لعل الحديث عن المساجد الأثرية في بيروت يقودنا إلى نوعين من المواصفات، نوع من المساجد المتأثرة بالعهد الأيوبي ونوع من المساجد ذات الطراز العثماني أو بالأحرى الطراز الشامي بتأثير عثماني وهو ما يصف خصائصه الدكتور قتيبة الشهابي بالطراز الشامي بتأثير عثماني التي تشكّل كل مئذنة فيه طرازاً قائماً بذاته لكنها جميعاً تعكس روحاً واحدة وطابعاً واحداً ونهجاً عمرانياً واحداً وهو ما يشير إليه الدكتور جمعة أحمد قاجة بقوله إن العمائر الدينية العثمانية كانت في بداية أمرها حلقة انتقال من الطراز السلجوقيّ إلى الطراز العثماني الذي ازدهر وتطور في اسطنبول ثم انتشر في سائر المناطق الإسلامية ويتجلّى ذلك في بيروت في بعض الأبنية والأسبلة والقصور والبيوت السكنية الخاصة والمنابر والقاعات والعناصر المعمارية والزخرفية .

تشكل مساجد وسط العاصمة اللبنانية معالم تراثية جاذبة للسياحة الدينية ومراكز تثقيف دينية تؤدي دوراً تربوياً ودعوياً يبرز الوجه الحضاري للإسلام .

ومع تحول وسط العاصمة إلى مقصد سياحي احتلت هذه المساجد دوراً بارزاً في جذب السياح وإظهار مكانتها في نشر الثقافة الدينية المنفتحة والمعاصرة . ويعد الجامع العمري وجامع أبي بكر الصديق والدباغة والمجيدية والأمير منذر النوفرة والأمير منصور السرايا من أهم هذه المساجد .

وقد بني الجامع العمري على أنقاض المعبد القديم في الحروب الصليبية في العام 1110 وتسلمه المسلمون في عهد صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين في العام 1187 ليجدد بناءه حاكم بيروت زين الدين عبد الرحمن الباعوني مع إدخال فن البناء والهندسة الإسلامي عليه . أما مسجد أبي بكر الصديق فقد أنشأه الأمير ناصرالدين حسين في عهد المماليك في العام 1293 بدلاً من جامع الدباغة القديم كما أطلق عليه اسم جامع البحر لقربه من البحر وقد سمي جامع الدباغة لقربه من الدباغة التي كانت تدبغ فيها الجلود ومشتقاتها . وانشئ مسجد المجيدية في عام 1773 وأطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى السلطان عبد المجيد العثماني حيث كان في الأصل قلعة بحرية لها برج وتقع بالقرب من البحر وتم تحويلها في عام 1841 إلى جامع .

ويعتبر مسجد الأمير منذر من أقدم المساجد التي بناها المسلمون في بيروت بعد الفتح الإسلامي، حيث أنشأه الأمير منذر بن سليمان بن علم الدين بن محمد التنوخي عام 1620 وأطلق على الجامع اسم جامع النافورة لوجود نافورة وسطه، ويعود جامع الأمير منصور عساف إلى العام 1523 وقد أنشأه الأمير منصور عساف التركماني في عهد الأمير فخر الدين وعرف باسم جامع السرايا لقربه من سراي الحكم الذي هو اليوم مقر الحكومة .

عصور مختلفة

تعكس المساجد المنتشرة في لبنان تاريخها الإسلامي، وتلخص حقبات مرت بها البلاد لاسيما أن بعضها يعود تاريخ بنائه إلى ثمانية قرون . تنتمي تلك المساجد إلى عصور مختلفة، ويعود أقدمها إلى العصر الأموي، وهناك مساجد بنيت في العصور الفاطمية والمماليكية، والعثمانية، والأيوبية، فضلاً عن مساجد بنيت في العصر الحديث لعل أبرزها مسجد محمد الأمين الواقع في قلب ساحة الشهداء بالعاصمة بيروت .

وفي دراسة رسمية حول توزيع الجوامع وأماكن العبادة في العاصمة بيروت، تبين أن الجامع العمري هو من أكبر الجوامع الموجودة في قلب بيروت، وقد أطلق عليه هذا الاسم تكريماً للخليفة عمر بن خطاب، وعرف أيضا باسم جامع فتوح الإسلام، والجامع العمري حوله الفرنجة عند احتلالهم بيروت إلى كاتدرائية، بقيت في حوزتهم حتى عام 1291 م فاستعاده المسلمون ثانية في عهد الأمير سنجر، مولى الملك الأشرف خليل بن السلطان قلاوون، ومنذ ذلك التاريخ هو بيد المسلمين .

أما مسجد محمد الأمين فيقع في قلب ساحة الشهداء المتصلة ب ساحة رياض الصلح طرازه إسلامي وعثماني وعربي مساحته (9778 م2)، بما فيها الطوابق السفلية والميزانين، وله ثلاثة مداخل (شرقي وشمالي وغربي) يدخل المؤمن إليه عبر ردهة خارجية من ساحة الشهداء، أو من ناحية الشمال عبر مدخل محوري باتجاه القبلة وفيه خدمات الوضوء، وله أربع مآذن، ويتسع لنحو 6250 مصلياً ويتسع الطابق الأرضي ل4200 مصل، وفي حرمه ضريح رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري .

ويقع جامع الأمير منذر أو النوفرة الذي يقع في وسط بيروت، وقد بناه الأمير منذر التنوخي (1620م) في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، وأطلق على جامع الأمير منذر اسم جامع النوفرة، لوجود نافورة ماء في صحنه، ويقع في باطن بيروت، وغربي الجامع العمري الكبير، إزاء باب إدريس وسوق الطويلة .

يعرف جامع السرايا باسم جامع الأمير منصور عساف الذي أنشأه خلال فترة إمارته التي امتدت من نهر الكلب إلى المرفأ البحري، وأطلق عليه اسم جامع دار الولاية ويقع على مدخل سوق سرسق تجاه الزاوية الجنوبية الشرقية لمبنى بلدية بيروت .

ويتصل جامع المجيدية الذي كان أصلاً، قلعة من قلاع بيروت البحرية، وبرجاً شاهقاً من أبراجها، بنهاية سوق الطويلة المعروف، وأطلق على هذه القلعة بعد تحويلها إلى مسجد اسم جامع المجيدية أو المجيدي، نسبة إلى السلطان عبد المجيد، ولقد دمر هذا المسجد إبان الحوادث المؤسفة في العام ،1975 وقامت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية بترميمه من جديد، وأضافت مئذنة عالية إلى جانب القديمة .

تبعات الحروب

يشير الدكتور جمعة أحمد قاجة في موسوعة فن العمارة الإسلامية إلى أنه على الرغم من أن مدينة بيروت ذات تاريخ موغل في القدم حيث ظهرت في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، تعرّضت للضرر المباني والمعام الأثرية، خصوصاً خلال الحرب الأهلية الضارية منذ العام 1975 وحتى 1991 والاجتياح الإسرائيلي في العام ،1982 فكل هذه الحروب كانت لها تبعاتها، فالجامع العمري الكبير مثلاً وهو من أهم مساجد بيروت وأكبرها تعرّض لأضرار خلال الحرب بسبب موقعه في الوسط التجاري، وقد أعيد ترميمه وزخرفته على طراز إسلامي، وهكذا كان لهذا تأثير في مدى حضور العمارة الإسلامية في هذه المدينة قياساً إلى مدينة مثل طرابلس .