محمد ولد محمد سالم
تمثل الراوية الشعبية، المرحومة مريم سالم عبيد، نموذج المرأة الإماراتية التقليدية، بما تمتلكه من مهارات متعددة وتجارب في الأعمال اليدوية، وما تحفظه من أشعار شعبية ومآثر، وما تمتلكه من أخلاق كريمة، ولدت في منطقة حبحب بالفجيرة، وتنقلت بينها وبين دبا ورأس الخيمة، مما وفر لها فرصة التعرف إلى مناطق متنوعة من البلاد، وإلى فئات اجتماعية مختلفة، فغذى ذلك تجاربها في مجال معرفة المجتمع، والخبرة بأنواع الأمراض والطبائع البشرية،

تميزت بالكرم والعناية بالأهل والجيران

أتقنت عبيد عدة حرف، على رأسها الطب الشعبي، فكانت لها خبرة كبيرة بالأمراض وأدويتها، وطرق العلاج، وأساليب تحضير الأدوية، وعرفت منافع الأعشاب والمواد العلاجية المحلية وخصائص كل منها، ومنها جوز الطيب والشوارن وملح العريفي، ورق السدر والحناء والحرمل وغيرها، وكانت تتطوع بمعالجة أهلها ومعارفها وجيرانها بالمجان، واستخدمت خبراتها في علاج أولادها وأهلها أولاً، وتقدم خدمتها للآخرين بحب وتفان .
إلى جانب ذلك عرفت عبيد بأنها ربة بيت ماهرة، تقوم بشأن منزلها أحسن قيام، وترعى أبناءها، وفي ذلك الزمن لم تكن الحضانات منتشرة، ولم تكن الأمهات يعملن خارج البيت، فكن يقمن على رعاية أولادهن طوال الوقت، وهكذا كان يتوفر للطفل من الوقت الكافي للحصول على حنان الأم ورعايتها، وقلما يصاب بمرض بسبب ذهاب وقت وجباته الاعتيادية أو عدم أخذه الشراب في الوقت المناسب، أو تعرضه لمناخ سيئ، فالطفل في تلك السن المبكرة يبقى تحت عين الأم اليقظة، التي تراقب كل حركة أو سكنة تصدر منه، وكانت مريم سالم كما تروي تهتم كثيراً بهذا الجانب، وتربي أبناءها بعناية، وتعد لهم ولأهل البيت الوجبات في الوقت المناسب، وتتعهد بيتها لكي يظل نظيفاً ومريحاً .
كان من مهارات عبيد الأساسية خبرتها في حرفة "التلي" وهي من المهن الشعبية التي تمارسها النساء في الإمارات، وهي نوع من التطريز يختص بأكمام الثوب النسائي، وتستخدم فيه خيوط قطنية ذات ألوان براقة تفصل لإضفاء زينة باهرة على الثوب، حتى إذا ما لبسته الفتاة زادها جمالاً، وتتفنن المرأة المحترفة في طرح أشكال فنية ورسومات متعددة بالخيوط، تظهر رشاقة أصابعها على الثوب ورهافة حسها الجمالي، وقد كانت الراوية مريم عبيد ممن أتقنّ تلك المهنة وتفنّنن فيها، وحكت عنها تفاصيل مشوقة في مروياتها .
لم تتوقف مهارات هذه السيدة الحاذقة الذكية عند تلك الفنون، بل تعدتها إلى ما هو أعمق وأجمل، إلى الشعر الشعبي حيث حفظت الكثير منه، وتعاطته قولاً ورواية، حتى أصبح إحدى مهاراتها الأساسية، وأعانها في ذلك أنها لم تكن أمية جاهلة، فقد تعلمت في الكتّاب القراءة والكتابة، وقرأت أجزاء من القرآن، مما جعلها مؤهلة لحفظ الشعر وقرضه .
عطاء مريم سالم عبيد، رحمها الله، اكتمل بما كانت تمتلكه من أخلاق عالية وكرم متناه، والكرم يعد سمة أصيلة في الإمارات موروثة من التراث العربي الذي بنيت قيمه على أن الإنسان لا يكتمل إلا بالكرم، وكذلك من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي يتمسك به أبناء الإمارات ويطبقونه في حياتهم اليومية، وقد عُرف عنها الطيبة والخلق الكريم والعطف على الضعاف، تواسيهم وتعطيهم، وتسعد بذلك أيما سعادة .