانت المدينة أول من أدخل خدمة الكشف والتدخل المبكرين في منطقة الخليج العربي من خلال مركز التدخل المبكر الذي تأسس سنة 1992، وبدأ العمل فيه في أكتوبر/تشرين الأول 1993، وافتتحه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة والأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود، رئيس البرنامج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة، في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1994. وتعتبر الخدمات التي يقدمها المركز تدخلات مناسبة وسريعة من النواحي التربوية والوقائية والعلاجية في مرحلة مبكرة، لأن مدة نمو الطفل وخاصة في الأشهر الأولى، وحتى سن الخامسة مدة حرجة والتعامل مع المشكلات التي قد تظهر على الطفل في هذه المرحلة يكسبه الكثير من المهارات، ويجنبه الكثير من المضاعفات التي قد تظهر لاحقاً، ما يسهل عملية دمجه مستقبلاً.

محمد فوزي مدير المركز، أكد أن الأهداف التي يسعى المركز إلى تحقيقها تتمثل في تقديم خدمات شاملة علاجية وتربوية ونفسية للأطفال من ذوي الإعاقة، والأطفال المعرضين للخطر، وفق ما توصلت إليه أحدث الممارسات والأبحاث ضمن المجال في مرحلة التدخل المبكر مع دعم ومساندة الأسر وإكسابها القدرات والمهارات اللازمة للعمل مع الأطفال كشريك في فريق العمل، إضافة إلى التوعية المجتمعية بأهمية الاكتشاف والتدخل المبكرين، والكشف المبكر عن الإعاقات والصعوبات لدى الأطفال، وتدريب الكوادر المحلية والخليجية من خلال ورش العمل والدورات التخصصية والتدريب العملي، وبناء الشراكات مع مختلف الهيئات المجتمعية لأغراض الوقاية والتدخل المبكر، وإنشاء مركز معلومات ومكتبة علمية متخصصة في هذا المجال.
وصل عدد المستفيدين من خدمات المركز منذ انطلاقة العمل فيه إلى أكثر من 2750 طفلاً وطفلة، كما يوضح فوزي، وهم من الأطفال ذوي الإعاقة منذ الولادة، وحتى سن ال 5 سنوات وأسرهم والأطفال المعرضون للخطر. من هذه الخدمات الإرشاد الأسري، حيث يقدم قسم الإرشاد الأسري خدمات التدريب لحوالي 160 طفلاً وأسرهم سنوياً، وذلك منذ سن الولادة، حتى الثلاث سنوات مستخدماً مناهج البورتيج والبيب ثري (pep-3)، ومنهج تيتش، وتقوم حالياً 7 معلمات إرشاد أسري بتدريب الأسر على التعامل مع الأطفال من ذوي الإعاقة، من خلال جلسات أسبوعية ونصف شهرية وشهرية في البيئة الطبيعية للطفل، كالمنزل أو الحديقة أو الروضة.
نجوى أبو النصر حبليزة، المشرفة التربوية في المركز، أكدت أن مركز التدخل المبكر مجهز بغرف لاستقبال الأسر المقيمة في باقي الإمارات خارج الشارقة، كما ينظم القسم العديد من الرحلات للأطفال وأسرهم، وجلسات لتبادل الخبرات، إضافة إلى المحاضرات التوعوية المهمة مع التركيز على تقديم الخدمات للأطفال وأسرهم في بيئتهم الطبيعية (المنزل، الحضانة، إلخ).
ويقوم فريق متعدد التخصصات بإجراء تقييم شامل لكل طفل، حيث يتناول هذا التقييم الجوانب النفسية واللغوية والتربوية، كما يجري تقييماً سمعياً بواسطة المختص من مركز مدينة الشارقة للسمعيات، ويتم التنسيق مع قسم العلاج الطبيعي والوظيفي لإجراء التقييمات المتعلقة بالجوانب الحركية والمرتبطة بالعلاج الطبيعي والوظيفي، كما يجري التقييم البصري بواسطة قسم برامج الإعاقة البصرية بمركز التدخل المبكر.
وبالنسبة لخدمات الفصول التدريبية تشير نجوى أبو النصر إلى خدمات مقدمة لأكثر من 45 طفلاً خلال العام الدراسي موزعين على خمسة فصول يشرف على كل واحد منها ثلاث معلمات يعملن على تنمية المهارات في المجال المعرفي واللغوي والاجتماعي والحركي ومجال العناية بالذات، وأيضاً يتم اتباع منهج بورتيج وتيتش وبيب ثري مع الأطفال، من سن ال 3 حتى ال 5 سنوات.

وفي الفصول التدريبية يتم استقبال جميع الإعاقات ويجري العمل فيها بكل جهد لتطوير قدرات الأطفال في شتى المجالات، كما يعمد القسم مع نهاية كل مرحلة إلى إجراء استبانة يقيس فيها رضى أولياء الأمور عن النتائج المحققة، ففي بعض الحالات على سبيل المثال لا الحصر يأتي الطفل إلى المركز من دون قدرة على التواصل أو التفاعل الاجتماعي، ثم تقوم المعلمات بالعمل على دمج الطفل وتدريبه على مهارات التواصل أو النطق أو غيرها من المهارات الحياتية اليومية وتكون النتائج طيبة في كثير من الحالات مع مراعاة الفروق الفردية لكل حالة.

كما يقوم المركز بإصدار بطاقات صحية للأطفال من ذوي الإعاقة، وتعتبر مسألة أمن وسلامة الأطفال في مقدمة الأولويات، ويومياً تقوم ممرضة بمعاينة جميع الطلبة وإجراء الفحوص اللازمة، كما يتم التركيز على التواصل المستمر مع الأسر نظراً للدور الكبير الذي يلعبونه، حيث يتم التركيز على احتياجات الأسر واهتماماتها، وطرق التواصل معها من خلال دفاتر المتابعة اليومية أو وسائل التواصل الاجتماعي. وأشارت أبو النصر، إلى وجود غرفة ملاحظة خاصة تتيح للأهل الاطلاع على الخدمات المقدمة للأطفال في الفصول التدريبية، كما توجد غرفة تدريب فردي للحالات التي تحتاج مثل هذا النوع من التدريب، إضافة إلى وجود قاعة للأنشطة المتعددة للترويح عن الأطفال.

خدمات

الاختصاصية في قسم اللغة والنطق أنوار سامي عبيد، أكدت أن القسم يقدم خدماته للأطفال منذ سن الولادة وحتى الخامسة، وتتمثل هذه الخدمات بالاستشارات والتقييم والجلسات الفردية للأطفال الملتحقين بالفصول التدريبية والجلسات الإرشادية للأطفال الملتحقين بقسم الإرشاد الأسري، كما يشارك القسم في عمليات المسح التي ينظمها مركز التدخل المبكر في رياض الأطفال ومركز الأمومة والطفولة، حيث يغطي برنامج المسح الأطفال منذ سن 3 أشهر، وحتى ال 4 سنوات. وفي حال اكتشاف مشاكل في النطق أو تأخر في اللغة عند أحد الأطفال يعاد التقييم في المركز مع اتخاذ الإجراءات اللازمة، ويشارك القسم بفعالية في يوم التخاطب في شهر مايو من كل عام ،حيث يتم تنظيم المحاضرات التوعوية والاستشارية، كما ينظم محاضرات وورش تدريبية للأسر.

أما في قسم الخدمة الاجتماعية، فقد أكدت الاختصاصيات منى حاجوني، زبيدة آل علي، ابتسام بوزنجال، أن عمليات التسجيل الأولى تتم في القسم، إضافة إلى التسجيل الرسمي وفتح الملفات للأطفال الجدد مع دراسة الحالة الاجتماعية، ثم يتم تحويل الحالات إلى الاختصاصيين النفسيين والإرشاد الأسري والفصول، وتتم أيضاً دراسة الحالة الاقتصادية للأسرة لتحديد الأسر من ذوي الدخل المحدود والمستحقة لأموال الزكاة، أما في عمليات المسح الخارجي، فيقوم القسم بإدارة العملية.

الدمج

خلود الجنيبي الاختصاصية في قسم الخدمة النفسية، أوضحت طريقة العمل فيه، حيث يتم تقييم الطفل وتسجيله ومعرفة المهارات النمائية، وبعد عملية التشخيص تقدم الخدمات المناسبة لكل طفل اعتماداً على التقرير الطبي أو الاختصاصي، حيث توضع خطة فردية للحالة كما يتابع القسم عملية الدمج في المدارس والمجتمع أيضاً.

وضمن سياق التطوير المستمر في المركز، تم اعتماد نظام القياس والتقييم والبرمجة (AEPS) نظراً للحاجة إلى برامج مقننة في العمل مع الأطفال ذوي الإعاقة في عمر التدخل المبكر ،حيث قامت المدينة باعتماد الترجمة العلمية المتقنة التي قدمها البروفيسور أحمد بن عبد العزيز التميمي بعد إطلاع مجموعة من الخبراء والاختصاصيين العاملين في المجال عليه، حيث أجمعوا على مناسبته للبيئة العربية وسلاسة التعامل معه، ومما لا شك فيه أنه أول منهاج متكامل في هذا الشأن باللغة العربية، وليس غريباً أن تبادر المدينة إلى هذه الخطوة السباقة خاصة أنها أنشأت أول مركز للتدخل المبكر في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1994 وبات حاضرها المميز شاهداً على ماضيها العريق والمبتكر.
والجدير بالذكر، أن هذا المنهج المعتمد في الولايات المتحدة الأمريكية منذ زمن طويل، منهج رائد بكافة المقاييس، ويتم تقديمه كركيزة أساسية في التدخل المبكر مع الأطفال من ذوي الإعاقة، وقد حصلت المدينة على حقوق ترجمة ونشر المنهاج منذ ثلاث سنوات، وفي القادم من الأيام ستعمل المدينة بإذن الله على نشر وتسويق المنهاج في مختلف أرجاء الوطن العربي، مع تنظيم دورات تدريبية للمؤسسات والمراكز الخاصة بالتدخل المبكر، بهدف تدريب الكوادر على تطبيقه بالشكل الأمثل.

بدرية إبراهيم ولية أمر الطالب حسن علي آل علي، أشادت بالخدمات التي يقدمها المركز التي حققت له تقدماً ملحوظاً خلال عامين، ومكنته من اكتساب مهارات عديدة، بعد تشخيصه بالتوحد، بلغ بعدها مرحلة متقدمة مكنته من الالتحاق بروضة السندس في دمج جزئي، والأمل كبير في استمرار هذا التقدم نحو مزيد من نتائج أفضل بإذن الله.
أما هند خليل عباس ولية أمر الطالبتين أميرة وشهرزاد راغب، فقد أكدت أهمية التدخل المبكر في الحد من أثر الإعاقة وتعليم الأطفال المهارات اليومية بطريقة علمية مدروسة.

ولتأكيد ريادته يستعد المركز لتنظيم مؤتمر التدخل 2015 برئاسة الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي مدير عام مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية في الجامعة القاسمية بالشارقة، تحت شعار (مكعبات ملونة )، يومي الأحد والاثنين 10 11 يناير/كانون الثاني 2016 على أن تسبقه أربع ورش عمل تخصصية، يوم السبت 9 يناير/كانون الثاني ومن خلال محاوره ستناقش مجموعة مختارة من أهم التجارب والأبحاث العلمية في مجال التدخل والطفولة المبكرة وأثرها في الخدمات المقدمة للأشخاص من ذوي الإعاقة للفئات العمرية الصغيرة في المؤسسات العاملة والباحثة في هذا المجال.

مثال نموذجي

تمثل المكعبات الثلاثة مثالاً نموذجياً للمحاور الخاصة بالمؤتمر ألا وهي: (ما قبل التدخل المبكر مرحلة التدخل المبكر ما بعد التدخل المبكر)، فمكعب ما قبل التدخل المبكر هو ( الوقاية والاكتشاف المبكر)، وفيه يتم تناول المجالات التوعوية وكيفية عمل البرامج الخاصة بالوقاية من مخاطر الإعاقة بمستويات الوقاية الأولية ،ويشمل كذلك البرامج والقضايا المتعلقة ببرامج الكشف المبكر واكتشاف احتماليات التأخر في النمو أو الحالات التي تكون تحت الخطر لدى الأطفال ليغطي الجوانب المختلفة التالية:

التوعية وأهميتها في برامج التدخل المبكر بالنسبة للمجالين الطبي والتربوي.
المسوحات النمائية وبرامج الكشف المبكر وعمليات وبرامج التشخيص الطبية والتربوية.

البرامج المتنوعة التي تهدف إلى الوقاية من الإعاقة من جوانبها المختلفة أوالجوانب الطبية (خلال الحمل ومراحل التخطيط للحمل والولادة والزواج)، والخدمات العلاجية المختلفة.

الوسائل والمنهجيات المتبعة في أنظمة الإحالة وكيفية نقل الخبر للأسرة والسياسات والإجراءات المتبعة.
الخبرات والتجارب المختلفة في المجالات المذكورة أعلاه
المكعب الثاني: مكعب مرحلة التدخل المبكر (التشخيص والخدمات)، ويتناول المجال أهمية التشخيص وبرامج التقييم والأساليب التشخيصية الحديثة المتبعة في مجال التدخل المبكر إضافة إلى البرامج والأساليب المستخدمة في التدخل المبكر، كما يتناول أهم الطرق و البرامج التربوية والتأهيلية المتبعة في مجال التدخل المبكر وأسرهم ليغطي الجوانب التالية:
التقييم والتشخيص في مجال التدخل المبكر وعملية تحديد نوع الإعاقة وعملية تحديد نقاط القوة والضعف لدى الطفل.
البرامج والأساليب والمناهج التربوية والعلاجية المستخدمة في التدخل المبكر.
دور الأسرة وبرامج الإرشاد الأسري وأهمية محورية الخدمات المرتكزة على الأسرة.
الخدمات العلاجية المساندة والمساعدة المستخدمة في برامج التدخل المبكر (العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي، علاج النطق واللغة، العلاج بالموسيقى، العلاج السلوكي...... الخ).
أهمية وفاعلية العناية الصحية للطفل (صحة الفم والأسنان، الصحة العامة، التغذية) ومدى انعكاسها على تطوره وتفاعله.
تجارب وخبرات الأسر والاختصاصيين والمعلمين والمراكز في المجالات الخاصة ببرامج التدخل المبكر.
العوامل والضغوط النفسية والاجتماعية للأسرة ومدى تأثيرها على نجاح البرامج المقدمة.

المكعب الثالث

مكعب ما بعد التدخل المبكر (الدمج التربوي والاجتماعي والمتابعة) وفيه سيتم الحديث عن أهمية التخطيط للبرامج الانتقالية بين الخدمات وأهمية وفاعلية الدمج وأهميته إضافة إلى التهيئة الخاصة بالأطفال داخل المدارس والوسائل التقنية المستخدمة ليغطي الجوانب التالية:

برامج الدمج الفاعل وأهميته في المراحل العمرية الأولى.

الوسائل التقنية والتجهيزات الخاصة بالأطفال من ذوي الإعاقة والتي تساهم في تفعيل الاندماج بالمجتمع.
أهمية الانتقال والتجهيز للأطفال والأسر بين الخدمات أو الانتقال النهائي من برامج التدخل المبكر
أهمية دور الأسرة والمجتمع في إنجاح برامج الدمج (التربوي والاجتماعي).

تدريب على مختلف المهارات

أوضحت الاختصاصية في القسم هبة عبد الكريم، أن الخدمات فيه تقدم للأشخاص من ذوي الإعاقة البصرية، منذ سن الولادة، حيث يتم تدريبهم على مختلف المهارات النمائية ( اللغوية، الحركية، الاجتماعية، المعرفية، العناية بالذات)، كما يتم تدريب الأسر على كيفية التعامل مع أطفالهم بطريقة صحيحة ومنهجية.

وأيضاً يتم تدريب ذوي الإعاقة البصرية على القراءة والكتابة باستخدام طريقة برايل كما تتم تهيئتهم للدمج في المجتمع، وفي حالات ضعف البصر، يتم التركيز على البقايا البصرية وتنميتها ويقدم القسم خدمات التقييم وجلسات التدريب للطلاب في عمر التدخل المبكر، ومن كل الأعمار للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وجلسات التدريب الخاصة بمبادئ برايل، والكتابة بطريقة برايل، والتدريب على مهارات الحركة والتنقل باستقلالية، كما يسعى إلى دمج الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في المدارس ومتابعتهم.

كذلك يقوم قسم برامج الإعاقة البصرية قدر الإمكان بتقديم المساعدة الممكنة لطلبته من خلال توجيه الرسائل الضرورية للمدارس وتدريب الطلبة على استخدام العصا البيضاء، كما يقوم القسم بعمليات المسح والكشف عن الإعاقة البصرية في رياض الأطفال، ويحتفل سنوياً بتنظيم فعالية اليوم العالمي للعصا البيضاء في أكتوبر/تشرين الأول من كل عام.